English  

كتب نهاية الأمير فخر الدين

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

نهاية الأمير فخر الدين (معلومة)


كان والي حلب ووالي دمشق ينظران بحقد وغيظ إلى ما بلغه فخر الدين من نفوذ، وكان بعض الأمراء العرب في فلسطين يترقبون الفرص للتخلص من سيطرة الأمير عليهم. وكان أعداء الأمير في لبنان، وهم من رجال الحزب اليمني، يعملون على إثارة الولاة وإرسال الشكاوى إلى الباب العالي في إسطنبول، ليدعموا بها تقارير الولاة عن أعمال فخر الدين ومطامحه. وكان كل من هذه الشكاوى والتقارير كافيا لإثارة غضب السلطان على الأمير المعني، ومما اتهم به: 1. تحقير الدين الإسلامي والدفاع عن المسيحيين، 2. توسيع أراضيه بعد أن ضم أراضي جيرانه إليه، 3. المماطلة في أداء الضرائب المفروضة عليه. وجاء في شكوى قدمها والي حلب أن هدف الأمير من إعادة بناء قلعتيّ بيروت وصيدا وسائر القلاع هو القضاء على الدولة العثمانية نفسها، وأنه اتفق مع دولة توسكانا على ذلك فأوفدت له الخبراء والمهندسين. وأكد ظنون الدولة العثمانية، ما كتبه والي القدس العثماني، وما رواه التجار الأوروبيون في إسطنبول عن وجود اتفاقيات سريّة بين فخر الدين وإسبانيا وتوسكانا والبابا لاحتلال الأراضي المقدسة. والواقع أن الدولة العثمانية لم تكن بحاجة إلى هذه الأسباب لتعلن عدائها للأمير، بل يكفيها ما كانت تلاحظه من أن الأمير كان يتصرف في إمارته تصرف السيد المستقل، فيعين الموظفين ويعزلهم، ويُجهز الجيوش ويبني القلاع ويقيم العلاقات مع الدول الأجنبية، ويسمح لها بأن تنشئ قنصليات في صيدا.

حملة أحمد الكجك

ولما انتصر السلطان مراد الرابع على الفرس وقضى على ثورة الانكشارية، رأى أن الوقت قد حان للقضاء على هذا الأمير الذي ذاعت شهرته في كل مكان، خصوصا وأنه أراد أن يعيد للدولة العثمانية ما فقدته من النفوذ بسبب إهمال بعض أسلافه وعدم إطاعة الانكشارية وامتناعهم عن الحرب عند الحاجة القصوى، فجهّز حملتين كبيرتين: الأولى بريّة تتألف من 80,000 مقاتل من الأتراك ورجال الولاة، يقودها أحمد الكجك بعد أن منحه رتبة الباشوية وعيّنه واليا على دمشق، وقد اختار السلطان أحمد الكجك لأنه كان يعمل في خدمة الأمير فخر الدين ويعرف كل أسراره، فلما طرده الأمير حنق عليه وسافر إلى إسطنبول وظل يتنقل في المناصب، ويُغذّي حملة العداء ضد الأمير، حتى سنحت له الفرصة عندما عينه السلطان على رأس الحملة البريّة الموجهة ضد الأمير. والحملة الثانية بحرية يقودها أمير البحر جعفر باشا، وكانت تتألف من عشرين مركبا حربيّا.

توجهت الحملتان إلى لبنان عام 1633. وقد مهّد الكجك لمهاجمة الأمير، ببث الشقاق بين أنصار الأمير، فأغرى بعضهم بالمال لكي يتخلوا عن الأمير. ثم ضمّ إليه بعض جيران المعني من الولاة والأمراء الذين كانوا يخضعون لكل قوي. أما الأمير فقد حاول تنظيم مقاومة فعّآلة، فاستنهض رجال البلاد، ودعاهم للدفاع عن بلادهم، فلم يلبّ نداءه إلا حلفاؤه من آل شهاب، وآل الخازن، وآل حبيش، وبعض "السُكمان"، فوزعهم على القلاع لكي يصمدوا في وجه الحملة العثمانية، وأسرع يستنجد بدولة توسكانا، ولكن أمله بالمعونة لم يتحقق. عندئذ حاول الأمير إغراء جعفر باشا قائد الأسطول البحري، فأبلغه أنه يعلن الطاعة لأوامر السلطان ويُسلّم قلعتيّ بيروت وصيدا، ويُقدم مبلغا من المال. ولكن قائد الأسطول تسلّم القلعتين وفاز بالمال، ولم يتوقف عن قتال الأمير. وفوجئ الأمير في أحرج الأوقات بمصرع ابنه علي قرب حاصبيا في معركة بينه وبين قوات الكجك، وكان فخر الدين يعقد على ولده الشجاع أكبر آماله.

شعر فخر الدين عندئذ بضعفه أمام عدوه القوي، الذي احتل أكثر المواقع المحصنة وفرّق بين اللبنانيين بالإرهاب والإغراء، فتوجه إلى قلعة نيحا ليُباشر مفاوضة العثمانيين وإرضائهم بالمال. ولكن الكجك كان يطمع بخزانة فخر الدين كلها، وكان يطمع في الوقت نفسه بالجائزة التي وضعها السلطان لكل من يقبض على الأمير المعني، ولذلك حاول اقتحام القلعة وإخضاعها، فلم يُفلح، بل تكبد خسائر كبيرة طوال الحصار الذي دام سنتين. وبينما كان الأمير يفاوض دوق توسكانا ليجهز له مركبا يبحر عليه هو وأسرته، أقدم أحد خدمه على خيانته، فقد أرشد الكجك إلى مجرى الماء الذي كان يصب في القلعة، فأفسد الكجك الماء بالذبائح والأقذار. ولمّا أحسّ الأمير بتلوث المياه انتقل تحت جنح الظلام إلى مغارة جزين. ولكن رجال الكجك ظلوا يلاحقونه حتى عرفوا مكانه، وهناك صبّوا الخل على صخر المغارة الكلسي، فأصبح ليّنا لنقر الإزميل. ولم تلبث قوات الكجك أن فتحت مغارة أخرى تحت المغارة التي يُقيم فيها الأمير، وثقبت الصخر الفاصل بينهما، فوقع الأمير أسيرا بين أيدي العثمانيين سنة 1635. ولم يكف الكجك عن خداعه بعد أن أصبح الأمير بين يديه، فقد كان يطمع بمال الأمير. فلمّا عرض عليه الأمير أن يدفع له مبلغا كبيرا من المال، وأن يتنازل عن الحكم لولده منصور، أظهر الكجك قبوله بذلك. فأوعز الأمير إلى ابنه منصور بأن يُقدم للباشا الهدايا الثمينة، كما أوعز إلى أحد أعوانه بدفع المال المطلوب. ولكن الكجك أخذ المال والهدايا، من غير أن يُطلق سراح الأمير فخر الدين.

أيام الأمير الأخيرة

أرسل الأمير فخر الدين أسيرا إلى دمشق واودعه الكجك وأولاده ونساءه في قلعة دمشق وعاد هو إلى لبنان. نُقل الأمير بعذ ذلك إلى إسطنبول مع أولاده وبقيت زوجاته في دمشق. وفي إسطنبول استطاع الأمير أن يُقنع السلطان العثماني بأنه لم يُعلن العصيان على الدولة، وأثبت أنه كان يؤدي سنويّا، الأموال المطلوبة منه، ولكنها لم تكن تصل دائما إلى السلطان. فعامله بالرفق ورضي عنه وتقرر أن يُقيم في ما يشبه الإقامة الجبرية في العاصمة. وظن كثير من الذين شاهدوا هذه المعاملة أن الأمير سيعود إلى سابق مجده وعزه. وبلغت السلطان أنباء مقلقة من والي دمشق؛ فقد ثار على الدولة ابن شقيق فخر الدين، الأمير ملحم بن يونس، بعد أن علم بأسر عمه ومقتل أبيه. لقد جمع حوله جمعا كبيرا وهاجم جيش والي دمشق، كما هاجم أنصاره صيدا وضواحي بيروت، وثاروا في جميع المناطق وانتقموا من العثمانيين. عندئذ أمر السلطان بقتل زوجات الأمير فخر الدين في دمشق، وبقتل فخر الدين وأولاده، فنفذوا أمره في 13 أبريل 1635، ورُوي أنه عٌُلّق على باب السراي شنقاً وقيل قُطع رأسه وحُكي أنه دُق في جرن هرسا.

إرث الأمير وذكراه

زال الأمير فخر الدين من مسرح الحياة السياسية بعد أن كان أعظم حاكم وطني عرفه لبنان، وأعظم شخصية عرفتها الولايات العثمانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وبعد أن أصبح باعتراف الدولة "سلطان البر" و"أمير عربستان". بقي من أولاد فخر الدين أصغرهم سنّا "حسين" الذي استبقاه السلطان حيّا وجعله في حاشيته. وقد أصبح "حسين بك" فيما بعد وكيل خزينة الدولة، وانتدبه السلطان محمد الرابع سفيرا إلى الهند، ويُقال أن الحكومة العثماية استشارته عند تعيين "بشير الأول الشهابي" أميرا على لبنان فأشار بهذا الرأي.

ترك فخر الدين ورائه سمعة طيبة عند معظم اللبنانيين، وأخبارا عن عظمته ومجده وقوته، ويقول بعض المؤرخين بأن فخر الدين الثاني كان أعظم شخصية وطنية عرفها لبنان منذ أقدم عصوره حتى اليوم، بينما يرى أخرون أن فخر الدين لم يكن أعظم شخصية لبنانية على الإطلاق، إذ أن الكثيرون من بعده حققوا شهرة كشهرته ومجدا كمجده على المستوى المحلي والعالمي، مثل الأمير بشير الثاني الشهابي، واللواء فؤاد شهاب، والرئيس رفيق الحريري. ينظر بعض الناس اليوم إلى فخر الدين على أنه كان وطنيّا بالفعل تهمه مصلحة لبنان وشعبه، وإنه كان يرغب باستقلاله عن الولاة العثمانيين الذين كانوا يفرقون الشعب ويستغلون الناس لتحقيق مصالحهم الخاصة دون الالتفات لمصلحة لبنان، وإنه شعر أن لبنانه، أي الشوف، ليس كل وطنه وأنه لن يتمكن ابدا من بناء وطن كبير ما لم ينهج نهجا معاكسا لنهج السلطنة التي حكمت بسياسة "فرق تسد". ولكي يتمكن من إعادة الوحدة للمقاطعات اللبنانية، التي فرقها الحكام الخارجيون، كان عليه ان يهادن السلطنة وبذات الوقت يضم المقاطعات واحدة بعد الأخرى. بينما يراه آخرون على أنه خائن ومنقلب على الدولة العثمانية، حامية المسلمين والخلافة الإسلامية، وإنه هو من راسل ابن أخيه يطلب منه الثورة بلبنان ليضغط على الخليفة ليفرج عنه، وبالفعل ثار الأخير وعلم الخليفة مراد الرابع بما جرى فأمر على الفور بإعدامه.

مما يُجمع عليه المؤرخين هو تسامح فخر الدين مع جميع الأديان وإطلاقه لحرية إقامة الشعائر، مما جعل الناس يشعرون بأنه غير غريب عنهم ويتقربون منه ويحترموه. فقد بنى جامع القاع في البقاع، والجامع البرّاني في صيدا، وحافظ على المسجد القائم في عاصمته دير القمر، وأسهم في إقامة كنيسة بكفيّا وكنيسة العربانية. وكان لقيادته الحكيمة هذه الأثر الأكبر في نشر السلام والرخاء بسرعة في جميع بلاد الشام. وكان على صلات جيدة مع القبائل القوية الشكيمة في نابلس وجبال اليهودية ورُحّل الصحراء ودروز الجبل الأعلى في حلب والأنصارية. يقول الشيخ أحمد الخالدي الصفدي كاتب سيرة الأمير:

ما يختلف عليه المؤرخون هو دين الأمير وأصله، إذ أن كل طائفة ادعت بأنه ينتسب إليها. فقال المسلمون أن دليلهم انه كان مسلما سنيا، بناؤه للجوامع وتعدد زوجاته وصيامه رمضان هو وعياله. وقال المسيحيون أنه مسيحي بسبب إحسانه مثوى المسيحيين المظلومين فاعتزوا في ايامه، وركبوا الخيل، ولبسوا السراويل الواسعة والزنانير المزركشة، وسمح لهم باقامة شعائرهم الدينية جهارا وبقرع النواقيس، وكان كل ذلك محرما عليهم من قبل. أما الدروز فلم يجدوا عناء في إثبات درزية الأمير المعني، فالأمير ولد من أبوين درزيين وعاش بين قومه الدروز وبقي درزيا حتى وفاته، فجده كان أمير الشوف ذي الأغلبية الدرزية، فمنطقيّا أن يكون درزيّا، كما أن والده حمل اسم "قرقماز" وهو اسم نادر بين النصارى والمسلمين في لبنان وشائع عند الدروز. أما اليهود فأطلق الحرية لحخاميهم أن يمارسوا شعائرهم وطقوسهم الدينية، ولتجارهم أن يعملوا في الأراضي والمناطق الواقعة في امارته، فقالوا أنه يهودي.

قام النحّات اللبناني "حليم الحاج" بنحت تمثال للأمير فخر الدين الثاني ووُضع هذا التمثال على مدخل وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة، بعد أن تدخلت قيادة الجيش وقامت بنقله على نفقتها من روما حيث نُحت إلى لبنان. كذلك هناك تمثال شمعي للأمير في قصره الذي غدا اليوم متحفا للتماثيل الشمعية.

المصدر: wikipedia.org