اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان السلطان الأيوبي يطلب من الخليفة العباسي بصفته الرئيس الأعلى لبلاد المسلمين تفويضًا يجعل حكمه في مصر حكمًا شرعيًا، رغم أن سلطان الأيوبيين على البلاد التي تحت أيديهم كان سلطانًا مطلقًا، ولم تكن للخلافة العباسية عليه أية نفوذ، ولكن سلاطين الدولة الأيوبية حرصوا على الحصول على هذا التفويض دومًا، وكان الناصر صلاح الدين أول مَنْ اتشح بخلعة الخليفة العباسي من سلاطين مصر الأيوبيين. يُعدُّ صلاح الدين أول مَنْ اتخذ لقب السلطنة من حكام مصر، وقد حصل على لقب سلطان، ولقب محي دولة أمير المؤمنين لأعماله الجليلة التي قام بها في نشر المذهب السني والقضاء على المذهب الإسماعيلي الشيعي، ونجاحه في مناهضة الصليبيين وصدهم عن بلاد المسلمين. اتخذ صلاح الدين من لقب السلطان الملك الناصر لقبًا للتعامل، رغم حصوله على ألقاب عديدة تحمل في طياتها معانى العظمة والأبهة والجاه، مثل: السيد العالم العادل المظفر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان، صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك والسلاطين، كانت هذه الألقاب تبين عظمة ما بلغه سلاطين الدولة الأيوبية، خاصة أن لكل لقب من هذه الألقاب موقفًا عظيمًا وحادثًا جللا خاضه السلطان فمُنح اللقب على إثره. دُوِّنت الألقاب في الرسائل التي تُبودلت بين السلاطين وملوك أوروبا، وفي الكتابات التاريخية، وعلى السكة والعمائر، والتحف الفنية، وفهارس دار الآثار العربية.
كان السلطان يقيم مع أسرته وحاشيته ورجال بلاطه في قلعة الجبل، وهو رئيس الدولة الأعلى الذي له الحق في الهيمنة على شئون الأمراء الخاصة والعامة، وفي تدرجهم الوظيفي، وفي توزيع الإقطاعات والجنود عليهم وتحديد أنصبتهم، وكان على السلطان تعيين موظفى الدولة وعزلهم، وتأديبهم والنظر في المظالم وقيادة الجيوش في الحروب. كان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقَرُّ من خلاله مشروعات الدولة الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو إصلاح لهيكل من هياكل الدولة، وكان هذا المجلس يُسمَّى: مجلس السلطنة، وكان أعضاؤه من كبار موظفى الدولة للاستئناس بآرائهم ومشورتهم قبل الإقدام على تنفيذ المشروعات والخطط، ويتولى أمير المجلس الذي يشبه منصبه منصب كبير الأمناء الآن الأمور الخاصة بمجلس السلطنة، وله حق التصرف في شئون البرتوكول، كما كان يتمتع بالجلوس في حضرة السلطان بحكم هذه الوظيفة.
نيابة السلطنة وظيفة استحدثها السلاطين الأيوبيون لأول مرة في التاريخ الإسلامي، واستمرت قائمة بعد ذلك حتى نهاية عصر المماليك، فأصبح النائب كأنه سلطان ثاني، ويشترك مع السلطان في منح لقب الإمارة، وتوزيع الإقطاعات، وتعيين الموظفين، وتوقيع المراسيم والمنشورات، وتنفيذ القوانين، والخروج على رأس فرق الجيش في المواكب الرسمية، يحف به الأمراء عند دخوله أو خروجه من قصر السلطان، وكان يُلقَّب بكامل المملكة الشريفة الإسلامية، لأن من اختصاصاته تصريف أمور الدولة عامة سواء أكان السلطان بالقاهرة أم كان متغيبًا عنها. هناك نوع آخر من النيابة يقول عنه تقي الدين المقريزي: «يقوم النائب فيها بمهام الدولة إذا خرج السلطان إلى الصيد، أو سار على رأس الجيش في حرب خارجية». كما اتخذ سلاطين الدولة الأيوبية في مصر وزراء لم يحددوا سلطتهم، ولم يجعلوها مقصورة على التنفيذ، بل جعلوها سلطة مطلقة، فأصبحت الوزارة أعلى الوظائف وأرفعها، وأصبح صاحبها باب الملك المقصود، ولسانه الناطق، ويده المعطاءة. بلغ من استئثار بعض خلفاء صلاح الدين بالسلطنة أن استغنوا أحيانًا عن وظيفة الوزير، ومن ذلك السلطان العادل الذي استوزر الصاحب صفي الدين بن شكر، ولكنه ما لبث أن تغير عليه فأقاله من الوزارة، وترك المنصب خاليًا دون أن يعين فيه وزيرًا حتى مات، وعندما تولى الكامل بن العادل السلطنة أعاد ابن شكر إلى الوزارة، فلما شعر بأن ابن شكر أساء الأمانة وأحدث حوادث كثيرة وحصَّل مالًا جمًا، عزله وأحاط بجميع موجوده ولم يستوزر بهده أحدًا. بالإضافة لوظيفة الوزير وجدت وظائف سامية في الدولة الأيوبية منها: وظيفة الحاجب: ومهمته إدخال الناس على السلطان، ووظيفة الاستادار: ويفوض إليه النظر غي إدارة البيوت السلطانية، ووظيفة الداودار: ويقوم بإبلاغ الرسائل إلى السلطان والحصول على توقيعه على المراسيم والمناشير السلطانية، ووظيفة الناظر الخاص: وهو المكلف بالشؤون المالية للسلطان.
اعتبرت الدولة الأيوبية أن جميع الأقاليم متساوية في التبعية، وانحصر تعيين ولاتها بين أفراد الأسرة الأيوبية، فأخذ أولاد صلاح الدين الأقاليم المهمة والحساسة مثل مصر ودمشق وحلب، والأقاليم الثانوية كانت من نصيب إخوة صلاح الدين وأولادهم، وقد أطلق على جميع أصحاب الأقاليم لقب الملك أو السلطان دون تفريق بين إقليم وآخر. أما الجهاز الإداري فقد اعتمد على مجموعة من الدواوين على رأس كل منها موظف كبير يسمى ناظرًا أو رئيس، من أهم الدواوين الأيوبية: ديوان الجيش، ديوان الأسطول، ديوان المالية، ديوان الانشاء، ديوان الأحباس. يتبع ديوان الانشاء إدارة البريد التي احتل أصحابها مركزًا مرموقًا في هذا العصر. كان لكل ديوان عدد من الموظفين يتبعون الرئيس وينفذون أوامره، بالإضافة لعدد آخر من الوظائف الإدارية، مثل: والي القاهرة، والي الفسطاط.
في سنة 564 هـ افتتح الناصر صلاح الدين مدرستين لتدريس الفقه، وجعل إحداهما لتدريس الفقه الشافعي، وجعل الأخرى للفقه المالكي، وفصل جميع القضاة الشيعة، وعين بدلًا منهم قضاة من الشافعية السنة، فاقتصر القضاء على مذهب الإمام الشافعي، كما أن قاضي الشافعية صدر الدين درباس لم يُنب عنه في أقاليم مصر إلا من كان شافعيًا، ومن ثم انتشر المذهب الشافعي في مصر وما يتبعها من أقاليم. كان الذي يتولى منصب القضاء في القاهرة وسائر أعمال الديار المصرية في عهد الأيوبيين قاضٍ واحد هو بمثابة قاضي القضاة، وله حق إنابة نواب عنه في بعض الأقاليم. كان للقاضي في عهد الأيوبيين أعوان يساعدونه على العدل في الحكم وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فكان منهم الجلواز الذي يستعين به القاضي على تنظيم قاعة الجلسة، وحفظ النظام، وترتيب الخصوم وفق ترتيب حضورهم، ومنعهم من التقدم إلى القاضي في غير دورهم، ومراعاة الآداب في مجلس القضاء، ومنهم الأعوان ومهمتهم إحضار الخصوم إلى المحكمة، والقيام بين يدي القاضي عند نظره في الخصومات إجلالا لمركزه، ومنهم الأمناء ومهمتهم حفظ أموال اليتامى والغائبين، ومنهم العدول ومهمتهم مراعاة دقة عبارات السجلات والعقود ومطابقتها للشرع، وتزكية الشهود.
كانت الدولة الأيوبية إحدى الدول القوية ذات الاقتصاد القوي، فقد امتلكت ما تركه الفاطميون عقب سقوط دولتهم، ونظمت الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم حروبها وفدية الأسرى، واستخدمت هذه الموارد لصالح البلاد الإسلامية كافة، وأنفقت على تسليح الجيش وإعداده جزءًا كبيرًا منها، وبنت القلاع والحصون، وقامت بالإصلاحات الداخلية في البلاد. غَيَّر الناصر صلاح الدين النظام الاقتصادي الذي كان سائدًا قبله، وقلل من النظام الإقطاعي، فقضى بذلك على استقلال أمراء الإقطاعات، وقوَّى الحكومة المركزية، فكان لهذا أثره الكبير في ازدهار حالة البلاد الاقتصادية. أولى الأيوبيون الزراعة عنايتهم، فهي عماد حياة البلاد، فطهَّروا الترع، وأقاموا الجسور، ونظموا وسائل الري، لدرجة أن السلطان الكامل كان يراقب المهندسين بنفسه أثناء إقامتهم السدود والخزانات، وغير ذلك من أعمال الرى الخاصة، فنشطت الزراعة دون أن تؤثر الحروب عليها، فقد كانت حروب الأيوبيين تتوقف في سوريا شتاءً، وهو موسم الزراعة في مصر. نشطت التجارة كما ازدهرت الزراعة في العصر الأيوبي، وأصبحت مصر آنذاك همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد السلطان العادل معاهدة تجارية مع البندقية في سنة 605 هـ الموافق 1208م، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات تجارية في الموانى المصرية، خاصة الإسكندرية، في مقابل أن يمنعوا الصليبيين من التقدم نحو مصر، فلما ولي السلطان الكامل حكم البلاد أقر ما اتفق عليه السلطان العادل مع أهل البندقية، وسمح لهم بتأسيس سوق تجارية في الإسكندرية، سُمِّيت سوق الأيك، ومنح الامتيازات نفسها لأهل بيزة الذين أرسلوا قنصلا لهم إلى الإسكندرية، فأدت هذه الخطوات إلى ازدهار التجارة وانتعاش الاقتصاد، وزيادة دخل الدولة.
اقتصرت الصناعة في العصر الأيوبي على إنتاج البلاد من المواد الخام، والتي كانت في أغلبها زراعية، أما عدا ذلك من المواد المستوردة فكانت قليلة كالمصنوعات الحديدية والحريرية التي كانت تعتمد على الحرير الشامي الخام. يعد النسيج من أهم صناعات مصر في ذلك العصر، حتى أن أنواعًا معينة أحرزت شهرة عالمية مثل قماش الفستان، واحتلت المنسوجات الكتانية مكانة مرموقة بسبب وفرة الكتان، وكانت تنيس تصدر من الأقمشة الكتانية إلى العراق وحدها بثلاثين ألف دينار سنوياً، يضاف إلى ذلك ازدهار المنسوجات الحريرية الموشاة بالذهب، كما اشتهرت صناعة الأقمشة الصوفية، أما القطن فكان معروفًا في العصر الأيوبي، لكنه بقي أقل جودة من الصناعة الكتانية، وفي ذلك يقول الثعالبي: «إن القطن لخرسان والكتان لمصر». كانت المصانع النسيجية تنقسم إلى قسمين: مصانع حكومية منتشرة مابين الوجه البحري والوجه القبلي وفي مصر الوسطى، ومصانع خاصة تم توزيعها في الطوابق العليا من العمائر الضخمة التي شيدت على النيل خارج دمياط. ازدهرت في القاهرة صناعة الحفر على الخشب، تتمثل في رائعة قبة الإمام الشافعي، ومحراب ضريخ الملك نجم الدين أيوب، ومن الصناعات التي راجت في العصر الأيوبي صناعة الورق، وكانت أهم مراكزها طبرية ودمشق وطرابلس، كما ازدهرت صناعة الزجاج وبالأخص في حلب ودمشق والفسطاط، أما الخزف فقد أخذت صناعته تضمحل. كما ازدهرت صناعة المعادن والفسيفساء.
مرت مصر بانتكاسة اقتصادية في عهد العادل نتيجة انخفاض مياه نهر النيل الذي ترتب عليه قلة الزراعة، فحدثت المجاعة واشتد القحط، وبذل العادل جهودًا كبيرة لمواجهة هذه الأزمة، فكان يخرج بنفسه أثناء الليل ويوزع الأموال على الفقراء والمساكين والغرباء، ولكن الموقف ازداد سوءًا وتفاقم خطره حين وقع زلزال مروِّع وقت المجاعة هدم كثيرًا من المبانى، وأزهق أرواحًا لا تُحصَى في مصر والشام، ولكن الأوضاع سرعان ماعادت إلى طبيعتها بعد زيادة مياه النيل سنة 601 هـ الموافق 1204م، فزادت الغلال وخفت المجاعة، وانتهى أمر النكبة بعد أن تكاتف الجميع للقضاء عليها وإعادة الاقتصاد إلى سابق عهده.
لم يطرأ تغيير كبير على النظام المالي الذي كان سائدًا في مصر منذ العصر العباسي، فبقيت إيرادات الدولة الرئيسية تنقسم إلى قسمين، الخراجي: وهو ما يدفعه المزارع من ضريبة سنوية مفروضة على الأرض التي يقوم بفلاحتها والتي تزرع حبوبًا ونخلًا وعنبًا وفاكهة، وقد أدخل صلاح الدين ما يسمى بالبدل في جميع الخراج، أي أن يؤدي الخراج عينًا فيدفع الفلاح كميات من الشعير أو الحمص بدلًا من القمح. الهلالي: وهو ما يؤخذ من الضرائب على الكلأ وما يصطاد من السمك وكان يعرف الهلالي بالمرافق والمعاون. توسعت الضرائب المستندة من الخراجي والهلالي لتشمل أنواعًا عديدة منها: الأحكار: وهي عبارة عن الأجرة المتحصلة من مساحة الأراضي، وضريبة الغروس: وهي الأماكن التي تقع بالاقطاعات ولا تصل إليها المياه واراد بعض الأفراد استئجارها لقاء مبلغ معلوم، والضريبة على الجهات التي توافر فيها أشجار السنط، فيدفع أهالي تلك المناطق مبلغًا من المال مقابل انتفاعهم بأخشابها، المعادن: فقد تقرر مصادرتها ولا تباع إلا في المتاجر السلطانية بالإسكندرية. من الموارد المالية ضرائب أخرى كالجوالي: وهي ضريبة مفروضة على أهل الذمة، وأموال المواريث، متحصلات ديوان الأوقاف، والضريبة المفروضة على التجار الأجانب القادمين إلى مصر، ضريبة المكوس المفروضة على الحجاج، لكن صلاح الدين رفعها أما سخط الناس. بالرغم من تعدد إيرادات الدولة وتنوع مواردها إلا أن أبواب المصروفات كانت عديدة مما أدى إلى وقوع البلاد في أزمة مالية، لكن صلاح الدين استطاع تدارك الموقف وأصدر عملة ذهبية كاملة العيار، لكن هذا الاستقرار المالي لم يدم طويلًا بسبب أعباء الحروب المضنية بين الصليبيين والأيوبيين، فقام صلاح الدين بإصدار عملة نصفها من الفضة ونصفها الآخر من النحاس، مما دفع الناس للاحتفاظ بما لديهم من الذهب، فانحطت عملية البيع والشراء، مما اضطر الملك الكامل إلى إصدار دراهم نحاسية.
أسهمت الحملة الشامية النورية في نشوء الجيش الأيوبي سواءً في عهد وزارة شيركوه وصلاح الدين، وقد تطورت وتوسعت قدرات الجيش إلى حد كبير بعد القضاء على الخلافة الفاطمية، يقول المقريزي: «في مستهل عام 567 هـ / 1171م ومع القضاء على الخلافة الفاطمية جرى عرض عسكري اشترك فيه مختلف صنوف الجيش الصلاحي قديمها وحديثها بأسلحتها وخيولها وعدتها الحربية، وقد دُعي إلى مشاهدة العرض رُسل البيزنطيين والصليبيين»، ويضيف: «في عام 577 هـ/ 1181م قام صلاح الدين بالنظر في أمور جيشه لمعرفة الزيادة والنقصان الحاصلة في جنده، واستقرت العدة على ثمانية آلاف وستمائة وأربع في عدد جنده، وستة آلاف وتسعمائة وستة سبعين طواشياً، أما القراغلامية فكان تعدادهم ألفاً وخمسمائة وثلاثة وخمسين»، وبلغت نفقات الجيش السنوي (3.670.000) دينار. بدأ صلاح الدين بعد وصوله إلى بلاد الشام بكسب تأييد بقايا الجيش النوري في دمشق، واستطاع أن يخلق منه جيشًا شاميًا تابعًا له يلازمه في تحركاته، وبهذا صارت لصلاح الدين قوتان: قوة مصرية احتياطية لجيش الشام يستخدمها لدى الحاجة الشديدة إليا وللدفاع عن مصر ضد عدوان خارجي محتمل، وهذه القوة هي امتداد للجيش النوري القادم من الشام تحت قيادة شيركوه، والذي كان قوامه ثمانية آلاف فارس وآلاف أخرى من المشاة، ثم انضمت إليها جماعات حتى تضاعف حجمها، ثم قوة أخرى شامية تحت تصرفه المباشر، وهي التي ترافقه في تحركاته العسكرية، وكان مركزها دمشق، وضمت هذه القوة بالدرجة الأولى قوات جيش نورالدين محمود.
شكل صلاح الدين جيشه من المماليك الأسدية القدماء، وسائره من الأحرار الأكراد الذين دخلوا مصر في حملة شيركوه الثالثة، فضلًا عن المماليك الأتراك الذين اشتراهم لنفسه وسماهم الصلاحية نسبة إلى اسمه وعهد بقيادتهم إلى الأمير أبي الهجاء، صار الصلاحية والأسدية الحرس الخاص لصلاح الدين. تنقسم تشكيلات الجيش الأيوبي إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى: تتألف من الترك والأكراد والتركمان، وكانوا يحصلون على رواتبهم كاملة، الفئة الثانية: تتألف من الكنانية والعساقة الذين هاجروا من جنوب فلسطين بعد سقوط عسقلان في يد الصليبيين، وانضم إليهم من ماثلهم من الأجناد القادمين من خارج مصر، وهؤلاء يحصلون على نصف الراتب، الفئة الثالثة: تتألف من الجند الذين يخدمون في الإسطول البحري، ولا يحصلون إلا على ربع الراتب. يُضاف إلى هذه الفئات الثلاث فرقة من المتطوعين التركمان والأكراد والعرب، وكانوا بمثابة جند غير نظاميين، يعملون مقابل ما يتقاضونه من أجور. أنشأ صلاح الدين ديوانًا للجيش، وجعله مسؤلًا عن الشؤون الخاصة بالجيش، فكان هذا الديوان بمثابة وزارة الدفاع في وقتنا الحاضر. اتخذ صلاح الدين عدة خطوات اصلاحية لتدعيم جيشه، أولًا: لجأ إلى تعميم نظام الاقطاع الحربي، أي أنه صار لكل من كبار الأمراء والقادة إقطاع مقابل ما يقدمونه من العساكر، وقد سمي الديوان الذي يشرف على شؤون الجيش بديوان الاقطاع، وهذا يدل على مدى اعتماد التنظيم العسكري الأيوبي على النظام الاقطاعي، ولم يكن هذا الاقطاع وراثيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا أنه كان يحدث أن يورث الأمير اقطاعيته لابنه الأكبر الراشد، وإذا كان ابنه قاصرًا رتب له السلطان معه رجلًا يثق إليه فيتولى أمره إلى أن يكبر، ويكون هذا الرجل بمثابة أتابكًا له، ولم يشمل الإقطاع كافة الامراء بل كان يشمل الذين عرفوا بشجاعتهم ونكايتهم بالعدو. ثانيًا: أرسل أخوه ثوران شاه سنة 569 هـ الموافق 1174م إلى اليمن على رأس جيش كبير كي يقع عبئه على كاهل تلك الديار، ثالثًا: تخلص صلاح الدين بشكل كبير ممن تبقى من جند الفاطميين الذيم دخلوا جيشه، فبعث بهم إلى أقصى بلاد الصعيد. أعاد صلاح الدين تنظيم جيشه عدة مرات، حيث أن الجيش الأيوبي لم يبق على حال واحد من الكثرة العددية والنفقات طوال العصر الأيوبي، فبعد انتهاء مرحلة الجهاد ضد الصليبيين وعقد صلح الرملة، سرح صلاح الدين أكثر من نصف العساكر المصرية، ثم ازداد الجيش وارتفعت نفقاته أيام السلطان الكامل عندما وقعت الحملة الصليبية الخامسة. لم يستخد صلاح الدين كل الجيش في حملاته على الشام، لأنه كان مقتنعًا بخطر الصليبيين الداهم لمصر، فاضطر إلى الاستغناء عن نصف الجيش وابقائه داخل البلاد، كانت المرة الوحيدة التي أرسل فيها قسم كبير من جيشه في مصر إلى الشام أثناء حملته على الرملة وما أصابه من هزيمة قاسية.
عند قيام الدولة الأيوبية كان الأسطول المصري في حالة من الضعف والعجز نتيجة ما تعرض له من الهدم والضرب في أواخر العصر الفاطمي جراء هجمات الأساطيل الصليبية المتكررة على سوحل بلاد الشام. أدرك صلاح الدين هذا الانهيار منذ بداية حملته الأولى على مصر وحصار الصليبيين للإسكندرية وما ترتب عليه من تقهقر قواته داخل المدينة. اهتم صلاح الدين بالأسطول البحري فأنشأ له ديوانًا خاصًا للإنفاق عليه باسم ديوان الأسطول، وخصص للديوان موارد هامة منها متحصلات إقليم الفيوم وإيراد ديوان الزكاة، فضلًا عن حصيلة النطرون وخراج السنط، تولى ديوان الأسطول الإنفاق على المشتغلين بالأسطول وعلى النفقة على دور الصناعات حيث كانت تصنع السفن في مصر في الفسطاط والإسكندرية ودمياط، كما كان في الإسكندرية ديوان سُمي بالمتجر السلطاني، عمله شراء البضائع المستوردة التي تحتاجها الدولة لأغراض عسكرية، ولا سيما في بناء السفن. في سنة 567 هـ الموافق 1172م عمل صلاح الدين على تحسين أحوال رجال الأسطول، فرفع أجورهم لتشجيع الناس على الخدمة بالأسطول، ثم لجأ إلى جمع الموارد الازمة ببناء السفن، فاحتكر غابات أشجار السنط، واعتبرها كأنها معادن ليس لأحد فيها ملك واختصاص فهي لبيت المال، لم يكتفي صلاح الدين بالخشب المحلي في مصر، بل استعان بأخشاب الصنوبر التي استوردها من جبال الشام، فضلًا عن معدن الحديد الذي كان يستخرج من بعض المناطق القريبة من بيروت، كما عقد معاهدات تجارية مع حكومات إيطاليا (البندقية، بيزا، جنوة) حصل بمقتضاها على حاجته من الحديد والخشب والشمع.
بفضل هذه الامكانيات أصبح الأسطول الأيوبي قوة كبيرة مزودة بالأبراج والقلاع التي تحمل الواحدة منها 150 رجلًا وتصلح في حالات الهجوم والدفاع، وعشرون طرادة وهي سفن الحركة. قسم صلاح الدين الأسطول لقسمين، الأول: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها حماية شواطيء مصر والدفاع عنها، الثاني: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها مهاجمة الصليبيين وموانيهم بالشام. أرفق الأيوبيون اهتمامهم بالأسطول بتقوية أجهزة الدفاع والحراسات الساحلية كالرباطات والمحارس والمناور والمناظر المعتمدة على طول سواحل مصر والشام، وأصدر صلاح الدين مرسومًا يقول فيه: «إن مرسومنا الشريف اقتضى الاجتهاد في حفظ السواحل والموانيء والاهتمام بأمرها». أما السفن التي استعملت في عصر الدولة الأيوبية فهي: الطريدة: وكانت خاصة بحمل الخيل، وقد امتازت بكبر حجمها بحيث تستطيع أن تحمل أربعين فرسًا، وهي تختلف عن الطرادة التي كانت صغيرة الحجم سريعة الجريان، الشيني: وهي من السفن الكبيرة التي استعملت لحمل المقاتلين، بلغت سعتها حوالي مئة وأربعين مجدافًا، البسطة: وهي ضرب من المراكب الحربية الكبيرة، تتسع لزهاء 700 جندي، وقد لعبت هذه السفن دورًا كبيرًا في الحروب مع الصليبيين، الحراقة: استعمل هذا النوع من السفن في النقل، وهي سفينة متوسطة تتسع لحوالي مئة جندي، المسطح: نوع كبير من المراكب ذات طابقين مسقوفين يقاتل الجنود على ظهرها والجدافون يجدفون من تحتها، الحمالة: وهي من السفن الخاصة بحمل المؤونة، البركوس: وهي من السفن الصغيرة، ومهمتها الأساسية نقل المياة، الشلندي: مركب حربي مهمته نقل المقاتلة والأسلحة.
بعد أن أتم صلاح الدين استعداداته الحربية، بدأ الأسطول بعملياته البحرية، فتوغل المسلمون في البحر حتى وصلوا إلى أطراف بيزنطة، وإلى قبرص وكريت والسواحل الجنوبية لآسيا الوسطى، كما قام بعمليات ناجحة ضد الصليبيين بساحل الشام، امتدت حتى جزيرة أرواد، واستولى على سفينتي شحن. قام الأيوبيون عام 575 هـ الموافق 1179م بمهاجمة ميناء عكا واستولوا على عدد من السفن، وظلوا في الميناء يومين كاملين. في المقابل قام الصليبيون بإنزال بحري قرب آيلة، وشرعوا في مهاجمة الموانيء المصرية وخاصة عيذاب، وقامت معركة بحرية بين الطرفين وانتصر فيها قائد الأسطول المصري حسام الدين لؤلؤ. ازدادت فعالية الأسطول البحري بعد معركة حطين، فساعد في الاستيلاء على بعض الموانيء الهامة في بلاد الشام مثل هكا التي رابطت عندها قوة بحرية اسلامية مؤلفة من عشر سفن لمراقبة المسالك المؤدية لفلسطين.
بعد وفاة صلاح الدين كان موقف خلفائه مناقضًا لنهجه في إدارة الأسطول، فضعف وأُهمل، وأصبحت مصر عاجزة عن مقاومة حملات الصليبيين المتكررة: الحملة الصليبية الخامسة والحملة الصليبية السابعة. أدرك بني أيوب غلطتهم في اهمال الأسطول، وظهر واضحًا في وصية الصالح نجم الدين أيوب لابنه توران: «فالأسطول أحد جناحي الإسلام فينبغي أن يكونوا شباعًا، ورجال الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين درهم مستمرة راتبه، جاؤوا من كل فج عميق». يقول المقريزي: فلما مات صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال في الأسطول قليلًا، ثم قل الاهتمام به وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه.