اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بين الاحتمال البيولوجي والخصوصية العقدية: قراءة نقدية في معالجة هالة الوردي لوفاة النبي ﷺ
من أكثر المواضع إثارة للجدل في كتاب «آخر أيام محمد» لهالة الوردي، تناولها لحالة الجثمان الشريف بعد وفاة النبي محمد ﷺ. إذ تبني الكاتبة تصورها على فرضية أن تأخر دفن النبي عدة أيام في مناخ المدينة الحار يستلزم – وفق القوانين البيولوجية المعتادة – بدء تحلل الجسد، وما يصاحب ذلك من انتفاخ وانبعاث روائح، وكأنها تقدم نتيجة علمية لا تقبل النقاش.
غير أن هذه المعالجة تثير إشكالًا منهجيًا من جهتين: جهة علمية، وجهة عقدية، وهو ما يجعل الاستنتاج الذي تبنته الكاتبة أبعد من أن يكون حقيقة تاريخية محسومة.
أولًا: التعميم العلمي لا ينتج يقينًا تاريخيًا
تعتمد هالة الوردي على قاعدة علمية عامة، مفادها أن الجسد البشري إذا تُرك في بيئة حارة عدة أيام فإنه يبدأ بالتحلل. وهذه قاعدة صحيحة من حيث الأصل، لكنها ليست قانونًا حتميًا ينطبق على جميع الحالات دون استثناء.
فالطب الشرعي الحديث يقرر أن سرعة تحلل الجثث تختلف باختلاف عوامل كثيرة، منها درجة الحرارة والرطوبة، وطبيعة المكان، والتهوية، والسبب الذي أدى إلى الوفاة، والبنية الجسدية، والخصائص البيولوجية لكل جسم. كما سجل الطب حالات بقيت فيها أجساد دون التحلل المتوقع لأسباب بيئية أو بيولوجية مختلفة.
ومن ثم، فإن أقصى ما يمكن أن يقال علميًا هو أن التحلل احتمال غالب، لا أنه نتيجة يقينية تنطبق على كل جسم وفي كل ظرف.
وعليه، فإن الانتقال من قاعدة بيولوجية عامة إلى الجزم بما وقع لجثمان النبي ﷺ يمثل قفزة استدلالية لا تسندها أدلة تاريخية مباشرة.
ثانيًا: غياب الدليل التاريخي المباشر
الأهم من ذلك أن المصادر الإسلامية المبكرة، رغم اختلافها في بعض تفاصيل أحداث الوفاة والدفن، لا تنقل رواية صحيحة ومتفقًا عليها تصف انتفاخ جسد النبي ﷺ أو صدور رائحة كريهة منه.
ولو وقع مثل هذا الأمر، وهو أمر استثنائي بالنظر إلى مكانة النبي ﷺ، لكان من المتوقع أن تنقله الروايات التي اعتنت بأدق تفاصيل تلك المرحلة.
ومن هنا فإن الاستنتاج الذي تبنته الكاتبة لا يقوم على شهادة تاريخية، بل على استنباط قائم على القياس البيولوجي، وهو ما يجعله فرضية تفسيرية لا حقيقة تاريخية.
ثالثًا: إغفال الخصوصية العقدية للأنبياء
أما الإشكال الأكبر فيظهر عند النظر إلى الموضوع من داخل المنظور الإسلامي نفسه، وهو المنظور الذي تزعم الكاتبة أنها تعيد قراءة مصادره.
ففي العقيدة الإسلامية، لا يعد جسد النبي ﷺ كأي جسد بشري من حيث أحكام ما بعد الوفاة، بل وردت نصوص خاصة تثبت للأنبياء خصوصية لا يشاركهم فيها غيرهم.
ومن أشهر هذه النصوص قول النبي ﷺ:
> «إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.»
وقد تلقى جمهور علماء المسلمين هذا الحديث بالقبول، واستدلوا به على أن أجساد الأنبياء محفوظة من البِلى والتحلل الذي يصيب سائر البشر.
وهذا يعني أن المسلم الذي ينطلق من داخل المنظومة الإسلامية لا يستطيع أن يطبق القاعدة البيولوجية العامة على جسد النبي ﷺ دون أن يناقش أولًا هذه النصوص الخاصة، لأنها تمثل استثناءً من الأصل العام.
رابعًا: الخلط بين المنهج الطبيعي والمنهج التاريخي
يبدو أن هالة الوردي تعاملت مع جسد النبي ﷺ كما لو كان يخضع بالضرورة للقوانين البيولوجية نفسها التي تحكم جميع الأجساد، متجاوزة وجود نصوص دينية تمنح الأنبياء وضعًا استثنائيًا.
ولو كانت الكاتبة تعلن منذ البداية أنها تكتب من منظور مادي صرف، يرفض الاحتجاج بالنصوص الدينية، لكان للقارئ أن يناقش هذا الخيار الفلسفي بوضوح.
أما أن تعتمد على المصادر الإسلامية في بناء معظم سرديتها، ثم تتجاهل النصوص التي لا تنسجم مع فرضيتها، فإن ذلك يثير سؤالًا حول اتساق المنهج نفسه.
فالمنهج العلمي لا يقتضي قبول النصوص الدينية، لكنه يقتضي على الأقل مناقشتها وبيان سبب استبعادها، لا تجاوزها وكأنها غير موجودة.
خامسًا: بين البحث الموضوعي والافتراض المسبق
تكشف هذه القضية عن إشكال يتكرر في مواضع متعددة من الكتاب، وهو أن الكاتبة كثيرًا ما تبدأ من فرضية تفسيرية، ثم تنتقي ما يدعمها من الروايات أو المعطيات العلمية، بينما تُغفل المعطيات التي يمكن أن تؤدي إلى نتيجة مختلفة.
ولو التزمت بالمنهج التاريخي الصارم، لكان عليها أن تعرض جميع الاحتمالات الممكنة:
الاحتمال البيولوجي العام.
اختلاف العلماء في مدة بقاء الجثمان قبل الدفن.
غياب الروايات التاريخية التي تثبت وقوع التحلل.
النصوص الإسلامية التي تثبت خصوصية أجساد الأنبياء.
ثم تبين للقارئ أسباب ترجيحها لأحد هذه الاحتمالات.
أما الاكتفاء بعرض الاحتمال الذي يخدم البناء السردي للكتاب، فإنه يجعل النتيجة أقرب إلى التأويل منها إلى التحقيق التاريخي.
خاتمة
إن القضية ليست في الدفاع الإيماني عن النبي محمد ﷺ، ولا في رفض الاستفادة من العلوم الطبيعية في دراسة التاريخ، وإنما في ضرورة احترام قواعد البحث العلمي نفسها. فالعلم لا يحول الاحتمال إلى يقين، والتاريخ لا يبنى على الافتراضات وحدها، والباحث المنهجي ملزم بعرض الأدلة المؤيدة والمعارضة معًا قبل إصدار الأحكام.
ومن ثم، فإن معالجة هالة الوردي لمسألة الجثمان الشريف لا تكشف فقط عن اختلاف في الرؤية العقدية، بل تكشف أيضًا عن إشكال منهجي يتمثل في تحويل فرضية بيولوجية عامة إلى نتيجة تاريخية قاطعة، مع إغفال النصوص الإسلامية التي تشكل جزءًا أصيلًا من المادة التي تدّعي إعادة قراءتها. وهذا ما يجعل نقدها، من منظور البحث التاريخي، لا يقوم على رفض نتائجها فحسب، بل على مساءلة المنهج الذي أوصل إليها.