اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان العلماء والفلاسفة دائماً أبداً هما المنارة التي تضئ بوهج علمها مسار الطريق العلمي والثقافي للبشرية، بما يقدمونه من أفكار نابعة، من نبع علمي وأدبي فلسفي، وبموهبة ونفحة سماوية خاصة، لا يسبغها الله إلا علي مختاريه من رسل الكلمة وقادة الفكر؛ فحينما أرادت العقول الإنسانية الكبيرة أن تعظم الفيلسوف اليوناني الكبير "أرسطو" منحوه لقب معلم البشرية الأول، ونفس الشئ حدث مع فيلسوفنا العظيم "أبا نصر الفارابي" الذي مُنح هو أيضا لقب معلم البشرية الثاني.
وهكذا نري الفكر الفلسفي عند المعلم الأول ينتقل من جيل إلي جيل حتي المعلم أحمد لطفي السيد، ثم امتداداً للمعلم طه حسين، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا ؛ ففي كتاب" قادة الفكر" للدكتور طه حسين الذي نراه يقدم لنا تلك القادة الذين انتقلت منهم القيادة إلي طائفة أخري، هي طائفة الفلاسفة الذين خلَد التاريخ القديم أسماءهم وآراءهم، مثل سقراط، وأفلاطون، وديكارت، وجان جاك روسو، وكنط، وأوجست كونت، وهربرت سبنسر... هؤلاء الفلاسفة جاءوا بعد هوميروس ؛ حيث يقول طه حسين:" فلقد كانت قيادة الفكر في يد الشعراء في العصور الأولي من حياة الأمة اليونانية، ثم انتقلت هذه القيادة إلي الفلاسفة والمفكرين الذين استطاعوا أن يقودوا الفكر ويدبروا شئون دولته الكبري، ومع حلول القرن العشرين جاء العلم والفكر معاً ليمتزجا بالفلسفة، وظهر في مصرنا الخالدة أدباء وفلاسفة ورواد فكر، استطاعوا أن يقدموا فكرهم وفلسفتهم برؤيا متطورة لصالح البشرية، ولخدمة العقول الإنسانية وخلق جيل من المفكرين والأدباء ورسل العلم، ليعتنقوا ويمارسوا ويسيروا علي نهج هذا الفكر وهذه الفلسفة بأصالة ومعاصرة .
وقد انتقل هذا التقليد إلي معظم أشقاؤنا في الدول العربية ففي العراق وجدنا رواد يقومون بهذه المهمة من أمثال ياسين خليل وفي سوريا وجدنا جورج طرابيشي، وفي الجزائر وجدنا محمد أركون، وفي تونس وجدنا هشام جعيط، وفي المغرب وجدنا محمد عابد الجابري، وفي الأردن وجدنا شاكر النابلسي، وفي لبنان وجدنا حسين مروة، وفي الكويت شفيقة بستكي.أما في ليبيا الشقيقة فلم نجد من يقوم بهذه المهمة علي الوجه الأكمل إلا نجيب المحجوب الحصادي الشهبر بـ"نجيب الحصادي" .
يعد نجيب الحصادي واحداً من أبرز المفكرين الليبيين المعاصرين الذين أسهموا بنصيب وافر في حياتنا الثقافية . تشهد بذلك حياته الحافلة بالنشاط العلمي والثقافي والاجتماعي . فضلاً عن عمله الجامعي علي مدار ما يقرب من نصف قرن، وما شغله من مناصب خلال هذه الفترة، وما قدمه من مؤلفات، وأبحاث، ومشاركة في مؤتمرات، وتخريج لصفوة الباحثين المنتشرين في معظم دول الوطن العربي، فقد أسهم الرجل في العديد من المؤتمرات والندوات الثقافية والمحاضرات العلمية خارج قاعات الجماعة، كما تولي الإشراف علي مجلات ثقافية وفلسفية . وخصص جزءً كبيراً من وقته متعاونا لازدهار الحركة الثقافية بليبيا وتكوين جيل من شباب المثقفين لمتابعة المسيرة العلمية.
كما يعد نجيب الحصادي أيضا أعظم المفكرين الليبيين المتخصصين في فلسفة العلوم فى النصف الثانى من القرن العشرين، الذين لم يكونوا يحملون سيفاً أو بندقية، بل فقط عقلاً وقلماً، وهو لم ينعزل بأفكاره عن العالم والمجتمع، ولم يختص نفسه وتلاميذه بالفلسفة، بل إنه كان من المؤمنين يضرروه إنزال الفلسفة من عزلتها إلى الشارع، وصعد بالشارع إلى عالم الأفكار، حيث بدا فى كثير من الأحيان خليطاً من سقراط، وأرسطو، وسبينوزا، وهيجل، وفولتير، وقام بدور طه حسين، وسلامة موسى، وزكى نجيب محمود، وحسن حنفى؛ وذلك عندما جعل الثقافة والفكر موضوعا للنقاش العام، مدركاً أهمية العقل فى التقدم. كان نجيب الحصادي يمتلك شجاعة اقتحام الموضوعات المسكوت عنها في فلسفة العلم، والدخول فى مواجهات مع أفكار أو تصرفات سياسية واجتماعية، مستخدماً سلاحاً واحداً هو العقل، دون حسابات للتوازنات أو التوقيت أو المكسب والخسارة.