اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وفقًا لعالم الآثار علمداري، كان التدمير الثقافي والمعنوي أكبر من تدمير المدن والخسائر الاقتصادية، حيث استولى المغول على فارس دون أن يأتوا بأيدولوجية جديدة. دمر المغول المراكز العلمية والثقافية، فحرقوا الكثير من المكتبات، وأزالوا الكثير من المدن الكبيرة، وما يتبعها من مراكز فكرية. كما أدى تدمير المراكز العلمية والثقافية إلى انهيار الحركة التقدمية للمجتمع الخوارزمي، وازداد اعتقاد الناس بالخرافات أكثر من السابق، مما أسفر عن عدم اكتراث الناس بمصائرهم ومستقبلهم. اعتنق الكثير من الشعب المذهب الصوفي في تلك الفترة، لما وجدوا فيه الملاذ المعنوي والفكري لهم.
كان انخفاض عدد السكان في المدن أحد أسباب انهيار الاقتصاد الفارسي بعد الغزو المغولي. لا تعطي المصادر أي بيانات إحصائية حول عدد سكان فارس قبل وبعد الغزو المغولي. على الرُغم من أنَّ المصادر التي تناولت إحصائيَّات ضحايا الغزو المغولي، سواء أكانت مصادر مُنحازة أو مُعارضة لِلمغول، تتحدث عن أعدادٍ كبيرةٍ جدًا من القتلى لِدرجةٍ يُصبح من الصعب معها الاعتقاد بِوُجود مثل هذا العدد الكبير من السُكَّان آنذاك، ولكن هذه الإحصائيات تُظهر الكيفية التي نظر بها الناس لغزو المغول. يُعتبر الجويني من المؤرخين المنحازين للمغول، فيقول: «كل مكان كان فيه 100 ألف، لم يبق فيه 100 نسمة». بالرغم هذا، ذكر جون مان الخسائر 1.25 مليون بما فيهم المدنيين يشكّلون 25% من السُكَّان.
علاوة على الإبادة الجماعية للشعوب، كان المغول يسترقّون الناس، فلقي الكثيرون حتفهم نتيجة للأمراض والمجاعات. كما كان هولاكو خان يستخدم الناس كدروع بشرية تتحرك أمام جيشه أثناء فتوحاته للمدن والأمصار الجديدة.
وفقًا للمصادر التاريخية، كانت الزراعة سائدة بنيسابور والكثير من المدن الخوارزمية. ولم تكن غالبية الأراضي الزراعية تحظى بالأمطار والأنهار، ولكنها اعتمدت على أعمال الري المنظم الذي يتولاه المزارعون كإنشاء قنوات الري الاصطناعية وهو المورد الذي كان متطورًا حينها، واعتمدت الزراعة عليه تمامًا. لذا، فقد تدمّرت شبكات الري نتيجة غزوات المغول. كتب المؤرخ لئودو هارتوج في كتاب تاريخ المغول فقال: «أنشأ الفرس القنوات الاصطناعية في خوارزم التي تنقل ماء نهر جيحون إلى المناطق المجاورة. وبالطبع جعلت تلك المنشئات خوارزم أكثر مدن إيران تطورًا، وأصبحت العاصمة غرغانج مركزًا تجاريًا هامًا. لكنها تدمّرت عن بكرة أبيها بعد الغزو المغولي».
كما استهلكت دواب المغول الأراضي الزراعية الفارسية، فانهارت الزراعة في فارس. بالإضافة إلى هجرة سكان المدن والقرى وتبديلهم لنمط معيشتهم بالاعتماد على الترحال والتنقل بسبب عدم وجود الأمن والإستقرار، ففقدت الأراضي الزراعية من يرعاها. كان لهذه التغييرات في التركيبة السكَّانيَّة أثرها المدمر على الزراعة في فارس.
كان المغول على دراية بأهمية المهنيين، ودورهم في الإنتاج والتقدّم. وقد ذكرت المصادر بوضوح استعباد المغول لأصحاب المهن في نيسابور وسمرقند وغرغانج ومرو، وإرسالهم إلى مغولستان. أثّر نقل آلاف المهنيين أثره السلبي الشديد على الهيكل الاقتصادي الفارسي والخوارزمي، وكان أحد أسباب انهياره بعد الغزو.
بعد الغزو المغولي، هاجر العلماء الذين لم يلقوا حتفهم على يد المغول إلى مناطق أكثر أمنًا، تعد آسيا الصغرى التي حكمها سلاجقة الروم من المناطق القليلة التي بقت آمنة، وبقيت آثار العلمية بعيدة عن خطر التدمير. كان بدر الدين لؤلؤ حاكمًا على الموصل والمناطق المجاورة لها من قبل الدولة الأيوبية، ثم استقل عنها وصار تابعًا للمغول، مما جعل الموصل ملاذًا آمنًا للعلماء من المغول. كذلك أصبح السلغوريون تابعين للمغول، وأصبحت مناطق سيطرتهم في ولاية فارس وضفة الخليج العربي ملجئًا للنازحين، وخاصة العلماء.
كما كان وادي السند وشبه القارة الهندية بمنأى عن غزوات المغول، والتي حكمها مماليك الهند (602-689 هـ)، وحافظوا على الثقافة الإسلامية والفارسية. ورغم بدأ هجرة الأدباء الفارسيين إلى الهند منذ العهد الغزنوي، إلا أن هجرتهم الفعلية كانت بسبب الغزو المغولي آنذاك، ومن بين العلماء الذين هاجروا إلى الهند حينئذ محمد عوفي ومنهاج السراج.
اهتم المغول كثيرًا بالتجارة، وبعدما فتحوا بلدان آسيا الوسطى والغربية قاموا بتعزيز التجارة أكثر من سبق. وبعد أن دان الجزء الأكبر من آسيا للمغول، سنّ جنكيز القوانين والسياسات التي قللت المشاكل التجارية التي أوجدتها الخلافات الدينية والمذهبية والحدودية والثقافية هناك. كما أصبحت الطرق الخاضعة للمغول آمنة، وازدهرت العلاقات التجارية بين فارس والصين، كما أقامت السياسيات الإلخانية الدولية في فارس بعلاقات تجارية مع أوروبا والشام ومصر.
مع تشكيل الدولة الإلخانية، باتت فارس دولة منسجمة، وأنهى الإلخانيون تبعيتها للدولة العباسية، كما سحقوا الحكومات الذاتية وأمراء الطوائف الذين كانوا سببًا رئيسيًا في انقسام فارس، كما استأصلوا الدول والجماعات المثيرة للفتنة والتفرقة مثل الحشاشين الإسماعيليين، واستفادوا من الوزراء الفُرس مما ساعد في انتشار وهيمنة الثقافة الفارسية، فكان لهؤلاء الوزراء دورهم في التمهيد لإنشاء الدولة الصفوية التي تُعد فصلاً جديدًا في تاريخ فارس.
يقول المؤرخون الإيرانيون المعاصرون أن الخلفاء العباسيين والحشاشين الإسماعيليين كانوا يحولون دون استقلال فارس، ولكن بعد تدمير الخلافة والحشاشين على يد المغول، فقد هؤلاء كل نفوذ لهم في البلاد الإيرانية، مما مهد الطريق نحو استقلال فارس في تاريخها الحديث بعد عدة سنوات، حيث تمكّن إسماعيل الصفوي من تأسيس إيران الحديثة بنظام سياسي ومذهبي مستقل.
تمكن المغول بقيادة هولاكو خان حاكم إلخانيَّة فارس من احتلال بغداد عاصمة وحاضرة الخلافة العبَّاسيَّة في 9 صفر 656 هـ/10 شُباط (فبراير) 1258م، بتكليفٍ من الخاقان الأكبر مونكو خان الذي طلب من أخيه هولاكو استكمال فُتُوحات المغول في غرب آسيا التي كان قد بدأها جدهما جنكيز خان، وهو ما قام به هولاكو حيث تمكن جيشه من اقتحام بغداد بعد أن حاصرها 12 يومًا، فدمَّرها وأباد مُعظم سُكَّانها.
يعد «هولاكو» المؤسس الأول لسلسلة السلاطين المغول في «إيران» و«العراق» الذين ظلوا يحكمون هذه البلاد من سنة 654هـ حتى سنة 756هـ. قسّم هولاكو الممالك المفتوحة بين أبنائه والأمراء الخاضعين لأوامره، وجعل هولاكو «سيف الدين الخوارزمي» وزيرًا له. وقد تُوفى هولاكو سنة 663هـ عمر يناهز 48 عامًا، بعدما مرض بالقرب من بحيرة أرومية، وخلفه ابنه «أباقا خان» في حكم البلاد. وقد جنحت الدولة الإلخانية منذ إنشائها إلى الاستقلال عن العاصمة المغولية، في أمور السياسة والحكم - منذ عهد «أباقا خان» - وكان حكامها مستقلون تمامًا عن العاصمة قره قرم. وقد ساعد البعد الجغرافي الذي يفصل بين «مغولستان» والإلخانيين في «إيران» و«العراق»، على أن يتخذ الإلخانيون أساليب وعادات ونظمًا وغير ذلك من التقاليد الحضارية التي كانت موجودة في «إيران»، والتي لم يعهدها المغول من قبل، فأصبح الإلخانيون وكأنهم من ملوك الفرس. وجعل «آباقا» قائده الأمير «سونجاق» واليًا على «العراق» وإقليم «فارس»، ففوض هذا الأمير بدوره المؤرخ «عطاء المُلك الجويني» في حكم «العراق»، وعهد «آباقا» بمنصب الوزارة إلى «شمس الدين محمد الجويني» أخي «علاء الدين»، فكانا سببًا من أسباب ازدهار دولة «آباقا».