اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
موقف ابن جني من نظرية العامل لم يكن إيجابياً كموقف سواه من النحويين، غير أنَّه لم يرفضها مُطلقاً كابن مضاء القرطبي، ويتحدَّث ابن جني عن العوامل النحوية في كتابه "الخصائص" فيقول: «وإنما قال النحويون: عامل لفظي، وعامل معنوي؛ ليروك أن بعض العمل يأتي مسببًا عن لفظٍ يصحبه؛ كمررت بزيد، وليت عمرًا قائم؛ وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلق به؛ كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم؛ هذا ظاهر الأمر، وعليه صفحة القول. فأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره. وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ، أو باشتمال المعنى على اللفظ»، ويقول في "الخصائص" أيضًا: «». ويفهم أحمد أمين من النصِّ السابق أنَّ ابن جني رفض نظرية العامل مُطلقاً، وبهذا يكون أوَّل نحوي يرفضها، ولم يعترف سوى بالمُتكلِّم عاملاً في اختلاف حركة أواخر الكلمات، والمتكلِّم هنا وفقاً لأحمد أمين يُمثِّل الاصطلاح والوضع المتعارف عليه بين المُتحدِّثين باللغة دون الحاجة إلى مرجعيات منطقيَّة عقلانيَّة، فالفاعل مرفوع لأنَّ العرب تواضعت على رفعه، ولا حاجة إلى تكلُّف حجَّة منطقيَّة لتفسير رفعه. ويوافقه جماعة من الكُتَّاب فيما ذهب إليه من أنَّ ابن جني حاول هدم نظرية العامل، منهم أحمد عبد الستار الجواري الذي يضع ابن جني في خانة وبقيَّة النحاة في خانة أخرى في معرض حديثه عن موقف النحاة من العامل، ومحمود حسني محمود الذي يؤكِّد أنَّ ابن جني رفض العوامل جميعها. وقد أُعجِبَ الرضي الاستراباذي برأي ابن جني، ويوافقه فيما ذهب إليه، ويرى البعض أنَّ موقف ابن جني من العامل كان إلهاماً لابن مضاء في ثورته على التقليد النحوي، خاصَّة أنَّ ابن مضاء أورد رأي ابن جني في أنَّ العامل هو المُتكلِّم، إلا أنَّه خالفه في كون المتكلِّم هو العامل، وجعل العمل لله وحده تأثُّراً بعقيدته الظاهريَّة في تفسير القرآن.
وعلى النقيض يعتقد فاضل السامرائي أنَّ ابن جني تقبَّل فكرة العامل وطبَّقها في مؤلفاته بدون إبداء أي مُعارضة، وكان يستند عليها فيما يقبل ويرفض من القواعد النحوية، ويرى السامرائي أنَّه لا يختلف كثيراً عن سائر النحويين في تعامله مع العامل، ويردُّ على أحمد أمين بنصوص من مؤلفات ابن جني يطبِّق فيها نظرية العامل بوضوح، منها على سبيل المثال في "المُنصِف": «ألا ترى أنَّك إذا قُلتَ: قامَ بكرٌ، ورأيتُ بكراً، ومررت ببكرٍ؛ فإنَّك إنَّما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل؟». ويوافقه عبده الراجحي في أنَّ ابن جني لم ينكر العامل، وإنَّما فهم فكرة العامل فهما لغوياً صحيحاً باعتباره التأثير الذي ينشأ بين التراكيب اللغوية في جملة واحدة، وذلك عندما وضَّح طبيعة العمل «بمضامة اللفظ للفظ، أو باشتمال المعنى على اللفظ». ويرى خليل عمايرة أنَّ ابن جني نظرياً لم يقتنع اقتناعاً كاملاً بقضيَّة العامل، ولم يتقبَّل التصوُّر التقليدي منذ سيبويه وحتى عصره، إلا أنَّه لم يسعى نحو هدمها أو استبدالها، بل وناقض نفسه عندما اعتمد على العوامل حسب المنهج التقليدي في تعامله مع المسائل النحوية، ويصف خليل عمايرة القول بأنَّ ابن جني رفض نظرية العامل أنَّه «قولٌ تنقصه الدِقَّة العلميَّة». ويذهب عبد الهادي الفضلي إلى أنَّ ابن جني لم يرفض فكرة عمل الألفاظ في بعضها، ولكنَّه رفض أن يُفهَم من ذلك أنَّ بعض الألفاظ تكون مُسبِّباً في نشوء ألفاظ أخرى من الناحية الفلسفية، فالعامل الوحيد في نشوء الأصوات هو المُتكلِّم فقط، أمَّا العلَّة التي تحكم علاقة الألفاظ ببعضها فهي ليست علَّة واقعيَّة وإنَّما علة اعتباريَّة اصطلاحيَّة مُصطنَعة.