اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان "مندلسون" وإلى حد كبير محافظاً في أسلوبه الموسيقى، مغايرا لروح عصره، فلم يشبهه أحدهم وقد تأثر بشكل كبير بتراث "باخ" و"هاندل"، وموسيقاه في رأى الكثيرين امتداداً موسعاً للبناء اللحني عند باخ وإذا كان الكثيرين من معاصريه ينظرون إلى موسيقاه بنوع من الاستخفاف، فهو كذلك لم يبد أدنى ارتياح لموسيقي عصره أمثال "برليوز" و"ليست"، كما أنه كان معادياً (كالكثير من الموسيقين الألمان) للمدرسة الموسيقية الفرنسية واعتبر الأوبرا الفرنسية نوعا من الفن المبتذل وكان يضيق بشكل خاص بالموسيقار اليهودى "ماييربير" حتى أنه عندما أخبره أحدهم أن ملامحه تشبه إلى حد كبير ملامح "مايربير" استشاط غضبا ولم يتردد في أن يغير تسريحة شعره كى لايشبه.
وقد تعرضت موسيقى "مندلسون" وطوال القرن التاسع عشر للكثير من الانتقادات التي رأت فيه موسيقارا ارتداديا، لاينسجم مع العصر وأشرس نقاده كان الموسيقار الألمانى "ريتشارد فاجنر" الذي نعته بالسطحية وافتقار الموهبة الأصيلة ولاشك أن أصول "مندلسون" اليهودية قد شجعت على توجيه الانتقادات له دون وجه حق، وظلت هذه الانتقادات تلقى التأييد والحماس حتى بلغت أوجها في عهد الحكومة النازية التي منعت تقديم أعماله وحرصت على تشويه صورته ومحي ذاكرته.
أما في إنجلترا فقد ظل "مندلسون" يحظى بمكانة كبيرة لم ينافسه فيها "بيتهوفن" نفسه، فقد وصفته الأديبة الإنجليزية "ساره شيبارد" في روايتها "تشارلز أوشستر" بأنه ملاك الرب الفارس، وعندما تم بناء قصر "كريستال بلاس" سنة 1854 أمرت الملكة فيكتوريا بأن يوضع لمندلسون داخل القصر تمثالا من البرونز، وقد كان هذا التمثال هو القطعة الناجية الوحيدة من الحريق المروع الذي نشب بالقصر سنة 1936، ومن الجدير بالذكر أن أول حفل زفاف تلعب فيه مقطوعة "مارش الزفاف" لمندلسون التي تضمنتها موسيقى "حلم ليلة صيف" كان زفاف ابنة فيكتوريا على الأمير فردريك أمير بروسيا سنة 1858، وصارت هذه المقطوعة تقليداً في الكثير من حفلات الزفاف في كل الدنيا بعد ذلك (كذلك "كورس العرس" المأخوذ من أوبرا "لوهنجرين" لريتشارد فاجنر ما زال يعزف إلى اليوم في كل حفلات الزفاف تقريبا).
وبالرغم من ذلك فحتى في بريطانيا طارده النقاد، على رأسهم "برنارد شو" (العاشق لفاجنر) بل وكان حب الملكة فيكتوريا له ولفنه أكبر داعيا لانتقاده.
إلا أن الخمسين عاما الأخيرة شهدت تغييرا كبيرا في النظرة إلى فن "مندلسون" وتم تقييم أعماله على أسس موضوعية جديدة واستكشاف ما فيها من أصالة إبداعية فريدة ولم يقتصر ذلك على أعماله الأكثر رواجا مثل كونشرتو الكمان في سلم مى الصغير والسيمفونية الإيطالية، بل وأيضا أمتدت إلى اورتوريو "إلياس" الذي كان يتهم من قبل برجعيته المتمثلة في طابعه الفيكتورى الرتيب، وأعماله لموسيقى الحجرة التي امتازت بقدرة كبيرة على الخلق الدرامي.