إنّ الشروط التي حدّتتها الشريعة لإقامة الحدّ على الزاني والزانية، تؤكد على أنّ إيقاع العقوبات في الإسلام ليس هدفاً بحدّ ذاته، تتمثّل هذه الشروط في الآتي
- اتّفق الفقهاء على شرط إِدخال الحشفة أَوْ قدرِهَا في فرْج المرأة، وإلا فلا يعدّ وطئاً، ولا يشترط انتشار ذكر الرّجل أو الإنزال لإقامة الحدّ.
- اتَّفق الفقَهاء على أَنْ يَكُونَ من قام بفعل الزّنا مكلّفاً بالغاً عاقلاً؛ فلا حدّ على المجنون وَالصبِي إِذا زنيا، للحديث: (رُفِع القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يستيقِظَ، وعن المبتلَى حتَّى يبرأَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يكبُرَ)، أمّا إنْ كان الواطيء أهلاً لوجوب الحدّ أقيم عليه حتى لو كان محلّ الزنا مجنونة أو قاصرة.
- اتَّفق الْفقهاءُ على شرط عِلمَ الزاني والزانية بتحرِيمِ الزنا، فإن زنيا أحدهما أو كلاهما من غير علمٍ بتحريم الزنا لَم يَجِب عليه الحدّ للشبهة، لأنّ الحكم في الشرعيات لاَ يثبت إلّا بعد علم المكلّف بها، غير أنّ بعض أهل العلم فصّلوا في المسألة وقالوا: لاَ يصحّ أنْ يقبل زعم الْجهل بِالتحرِيمِ إِلاَّ فيمن بدا عليه علامة تثبت زعمه؛ كأَن يكون قد سكن جبلاً وحده، أو عاش بين قومٍ جهّالٍ مثله لاَ يعلمون بحرمته، أو يعتقدون إباحته، أمّا من نشأ في دار الإسلام وعاش بين المسلمين، فإنّه إِذا زنى يقام عليه الحدّ وَلاَ يقبل عذره بالجهل، وَلاَ يَسقط الْحدُ إذا جهل نوع العقوبة؛ فالعبرة بعلمه بالتحريم لا بنوع العقوبة المترتبة على فعله.
- اتّفق الفقهاء على شرط انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ في الفعل، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ادرءوا الحدودَ بالشُّبهاتِ)، ورغم عدم قبول بعض العلماء العمل بهذا الحديث إلا أنّ الأمة تلقّته بالقبول، واتّفقت على العمل به؛ لما يسنده من وجوه أخرى من النصوص الشرعية؛ فقد قَال النبي -عليه الصلاة والسلام- لماعز عندما جاء يطلب إقامة الحدّ عليه بالزنا: (لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ)، ويرى أهل العلم أنّ قول ذلك من النبي -عليه السلام- ليس إلا إذا قال نعم تُرِكَ، ولمْ يُقَم عليه الحدّ، علماً أَنّ الاستفسارات التي مقصودها درء الحد ومنع إقامته كانت بعد الثبوت والإقرار الصريح، وهذا مقطوع به شرعاً عند العلماء، وإنما حصل تفاوت في الأحكام أحياناً بين الفقهاء بسبب بعض الشبهات من ناحية صلاحيّها لدرء الحدّ أم لا.
- اتفق الفقهاء على شرط الرضا بالفعل للمرأة، واختلفوا في إكراه الرجل، ولذا فلاَ حدّ على المرأة المكرهة على الزّنا باتّفاق، كما جاء في الحديث: (استُكرِهتِ امرأةٌ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم فدرأَ عنها الحدَّ، وأقامَهُ على الذي أصابَها)، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ تجاوَز عنْ أُمَّتي الخطأَ، والنِّسيانَ، وما استُكرِهوا عليه)، أمّا إكراه الرجل على الزنا، فَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ والمالكية فِي المعتمد عندهم والشافعية فِي أظهر ما روي عنهم أنّه لا حدّ على الرجل المكره على الزنا، واستندوا بعموم الحديث السابق، والحنابلة والمالكية في المشهور عندهم ذهبوا إلى وجوب الحدّ على الرجل المكره على الزنا، غير أنّ أبا حنيفة فرّق في ذلك بَيْنَ إكراه السلطان وإكراه غيره.
المصدر: mawdoo3.com