اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
مواقف دهاء عمرو بن العاص -رضي الله عنه- كثيرةٌ عديدة، أمّا أبرزها فتتمثَّل فيما يأتي:
جاءت تكنية عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بأربطون العرب بعد قصّة دهاءٍ منقطعة النظير، كما مرَّ سابقاً، وتحديداً بعد حصار بيت المقدس بقصد فتحها، أمّا تفاصيل تلك الواقعة فإنّ عَمْراً بن العاص كان قد سَارَ بِجَيْشِهِ اتجاه بيت المقدس في واقعة أجنادين، حتّى إذا وَصَلَ منطقة الرَّمْلَةِ وَجَدَ عِنْدَهَا مجموعة من الروم بقيادة أحد أدهى دُهاة الرّوم في تلك الفترة واسمه الْأَرْطَبُونُ، فبعث عَمْرو بن العاص إِلَى عُمَرَ يُنبِئُه بالوقائع، وقد وصل الكتاب إلى عمر، فقال: (قَدْ رَمَيْنَا أَرْطَبُونَ الرُّومِ بِأَرْطَبُونِ الْعَرَبِ، فَانْظُرُوا عَمَّا تَنْفَرِجُ)؛ يقصد أنّ عَمْراً بالدّهاء يوازي أرطبون الروم، وأنّه سينتصر عليه بالدّهاء، وكان عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ -رضي الله عنه- قد بعث عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ وغيره لقتال أهل إيليا، وبعث أَبَا أَيُّوبٍ الْمَالِكِيَّ إِلَى الرَّمْلَةِ، وكان إذا جاءه مددٌ من جِهَةِ عُمَرَ بعَث طَائِفَةً منهم إِلَى إيليا وَطَائِفَةً أخرى إلى الرملة، إلا أنّه لم يقف مِنَ الْأَرْطَبُونِ عَلَى غلطةٍ أو نقطة ضعفٍ تجعله ينال منه، فذهب إليه بنفسه كَأَنَّهُ رَسُولٌ من عمرو، فأبلغه الرسالة كأنها من رسولٍ إلى الأرطبون، فتنبّه الْأَرْطَبُونُ إلى ذلك، وشكَّ أنّ الذي أمامه هو عَمْرٌو أَوْ مستشاره الأول، ثمّ عزم على قتله.
بعد ذلك نادى أحد حُرّاسه، وأمره بتعقُّب الرسول وقتله إذا ما خرج من عنده، فانتبه عمرو إلى ذلك، وحينها قال لِلْأَرْطَبُونِ: (أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكَ وَسَمِعْتَ كَلَامِي، وَإِنِّي وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِنَكُونَ مَعَ هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أجبت أَنْ آتِيَكَ بِهِمْ لِيَسْمَعُوا كَلَامَكَ وَيَرَوْا مَا رأيت)، فأوْهَمَ الأرطبونَ أنّه أحد عشرة مستشارين بارزين لعمر بن الخطاب وأنّه سيأتيه بهم جميعاً، فظنّ الأرطبون أنّها فُرصةٌ سانحةٌ للإطاحة بهم، فقال له: نعم ائتِني بِهِمْ، وأمر أحد حُرّاسه بثَنْي الحارس الذي أرسله لقتل عمرو بن العاص؛ لاعتقاده أنّه سيرجع إليهم برفقة باقي المستشارين فيقتلهم جميعاً، ونجا منه عَمْرٌو بذلك والتحق بجَيْشِهِ، فلمّا علِم الأرطبون أنَّ الرسول هو عمرو بن العاص وأَنَّهُ نجا من قبضته بعد أن كان بين يديه قَالَ: (خَدَعَنِي الرَّجُلُ، هَذَا وَالله أَدْهَى الْعَرَبِ).
لمّا استفحل طاعون عمواس بالمسلمين وقتل منهم من قتل؛ احتار الأطبّاء والقادة الأفذاذ في كيفيّة التخلُّص من هذا الوباء، حتى إنَّ عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد قدم من المدينة إلى الشام للوقوف على الأمر بنفسه، ولم يستطع أحدٌ من الناس الوصول إلى حلِّ ناجعٍ لهذا الوباء إلى أن انتهى الأمر على يدي عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بعد وفاة معاذ رضي الله عنه، حيث استُخلِف عَمْرو مكانه، فخطب في الناس بعدها قائلاً: (أيّها الناس، إنّ هذا الوجع إذا وقع فإنّما يشتعل اشتعال النار، فتحصّنوا منه في الجبال)، فأشار عليهم بالفرار من الطاعون إلى رؤوس الجبال، كالنار التي إن لم تجد ما تحرقه في طريقها خمدت، وقد كانت تلك نِعْم النصيحة؛ حيث تفرّق الناس بعد ذلك في المناطق حتى زال الوباء عن المسلمين.