اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يُعدّ نابليون بونابرت أحد أشهرِ الشخصيّات في التاريخ الأوروبيّ، فقد كانَ عسكريّاً في الجيش الفرنسيّ، وزعيماً سياسيّاً معنيّاً بالشؤون الأوروبية منذ عام 1799م وحتى عام 1815م، ويقال بأنه من المساهمين في ظهور الحضارة الغربيّة الحديثة، وتنوير الشعوب الأوروبيّة التي كانت خاضعة للأنظمة الاستبداديّة والإقطاعيّة؛ إذ لعبَ دوراً أساسيّاً ومهمّاً في الفترة التي تبعت الثورة الفرنسيّة، وأُطلقَ عليه لقب الامبراطور نابليون الأوّل.
ولدَ نابليون في الخامس عشر من شهر آب عام 1769م، في مدينة أجاكسيو الموجودة في جزيرة كورسيكا المتوسطيّة، وقد كانت الجزيرة قبل عامٍ من ولادة نابليون تابعةً لمدينة جنوة الإيطاليّة، ولكنها تعّرضت للغزو الفرنسيّ الذي واجهته المقاومة من قبل الشعب الكورسيكيّ بقيادة باسكوالي باولي، وفي تلكَ الأثناء كانَ والد نابليون كارلو بونابرت داعماً للمقاومة، ولكنّ الجزيرة خضعت لفرنسا بعدَ فرار باولي منها، فأصبحَ انتماء والد نابليون فرنسيّاً. كانَ نابليون الطفل الثاني من أصل 8 أطفالٍ لعائلةٍ من طبقة النبلاء الكورسيكيّة، وبحالةٍ اقتصاديّةٍ متوسطةٍ، فقد كانَ والده كارلو بونابرت محامياً، أما والدته فهيَ ليتيزيا رامولينو بونابرت.
تلقى نابليون تعليمه الابتدائيّ حتى سن التاسعة في مدرسة التعليم الابتدائيّ للأولاد في أجاكسيو، وفي عام 1779م انتقلَ إلى مدينة دوقية بورغونيا ليتلقى تعليمه في "كلية أوتون" بصحبة شقيقه الأكبر، وفي نفس العام انتقلَ إلى "كليّة برين" وهيَ مدرسة عسكريّة أكثر حداثة من سابقتها، وكانَ نابليون يسعى للحصول على منصبٍ مهمِّ أو أن يتقلّدَ موقعاً في السلطة، وبذلَ جهداً كبيراً لتحقيق ذلك؛ فركّزَ في دراسته على موضوعين رئيسيين هما: دراسة المقذوفات، ودراسة كتابات فولتير وروسو، وهما مجالان ساعداه ليكونَ لاحقاً قائداً للمدفعيّة وشخصاً مؤثّراً في الثورة الفرنسيّة، كما التحقَ بالمدرسة العسكريّة الملكيّة في باريس عامِ 1784م، واستطاعَ أن يتخرّجَ منها بنصفِ الوقتِ المخصص للدراسة فيها والذي يعادل 3 سنواتٍ دراسيّة، وذلك لأنّه تمكنَ من إثباتِ انضباطه أثناءِ دراسته العسكريّة.
التحقَ نابليون بخدمة لويس السادس عشر عام 1785م، وبعدَ تخرّجه استطاعَ أن يحصلَ على رتبة ملازمٍ في وحدة مدفعيّة في فالانس وكانَ عمره لم يتجاوز 16 سنة، ثمّ رفعَ رتبه تدريجيّاً حتى وصلَ إلى رتبة قائد عسكري، ولكنّه لم يكتفي بذلك فقد أكملَ دراسته في مجال المدفعيّة والطوبوغرافيّة بينَ عاميّ 1785م و 1792م، حتى حصلَ على وظيفة في مكتب طبوغرافيا لجنة السلامة العامّة، وفي عامِ 1786م عادَ نابليون إلى مسقطِ رأسه في كورسيكا بسبب وفاة والده بشكلٍ مفاجئٍ، ليصبحَ معيلاً لأسرته ولم يكن عمره يتجاوز 17 عاماً حينها.
تزوّجَ نابليون مرتين في حياته، ولم ينجب بشكلٍ شرعيّ سوى طفلٍ واحد، وكانَ أوّل زواجٍ له من أرملة تكبره بستة أعوام وهي جوزفين دي بوهارنايس وذلكَ عام 1796م، ولكنه لم ينجب منها، أما زواجه الثاني فكانَ في عام 1810م، حيث تزوّج من ماري لويز ابنة إمبراطور النمسا آنذاك، وذلكَ بعدما أنهى زواجه الأوّل الذي دامَ أكثر من 10 سنواتٍ بهدفِ الحصولِ على ابنٍ من نسله ليكون وريثاً له، فأنجبا "نابليون فرانسوا جوزيف تشارلز بونابرت" عام 1811م، والذي عُرفَ لاحقاً باسم نابليون الثاني، وأصبحَ ملكاً لمدينة روما.
كانَ نابليون يمتلك عدّة صفات مكنته من حُكم فرنسا خلال فترةٍ قصيرةٍ، كما تمكنَ من غزوِ معظم الدول الأوروبيّة، بالإضافة إلى استغلال المواقف الإيجابيّة التي حدثت في حياته لمصلحته الخاصّة، ومن أهمّ هذه الصفات:
وصلَ نابليون للسلطة في فرنسا في عام 1799م، وقد بدأ رحلة صعوده للسلطة منذ عام 1793م، وذلكَ بعد تنحي لويس السادس عشر بفضلِ الثورةِ الفرنسيّة عام 1789م، وأوّل محطةٍ استغلّها نابليون لإثبات قدراته العسكريّة عندما عيّنَ كواحدٍ من القادةِ على حملةٍ عسكريّةٍ وُجّهت لاستعادةِ مدينةِ تولون الفرنسيّة، فتمكن من استعادتها بعدَ وضعه لخطّةِ عسكريّة ناجحة، وفي عام 1795م سُلّمَ القيادة لحملةٍ عسكريّة ثمّ استلمَ قيادة القوّات الفرنسيّة في إيطاليا عام 1796م، واستخدمَ مبدأ المسيرات السريعة للمناورة، وتقسيم قوات العدو، ورفعِ معنويّات جيشه، ممّا مكنه خلالَ عامٍ واحدٍ من السيطرة على معظمِ إيطاليا وجزءً من النمسا، وأخضعها لدفعِ النقود والبضائعِ للدولةِ الفرنسيّة.
نظراً للجهود التي بذلها نابليون في قيادة الجيوش الفرنسيّة، فقد عُيّنَ عام 1798م لقيادةِ حملةٍ عسكريّةٍ إلى مصر، فاستولى على الجزء الشماليّ منها، ولكنّ إمدادات الجيش قُطعت بعدما هزمَ البريطانيون أسطولاً فرنسيّاً في معركة النيل، فاستغلّ نابليون ذلكَ بتشكيلِ فريقٍ من العلماء لدراسة الآثار المصريّة، ممّا ساعد في الحصولِ على كمّ هائلٍ من المعلوماتٍِ الأثريّة، بالإضافة لاكتشاف حجر رشيد الذي كانَ سبباً في فكّ الرموز الهيروغليفيّة المصريّة القديمة، وفي عام 1799م عادَ بونابرت إلى فرنسا بعدَ تدهورِ الأحولِ فيها، وذلكَ بعدَ دخول فرنسا الحرب ضدّ روسيا، والنمسا، وبريطانيا، والدولة العثمانيّة، فقاد انقلاباً عسكريّاً ضدّ الثورات التي اندلعت للإطاحة بالحكومة الجديدة، ونجحَ في الوصول إلى السلطة وأصبحَ القنصل الأول لفرنسا، وبفضلِ مهاراتِ نابليون القياديّة استطاعَ أن يقمعَ التمرد في فرنسا، وأن يستعيدَ احتلال الأراضي الإيطاليّة، وأن يوقفَ الحرب مع الدول وإجبارهم على عقدِ السلامِ مع فرنسا بعدَ هزيمةِ جيوشهم، وبحلول عام 1802م أصبحت الأوضاع في فرنسا مستقرّة.
أقرّ مجلس الشيوخ الفرنسيّ قانوناً نصّبَ نابليون إمبراطوراً على فرنسا يوم 18 من شهر أيّار عام 1804م، وأعطى أسرته الحقّ في وراثة العرش بعدَ وفاته، ولكنّ نابليون لم يكن لديه أطفال آنذاك، لذا أُجريَ استفتاء عام نصّ على قدرة نابليون في اختيار بونابرت آخر أو تبني وريث له، وحصلَ القرار على موافقة بنحو 3.5 مليون مقابل 2,500 شخصاً كانوا ضدّ القرار، وقد اختارَ نابليون لقب الإمبراطور بدلاً من لقب الملك، حتى لا يكونَ شبيهاً بالحكومة الملكيّة السابقة، كما حصلَ على لقب قنصل، واتخذَ النسر رمزاً له، وتوّجَ نابليون يوم 2 من شهر كانون الثاني عام 1804م بحضور البابا.
عيّنَ نابليون خلال سنوات قليلة من تولّيه الحكم في فرنسا أقاربه كضباط عسكريين، وحصلوا على وظائف مدنيّة مرموقة في الدولة كنبلاء، ووهبَ لهم عدّة امتيازات، وألغيت جميع الهيئات في فرنسا فسيطرَ على الحكومة الفرنسيّة مجلس الدولة التابع لمجلس الشيوخ الفرنسيّ، والذي كانَ نابليون يُصدر جميع قراراته، وكانَ نابليون معتدّاً بانتصاراته فبنى قوس النصر تخليداً لها، كما منح ابنه لقب ملك روما، ومن أبرز الاعمال الفنيّة التي خلّدت ذكرى نابليون عدد من اللوحات الفنيّة التي رسمها جاك لوي دافيد، والذي كانَ مؤثّراً أساسياً لظهور الفن الكلاسيكي الحديث، ومن أهمّ هذه اللوحات: لوحة نابليون عابراً جبال الألب (بالإنجليزيّة: Napoleon Crossing the Alps)، ولوحة تتويج نابليون (بالإنجليزيّة:The Coronation of Napoleon) والتي وثّقت حفل تتويج نابليون إمبراطوراً لفرنسا.
خاضَ نابليون خلال فترة حكمه في فرنسا عدّة حروب، وقد بدأت هذه الحروب منذ عام 1800م، وانتهت في عام 1815م بعدما هُزمَ نابليون في معركة واترلو التي تعدُّ آخر الحروب التي خاضها، وقد تسببت الحروب التي خاضها نابليون بفقدان الدول الأوروبيّة استقرارها؛ فقد شنّ نابليون حروباً ضد مختلف التحالفات من الدول الأوروبيّة، كالنمسا، وروسيا، والسويد، وبريطانيا العظمى، ومن أبرز هذه الحروب:
مكّنَ النصر الذي حققه نابليون في أوروبا الشرقيّة من تجنيد أفراد موالين له في مناصب السلطة في نابولي، والسويد، وهولندا، وإيطاليا، ووستفاليا، وإسبانيا، ولكنّ الميزانيّة الوطنيّة لفرنسا تعرضت للانهيار بعدَ عدّة هزائم أصابت الجيش الفرنسيّ، وبعدَ الحملة العسكريّة المرهقة التي شنها نابليون على روسيا في الشتاء عام 1812م، والتي بدأت بأكثر من 600 ألف جنديّ، وانتهت بأقل من 10 آلاف جنديّ، وبسبب الضعف الذي أصابَ فرنسا حدثت محاولة انقلاب على حكومة نابليون عندما كانَ في الحرب مع روسيا، ولكنّها باءت بالفشل، حتى تمكنت القوّات البريطانيّة من اجتياح فرنسا، ممّا أدى لاستسلام نابليون يوم 30 من شهر آذار عام 1814م، ونفيه إلى جزيرة إلبا.
استطاعَ نابليون الهرب من منفاه والعودة إلى باريس في عام 1815م، وتمكن من الحصول على دعمٍ كبيرٍ هناك واستطاعَ استعادة عرشه، كما تمكن من إعادة تنظيم جيشه وحكومته، فقادَ هناكَ جيشه في معركةٍ هزم فيها القوّات البروسيّة في بلجيكا، ولكنّه تعرّضَ للهزيمة في معركة واترلو، ممّا اضطره إلى التخلي عن لقبه وسلطاته، فطلبَ من الدول المنتصرة تعيين ابنه كإمبراطور ولكنّ طلبه رُفضَ، وتمّ نفيهُ إلى جزيرة سانت هيلينا؛ حيثُ كانَ معزولاً عن العالم الخارجيّ يمارسُ القراءةَ والكتابة، حتى أصيبَ بقرحة في المعدة أو بمرضِ السرطان عام 1817م، فمات في منفاه يوم 5 من شهر أيّار عام 1821م، عن عمرٍ ناهز 51 عاماً.
يُختلفُ على اعتبار نابليون بطلاً أو طاغية، كما ظهرَ العديد من السياسييّن المبدعينَ في عصره، ولكنّ الجميع يتفق على الأثر الذي تركه في مختلف المجالات الاقتصاديّة، والسياسيّة، والثقافيّة، والمجتمعيّة، كما كانَ له تأثيراً كبيراً على التاريخ الأوروبيّ الذي خاضَ فيه حروباً استمرّت لنحو 20 عاماً، ممّا أشعلَ سيرته في جميع أنحاءِ أوروبا لمدة قرن من الزمان، وقد خلّفَ نابليون أعمالاً خلّدَت سيرته كجنرال، فمن خلال موهبته وقوّة إرادته استطاعَ نابليون أن يصعدَ بفرنسا من قمّة الفوضى التي كانت فيها إلى قمّة القوّة بتشكيلِ إمبراطوريّة كبيرة.