اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وبقيت المقاهي إما فرنسية الطابع أو مشرقية الطابع حتى عام 1689 حين مزج أحد الإيطاليين الطابع الشرقي مع الفرنسي في مقهى حمل اسمه وهو مقهى بروكوب. جاء فرونسوا بروكوب من مدينة فلورنس الإيطالية، حيث كان يعمل فيها بائعاً لعصير الليمون، وحصل على تصريح ملكي ببيع البهارات والمثلجات وعصير الليمون وغيرها من المرطبات، وسرعان ما أضاف القهوة إلى القائمة، ونجح هذا المقهى نجاحاً منقطع النظير حتى ما يزال يعرف لليوم. ومما ساهم في شهرة هذا المقهى افتتاحه قريباً من المسرح الفرنسي Comédie Française، في شارع عُرف لاحقاً باسم فوسيه سان جيرمان، ويعرف هذا الشارع الآن باسم L’Ancienne Comédie. استطاع بروكوب أن يحقق كل هذا النجاح رغم أن مقهاه بدأ بطابعٍ كئيب مزري كما وصفه أحد كتاب عصره الذي قارنه بمغارة لشدة الظلمة فيه حتى في ذروة ساعات النهار، أما في ساعات المساء فقد كانت إضاءته ضعيفة، وهو الطابع الذي كان يضفيه أولئك الشعراء الذين كانوا يرتادونه بوجوههم الشاحبة وملابسهم الباهتة كما أشباح الظلام.
ولأهمية المكان الذي اختاره بروكوب تردد عليه العديد من أشهر الممثلين والمؤلفين وكتاب الدراما والموسيقيين المعروفين في القرن الثامن عشر. أخذ المقهىً طابعاً أدبياً صرفاً، وحتى بعد إغلاقه بقرنين قُدّرت قيمة الطاولة والكرسي التي كان يجلس عليها الأديب الفرنسي الشهير فولتير بمبلغٍ كبير.
لعب مقهى بروكوب دوراً كبيراً في الثورة الفرنسية عام 1789 دونته كتب التاريخ، حيث كان يرتادها قادة الثورة من أمثال مارات وربيسبير ودانتون وهيبرت وغيرهم يتجادولون ويتماحكون وهم يتناولون القهوة أو المشروبات الروحية. ومن الشخصيات الهامة التي ترددت عليه القائد الفرنسي لاحقاً نابليون بونابرت، الذي كان يشغل وقته بلعب الشطرنج وكانت من أقدم ألعاب التسلية التي عرفتها المقاهي الفرنسية.
بعد الثورة، فقد مقهى بروكوب طابعه الأدبي ليهبط إلى مستوى المقاهي العادية، حتى أعاد إليه بعض التألق والشعبية بول فيلرين، الشاعر الذي قاد الحركة الرمزية في القرن التاسع عشر الذي أخذ يتردد عليه كثيراً. وما زال مقهى بروكوب موجوداً في باريس في الشارع ذاته.
ويسجل التاريخ أنّه مع افتتاح مقهى بروكوب أصبحت القهوة مشروب رسمي في باريس، وعرفت المدينة إبان حكم لويس الخامس عشر ما يقارب 600 مقهىً، واقترب عددها إلى 800 مع بوادر القرن الثامن عشر، وفي القرن التاسع عشر، وتحديدها في عام 1843، وصل عددها إلى 3000 مقهىً.