اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إن الحكومة البريطانية لم تُولي اهتماماً كبيراً للفقراء، ولكن بعد الثورة الصناعية غيرت نظرتها إلى ما تحققه هذه الطبقة؛ حيث أن تطور شبكات السكك الحديدية، وميكنة الزراعة، وزيادة الاحتياج إلى العمل بالمصانع في المدن الداخلية الجديدة أبطل تقليد العداء الاقتصادي، وأدى إلى النمو السريع للمدن، بينما أدت زيادة أعداد المتعلمين إلى عناية أكبر بوسائل الإعلام والأخبار اليومية بالعمال العاديين، وفي عام 1856 أصبح من الممكن منح أعلى وسام عسكري للشجاعة –صليب فيكتوريا- إلى أي فرد من أي طبقة كان، وأيضاً أصبح من الممكن تقديم أعلى وسام مدني –وسام البرت[وصلة مكسورة]- إلى أي مدني من أي طبقة وذلك منذ عام 1866، بالإضافة لذلك قامت العديد من المنظمات الخاصة والخيرية المعنية بأنشطة انقاذ الأرواح –أبرزها جمعية الرفق بالحيوان الملكية[وصلة مكسورة] (1776)، ومؤسسة قارب النجاة الوطنية الملكية[وصلة مكسورة] (1824)- زادت أنشطتها واهميتها، وقدمت الجوائز والميداليات كوسيلة للترويج لأنشطته، ونصائح لإنقاذ الحياة.
كان الرسام والنحات جورج فريدريك واتس، وزوجتة الثانية الفنانة والمصممة ماري فريزر تايتلر دعاه إلى فكرة أن الفن قوة للتغيير الاجتماعي، وأن قص الأعمال العظيمة من الممكن أن يمدنا بالتوجيهات لمعالجة المشكلات الاجتماعية الخطيرة بالمدن البريطانية، وقد رسم واتس مجموعة من اللوحات لشخطيات بارزة كان يؤمن بأن لها تأثير ايجابي على المجتمع تحت مسمى (حائط المشاهير) وأعطاها لمعرض اللوح الفنية القومي[وصلة مكسورة]، ومنذ عام 1866 اقترح واتس بناء نصب تذكاري للمجهوليين تكريماً لشجاعة هولاء الأشخاص العادييون. في الخامس من سبتمبر 1887 نُشر خطاب لواتس في جريدة التايمز يقترح فيه خطة حفل اليوبيل الذهبي للملكة فيكتوريا وذلك بتجميع سجل كامل من القصص البطولية التي تحدث كل يوم واستشهد بموت أليس اريس كنموذج علي هذا النوع من الحدث الذي اقترحه، وتضمن خطابه اعتبارات مشوهة لما فعلته اريس أثناء حادث حريق شارع الاتحاد.
إن القائمة ممكن أن تكون طويلة، ولكنني سأستشهد بمثال واحد وهو المربية أليس اريس التي كانت تقوم بكل الأعمال لدى صاحب متجر الزيوت والطلاء بمنطقة جرافيلين، والتي ماتت في أبريل بسبب انقاذها لأطفال صاحب العمل. الحقيقة باختصار هى، إذا نسى القراء هؤلاء، صرخات النار والحرارة الشديدة للنيران المتصاعدة، وفتاة بنافذة الطابق العلوي، وحشد من الناس يمسكون ببعض الملابس لحمايتها وهي تسقط وينادونها لتقفز في الحال، ولكنها بدلاً من ذلك ذهبت إلى الغرفة وظهرت وهى تسحب مرتبة سرير وتدفعها خلال النافذة بصعوبة، ثم عادت مرة أخرى للنافذة وحول ذراعيها طفلة ألقتها بعناية ومهارة على المرتبة، وعادت هذا المشهد البطولي مرتين عندما ألقت الطفلتين الأكبر سناً، وعندما جاء دورها لتقفز كانت تشعر بالتعب و الاختناق ولم تستطع انقاذ نفسها؛ حيث قفزت بصورة هزيلة وسقطت على الرصيف، وحُملت باهمال إلى مستشفى سانت توماس التي توفيت بها.
جورج فريدريك واتس، اقتراح آخر لليوبيل الذهبي 5/9/1887
وقد اقترح واتس في البداية أن يأخذ النصب التذكاري شكل البنية البرونزية الضخمة، ولكن في عام 1887 اقترح أن يكون النصب التذكاري على غرار صرح كامبوسانتو[وصلة مكسورة]، وأصر على أن تُبنى الحوائط بالرخام، وأن ينقش عليها أسماء الأبكال غير المشهورين، وأن يُشيد بحديقة هايد مارك[وصلة مكسورة]؛ ولكن اقتراحه لم ينفذ، وعلق على ذلك قائلاً "لو كنت دعوت إلى سباق حول حديقة هايد، كنت وجدت العديد من المتعاطفين، وعلى الرغم من ذلك أدت طريقة واتس في الإقناع من خلال رسوماته إلى رفع وعي الغامة بوفاة ألس ايريس.
كتبت الشاعرة إيمليا أيلمر بليك[وصلة مكسورة] قصيدة عن ألس ايريس –ربما تكون هذه هي القصيدة الأولى عن ايريس- بعنوان الس ايريس والتي قرأتها في تجمع اجتماعي عام 1885، وكتب السير فرانسيس هاستيتغز دويل[وصلة مكسورة] قصيدة حظيت بقبول كبير تكريماً لايريس، كما كتبت المصلحة الاجتماعية والمدافعة عن حقوق المرأة الكاتبة لورا أرمستون تشانت[وصلة مكسورة] قصيدة متداولة عن ايريس، وفي آواخر 1880 أصبحت ايريس نموذج بريطاني للتفاني في أداء الواجب، وأصبحت قصتها ضمن مجموعة من القصص البطولية والملهمة الأطفال، وتتضمن أول قصص ف.ج كروس المؤثرة "تحت الراية" والتي علق فيها قائلاً "ايريس حاولت ان تبذل قصارى جهدها، وفد شعر من حولها بحبها وحنانها للأطفال التي كانت ترعاهم، وبحياتها اللطيقة النقية، وذلك قبل أن يفكر أحد أنها سنمزت بتلك الصورة البطولية؛ ولذلك حينما جاءت المحنة الحقيقية كانت مستعدة، وما ظهر لنا بأنه كرم إلهي، ظهر لها بانه فقظ واجبها". في عام 1890 تم الكشف عن سلسلة من اللوحات رسمها والتر كرين[وصلة مكسورة] بصالة الصليب الأحمر التي تمتلكها أوكتافيا هيل[وصلة مكسورة]، والتي تقع على بُعد 550 ياردة (500م ) من مكان حدوث الحريق بشارع الاتحاد، وكنت هذاللوحات مستوحاه من اقتراحات جورج فريريك حيث صورت النماذج البطولية في الحياة اليومة؛ ولكن واتس نفسه رفض الانخراط في المشروع لأن اقتراحه الخاص بالنصب التذكاري أصبح مصدر الإلهام والتأمل بدلاً من الاحتفال بالذكرى، وأحس أن العمل الفني من الممكن أن يصرف انتباه المشاهدين عن العنصر الأساسي للقضية وهو التضحيات البطولية للأفراد. كانت اللوحة الأولى التي رسمها كران لوصف حادث الحريق عبارة عن صورة مثالية تصور ايريس كمُنقَذة بدلاً من منقِذة وتمزج بين الصور الدينية التقليدية للأبطال البريطانيين في القرن التاسع عشر، ولم تصف ما حدث بالفعل حيث صور ايريس وهي ترتدي فستان للنوم فضفاض وطويل أبيض اللون، وكانت تقف بنافذة الطابق اللأول حول النيران المتصاعدة، وتمسك بطفلة صغيرة، ووقف رجل إطفاء على الدرج ليصل لايريس والأطفال، وكان هناك بحار يرتدي زي البحرية الملكي ممسكاً بالطفلة الثانية؛ ولكن الحقيقة أن ايريس كانت تقف بالطابق العلوي، وأدى حريق الزيت والبارود إلى استحالة اقتراب قوات الإطفاء من المبنى، وادى وصف ايريس يهذه الصورة مع رجل اطفاء وبحار إلى جعلها نموذج للبطولة والقوة البريطانية، بالإضافة إلى تعزيز سمعتها كشخصية بطولية، وقد ذكر مؤسس التراث القومي كانون هاردويك راونسلي لوحة كارين بصالة الصليب الأحمر بقصيدته القصصية (ألس ايريس) التي نشرها نشرها بملحمته الأفعال الشجاعة والتي كتب مقدمتها واتس.
في عام 1898 تقرب واتس من هينري غامبول[وصلة مكسورة] وهو قس بكنيسة القديس بوتولف ألدرسغت في لندن والتي تحول فناؤها بالإضافة إلى قبرين صغيرين مجاورين لها إلى جزء من حديقة بوستمان وهي واحدة من أكبر الحدائق بلندن، وانخرطت الكنيسة في نزاع مالي وقانوني طويل الأمد حول ملكية هذا الجزء من الحديقة، وقد عرضت الكنيسة أن يخصص هذا الجزء من الحديقة للنصب التذكاري الذي اقترحة واتس كمبرر عام لإبقاء الأرض المُتنازع عليها كجزء من الحديقة، ورفع مكانة الحديقة، والمساعدة في جمع التبرعات. وافق واتس، وفي عام 1900 كشف عمدة لندن ألفريد نيوتن، والأسقف مندل كريتون عن النصب التذكاري للتضحية البطولية الذاتية، ويصل عرض النصب التذكاري إلى 50 قدم (15م )، ويصل طوله إلى 9 قدم (2.7) مصنوعة من الخشب، كما يضم جداراً يتسع ل 120 لوحة تذكارية صممها ارنيست جورج، وكانت صناعة ألواح النصب التذكاري صناعة يدوية ومكلفة. في الوقت الذي تم الكشف فيه عن النصب التذكاري كان يوجد أربع لوحات فقط، ثم في عام 1902 أُضيف تسع لوحات من بينهم لوحة ألس ايريس صممها ويليم دو مورغان غلى نهج حركة الفنون والحرف، مكتوب عليها باللون الأخضر " الي ايريس ابنه عامل البناء التي استطاعت ببسالة انقاذ ثلاث أطفال من حريق منزلبشارع الاتحاد في منطقة بورو مقابل خسارة حياتها ووفاتها بسنٍ صغير في الرابع والعشرين من أبريل 1885.
بالرغم من أن وجود بطلة قومية أنثى كان مألوف بين الشعب خاصةً بعد تغطية الأحداث بصورة واسعة، وإعجاب الشعب بشخصيات مثل هاريت نييوبيل، وغريس دارلينج، وفلورنس نايتنجيل، إلا ان التغطية المستمرة لما حدث لآيريس، وعلو شانها كبطلة قومية كان غير عادي في تلك الفترة؛ حيث أنها كانت امراة غير متعلمة من الطبقة العاملة والتي لقبت بعد وفاتها بما يسمى (تقديس العلماني)، وذلك في وقتٍ كان فيه عامة الابطال الوطنيين رجالاً في مجالات التنقيب، والجيش، والدين، والعلوم، والهندسة. كان الضغط السياسي في ذلك الوقت يصب في مصلحة زيادة الإصلاح الاقتصادي حيث إن قصة ايريس قدمت للشعب كامرأة كرست حياتها كلياً لواجباتها، وهي بذلك تمثل في ذلك الوقت الشخصية البريطانية المثالية، بينما كانت صورة المرأة العاملة غير المتذمرة التي ثؤثر سعادةً الأخرين على سعادتها كانت تتجسد في الرؤية المثالية للطبقة العاملة التي قدمها المصلحون الاجتماعيون، وكانت صورة المرأة المثالية الناكرة لذاته والمتفانية في عملها يقدمها نُشطاء حقوق المرأة، ولكن عندما تم الكشف عن النصب التذكاري للتضحية الذاتية علق العمدة ألفريد نيوتن قائلاً "كان يُقصد تخليد الأعمال البطولية لطبقة العمال، بينما قال جورج واتيس أن الطبقات الأغني لا تتطلب تذكيرات أو محفزات لتذكرها على الرغم من معارضته للتمييز بيم الطبقات، ورؤيته بان هذا النصب التذكاري سيكون مفتوح لجميع الطبقات، وأضاف أن الهدف من النصب التذكاري ليس فقط لإحياء ذكرى الأفعال العظيمة، ولكن أيضاً لتثقيف الطبقات الفقيرة، وقد شارك الكثيرون واتس وجهة نظر ممن سعوا لتوفير مادة ملهمة للأبطال البريطانيين. قلب المؤلفون الذين كتبوا عن ايريس حقيقة أن الأطفال الاتي انقذتهن حيث وصفوهم بأنهم بنات صاحب العمل، وقد وصفت التقارير الصحفية ايريس آنذالك بألقاب عديدة مثل "المربية الصغيرة"، و"الخادمة المجدة، والأمينة، والمتاهبة"، و" الخادمة الصغيرة الفقيرة "،بالإضافة لذلك وصفها واتس بالخادمة التي تقوم بكل الأعمال لدى صاحب الطلاء والزيوت في فصل بعنوان "مجرد خادمة صغيرة" بقصة "تحت الراية" بقلم كروس، بينما لقبها وويسلي ب"خادمة المنزل"، وقد كتب بارينغتون بعد خمس سنوات من حادئ الحريق معترفاً على الهامش أن ايريس كانت لها علاقة بعائلة تشاندلر، ولكن رغم ذلك وصفها بأنها تمثل النموذج الإنجليزي للفضائل، والشجاعة، ولثبات، والإحساس الجدي تجاه أداء الواجب، أما جورج واتس، وزوجته ماري، وزملائهم من آباء المصلحين الاجتماعيين، ونطاق واسع من تيار متهاطف من الصحافة صوروا ايريس على أنها مثال ملهم للعاملة التي تُؤثر عائلة صاحب العمل؛ ولكن كان هناك آخرون لديهم وجهة نظر أخرى.
احتج الجناح الأيسر لجريدة رينولدز الأسبوعية بعدم دعم الدولة لعائلة ايريس دليل على المعاملة السيئة لجميع العاملين، ووصفت المجلة الدورية النسوية "المرأة الإنجليزية" أليس بأنها فخرهن المستحق بالعريزة الأمومية، وعلى الجانب الآخر قالت المجلة الأمبريالية الأدبية للأطفال "مجلة شباب إنجلترا[وصلة مكسورة]" أنه ليس هناك فرق بين الذكور والإناث في التضحية الذاتية، ومجدت ايريس كنموذج للتفاني في أداء الواجب.