اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
رسم ابن جبير في كتابه الحياة بكل تجلياتها في القرن السادس الهجري وبداية السابع الهجري في المشرق والمغرب والانطباع الذي خلفته هذه المدن في نفسه والأهمية التي رأي أنها تستحقها، وتسجيل ما شاهده وما كابده في أسفاره، واهتم بذكر التاريخ الذي زار فيه كل مدينة أو مكان مر به بطريق البحر أو البر. كما ذكر المسافات التي تفصل بين تلك الأماكن مقدرة بالأميال أو الفراسخ. وقدم معلومات وافية عن الآثار والمساجد والدواوين والمدارس وغيرها من المعالم المدنية والحضارية ودرس أحوالها، وحرص على تسجيل الماسي التي يتعرض لها المسلمون في بعض المدن والأقطار الواقعة تحت سيطرة الصليبيين.
في الإسكندرية وصف ابن جبير ما تعرض له هو ومن معه من المسافرين من تعسف أمناء السلطان؛ إذ قاموا بتدوين أسماء المسافرين وصفاتهم، ولم يكتفوا بذلك، بل طلبوا منهم أداء الزكاة، غير عابئين بأوقاتها وقواعدها الشرعية، ثم أخذوا بتفتيشهم بصورة مذلة إذ أدخلت الأيدي في الأوساط، بحثًا عما عسى أن يكون فيها من مال، وبعد معاناة طويلة سُمح لهم بمواصلة المسير بعد "موقف من الذل والخزي عظيم". وبرر ابن جبير هذه الإجراءات التعسفية في مصر ـ بلاد صلاح الدين الأيوبي ـ بأنها تجري دون علمه.
وفي القاهرة وصف بانبهار مساجدها ومشاهد آل البيت والصحابة، عمارةً وزخرفة، وذكر هيئة أحد خطباء الوعظ بأنه "لابس السواد على رسم العباسية، وهي عبارة عن بُرد سواد عليها طيلسان شرب – حرير... وعمامته سوداء، متقلدًا سيفًا، وعند صعوده المنبر يضرب بنعل سيفه المنبر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها إيذان بالانصات".
كما زار ابن جبير الأهرام، وذكر أن الناس يعتقدون انها قبور عاد وبنيه، ثم شد الرحال إلى الجنوب فوصل الصعيد، حيث رأى أهله يتعرضون إلى تعسف جباة الأموال بصورة أبشع مما تعرضوا له في الإسكندرية، ثم مر بمدينة قنا، التي من مآثرها "صون نساء أهلها والتزامهن البيوت، فلا تظهر في زقاق من أزقتها امرأة البتة"، وكذلك الحال لنساء "دشنة" القريبة من قوص.
وفي عيذاب ينتقد ابن جبير أهل عيذاب (البجاة) انتقادًا شديدًا لأنهم يحمّلون السفن بالحجاج بأكثر مما تستوعب، غير مبالين بما يصنع بهم البحر، طمعًا بالاجور ويقولون: "علينا بالألواح وعلى الحجاج الأرواح"، لذلك ينصح الحجاج بالابتعاد عن طريق مصر بسبب هذه المضايقات والاستعاضة عنه بطريق الشام والعراق.
ويذكر ابن جبير أن الحجاج عندما ينزلون إلى بر عيذاب ويكترون من أهلها الجمال، فإنهم يسلكون بهم طرقًا لا ماء بها لكي "يموتوا عطشًا فيستحوذوا على نفقتهم وما سواها"، لذلك يصف ابن جبير أهل عيذاب بأنهم "فرقة أضل من الأنعام سبيلًا وأقل عقولًا، لا دين لهم سوى كلمة التوحيد"، ذاكرًا أسطورة ـ وافقت هواه ـ يتداولها الناس عن مدينتهم بأن "سليمان اتخذها سجناً للعفاريت".
في مكة وصف ابن جبير المسجد الحرام والأماكن المقدسة، وقرر أن يبقى في المدينة المنورة حتى العام التالي لأداء الحج، حيث كان وصوله بعد موسم حج عام 578هـ، وقام أثناء ذلك بأداء عمرة شهر رجب، ووصف زحام المعتمرين بـ "مرأى الحشر يوم القيامة" لكثرة الخلائق فيه.
ويعيب ابن جبير على أهل الجهات الحجازية استغلالهم الجشع للحجاج برفع أسعار المواد، ويعتقد انهم اتخذوا من بيت الله "معيشة حرام وجعلوه سببًا إلى استلاب الأموال"، متمنيًا أن تصل سيوف دولة الموحدين لهم لتطهيرها من البدع، وزاعمًا أنه "لا إسلام إلا ببلاد المغرب؛ لأنهم على جادة واضحة".
ولاحظ ابن جبير أنه بمجرد بدء شهر رمضان تم تجديد الحصر الموجودة بالمسجد الحرام، والإكثار من إشعال الشموع والقناديل حتى تلألأ الحرم المكي نورًا وسطع ضياء، كما وصف صلاة التراويح بالحرم، فذكر اصطفاف العديد من المصلين خلف الأئمة من المذاهب الأربعة، ولأن ابن جبير كان مالكي المذهب فقد احتفى بذكر الأئمة والقراء المالكية، وما قدمه التجار المالكية من شموع عالية أمام المحراب.
ولم يفته ذكر مسألة السحور في ليالي رمضان في مكة المكرمة، فذكر أن أحد المؤذنين كان يتولى التسحير في الصومعة الموجودة في الركن الشرقي من المسجد الحرام بسبب قربها من دار أمير مكة، فيقوم المؤذن وقت السحور داعيًا ومذكرًا ومحرضًا على السحور، ونصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان فوقهما قنديلان كبيران من الزجاج يضيئان طوال فترة السحور، فإذا اقتربت نهاية وقته قام المؤذن بإنزال القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ في الأذان، ونتيجة لاتساع مساحة مكة المكرمة وبُعد الكثير من منازلها عن المكان الموجود به قنديلا التسحير، يذكر ابن جبير ارتفاع منازل مكة، وهو الأمر الذي جعل الذين لم يسمعوا نداء السحور يشاهدون القنديلين يضيئان أعلى الصومعة فإذا لم يبصروهما عرفوا أن وقت السحور قد انتهى.
عندما زار ابن جبير الكوفة وجدها "كبيرة عتيقة البناء قد استولى الخراب على أكثرها" بسبب تقادم الزمن وهجمات قبيلة خفاجة المستمرة عليها، ثم اتجه إلى الحلة ووصفها بأنها "قوية البناء، كثيرة الخلق، متصلة حدائق النخيل داخلًا وخارجًا"، وعندما وصل إلى بغداد وجدها قد "ذهب أكثر رسمها ولم يبق إلا شهير اسمها"، واتهم أهلها بالكبرياء والرياء وازدراء الغرباء، غير أنه غبط بعض فقهاء ومحدثي بغداد على ما أوتي من حظ في العلم كبير.
تمر القافلة بنصيبين ودنصير ورأس العين المشهورة بصفاء مائها ولذة أسماكها، وفي حران يلتقي باحد الزهاد الذي يسمى "المكشوف" لانه لايغطي رأسه تواضعاً لله تعالى، كما قرن أهلها بمحبة الغرباء وأثرة الفقراء، ثم نزل بحلب التي سرد رواية تقول ان قلعة المدينة كانت ربوة يأوى اليها إبراهيم الخليل بغنيمات فيحلبها ويتصرف بلبنها فلذلك سميت حلب.
وفي دمشق ـ التي اعتبرها ابن جبير "جنة المشرق ومطلع حسنه المؤنق" ـ وذكر أن بها عشرين مدرسة، وصف بإسهاب جامعها الشهير وأبوابة ومحرابه وصحنه وبلاطاته ومقصوراته الثلاث وصوامعه، ولاحظ في إحدى المقصورات خزانة فيها "مصحف من مصاحف عثمان وتفتح الخزانة كل يوم بعد الصلاة، فيتبرك به الناس بلمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه"، ويصف ساعة المسجد العجيبة التي تعمل ليل نهار، وهي من صنع رضوان بن الساعاتي.
ثم ترك ابن جبير دمشق إلى بانياس ـ التي استرجعها المسلمون من الصليبين ـ ثم إلى عكا التي مازالت بايديهم. وفي مدينة صور شاهد حفل عرس أفرنجي ووصفه، ثم أعرب عن أساه عندما رأى أسرى المسلمين ـ من الرجال والنساء ـ بيد الصليبين، وهم يرسفون بالقيود "ويصرفون في الخدمة تصريف العبيد" ويكبر في السلطان نور الدين، وأهل التقوى في بلاد الشام، روح الحمية؛ إذ يخصصون الأموال لافتداء الأسارى ويقدمون المغاربة على غيرهم؛ لأنهم لا أهل لهم.
ذهب ابن جبير إلى عكا ليستقل سفينة مبحرة إلى صقلية، وكان معه عدد من المسلمين ومجموعة من الفرنج "والنصارى المعروفين بالبلغريين" من حجاج بيت المقدس، "وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عن الفرنج". وصادف وهم في السفينة حلول أحد اعياد المسيحين فاحتفلوا بمناسبته وأسرجت الشموع وصلى بهم القساوسة ووعظوهم بشرائع دينهم.
وحدث أن مات اثنتان من المسلمين ومثلهما من "البلغريين" وتبعهم بعد ذلك خلق كثير، وقد ورث هؤلاء الموتى "رئيس المركب؛ لأنها سنة عندهم؛ إذ لا سبيل لوارث من ميراثه"، وبعد رحلة استغرقت اربعاً وثلاثين يوماً، لا تقل أخطارها عن سابقاتها، وصلوا إلى جزائر "الرمانية" وظلوا أربعة ايام حيث جدد الركاب الماء والزاد وباعهم أهل الجزيرة الخبز واللحم والزيت بأثمان عالية بالرغم من أن الخبز "لم يكن براً خالصاً، وإنما كان خليطاً بالشعير يضرب للسواد".
وبالقرب من مسينا كادوا أن يغرقوا لولا إغاثة ملك صقلية "غليام" لهم، إذ اشرف بنفسه على عمليات الإنقاذ، كما أمر الملك ـ الذي يقرأ ويكتب العربية ـ بدفع أجرة نقل فقراء المسلمين من المركب إلى البر.
وفي بلارمة ـ حاضرة صقلية ـ يصادف عيد الميلاد، ويحتفل به الناس رجالًا ونساءً، ويلاحظ ابن جبير ان زي "النصرانيات [مثل] زي نساء المسلمين، فصيحات الألسن، ملتحفات، متنقبات خرجن في هذا العيد، وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائعة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الأخفاف المذهبة وبرزن.... حاملات جميع زينة نساء المسلمين".
وبعد سفر دام سبعة أيام وصلوا مدينة "اطرابنش"، وصادف وجوده فيها حلول عيد الفطر، الذي احتفل المسلمون من اهلها به، وخرجوا إلى الجامع "بالطبول والبوقات" بحرية تامة دون مضايقة من سكانها النصارى.
ظل ابن جبير مع خمسين رجلاً من المسلمين في جزيرة "اطرابنش" أيامًا تزيد على العشرة، بانتظار ملاءمة الريح لسير السفينة. وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة أقلعوا بثلاث سفن،وبعد مخاطر وأهوال رست سفنهم بجزيرة خالطة ثم أقلعت إلى قرطاجنة، ومنها إلى الأندلس، حيث ألقى ابن جبير في النهاية عصاه في غرناطة.