English  

كتب مفهوم الفلسفة عبر العصور

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

مفهوم الفلسفة عبر العصور (كتاب)


الفلسفة لفظ استعارته العربية من اللغة اليونانيّة، وأصله في اليونانية كلمة تتألف من مقطعين: فيلوسوفيا. وهو بمعنى (صديق أو محب)، والثاني هو سوفيا Sophia أي (حكمة)، فيكون معناها (محب الحكمة). وبذلك تدل كلمة (الفلسفة) من الناحية الاشتقاقية على محبة الحكمة أو إيثارها. ويقال أن "فيثاغورس" وهو فيلسوف وعالم رياضي يوناني شهير هو أول من استخدم هذا اللفظ ؛ حيث سئل : هل أنت حكيم فأجاب : أنا لست حكيماً ولكنني محب للحكمة . وقد أصبح هذا اللفظ (أي محب الحكمة) يطلق علي المبدعين في شتي فروع المعرفة من اليونانيين وغيرهم طوال العصور القديمة وحتي مطلع العصر الحديث ، حيث بدأت العلوم تستقل عن الفلسفة ، وأصبح الناس يفرقون بين الفلسفة والعلم ، وبين الفيلسوف والعالم (1).
وقد شكك بعض دارشي الفلسفة في أن يكون فيثاغورس هو الذي قال هذا لما عرف عنه من الادعاء والغرور والتجافي عن التواضع ، ورجح هؤلاء أن يكون "سقراط " هو أول من استخدمها . وعلي أية حال فإن أفلاطون يستخدم كلمة فلسفة في محاوراته المعروفة " حب الحكمة" عند سقراط من إدعاء الحكمة عند السوفسطائيين.
أولاً: تعريف الفلسفة عند اليونانيين
ونستطيع أن نلخص معاني كلمة (فلسفة) واستعمالاتها عند اليونانيين فيما يلي :
1- استعملت الكلمة لدي قدماء اليونانيين وكانت تدل علي معني عام كل العموم ، إذ كانت تعني كل معرفة محضة لا تتوخي أية غاية عملية ، أو أية فائدة مادية. فكانت تشير إلي حب الاستطلاع عامة ، أو كانت تعني كل جهد يقوم به العقل في سبيل تزويد صاحبه بالمعارف الجديدة . وهكذا كانت المعرفة مرادفة للعلم . والعلم هنا ما يعارض الفن (صناعة) (2).
2- وقد فهم فلاسفة اليونان الطبيعيون الفلسفة علي أنها بحث العناصر ، وسعي من أجل الكشف عن أصل الكون – وإن فلسفتهم كانت متجه نحو فهم العالم الخارجي ؛ أي محاولة التعرف علي نشأة الكون ورد الكثرة إلي الوحدة ؛ أي فلسفتهم كانت كونية محضة (3).
3- ثم جاء السوفسطائيين فاحترفوا الجدل والخطابة ، وجعلوا من الفلسفة نوعا من التلاعب اللفظي الذي يعين صاحبه علي تأييد القول الواحد ونقيضه علي السواء .. ولم تلبث هذه النزعة الجدلية الشكية أن تطرقت إلي الفلسفة علي يد " بروتاجوراس" و"جورجياس"، فشاع القول بالنسبية ، وفقد الكثيرون إيمانهم بالحقائق المطلقة ، وأصبح هدف الفلسفة هو الجدل لمجرد الجدل ، لا لطلب الحق أو إضافة اليقين (4).
4- ثم ظهر سقراط، فأحدث ثورة كبرى في نطاق الفلسفة ، إذ وجه الدراسات الفلسفية وجهة جديدة ، حين انصرف عن دراسة الطبيعة ، والبحث عن العناصر من أجل الانهماك في دراسة الإنسان .. وقد وصف شيشرون سقراط – من أجل هذا – بأنه أنزل الفلسفة من السماء إلي الأرض ، وأدخلها في صميم المدن والبيوت .. معني هذا أن سقراط قد حول الفلسفة إلي دراسة النفس والأخلاق والعقل والسياسة ، بدلاً من الاقتصار علي البحث في الفلك والطبيعة والعناصر (5).
5- وجاء أفلاطون فسار علي نهج أستاذه سقراط ، وجل من معرفة الذات أهم نقطة في كل بحث فلسفى ، ولكنه لم يلبث أن أرجع إلي الفلسفة طابعها العام ، إذ جعلها تستوعب موضوعات الطبيعة، والنفس، والأخلاق، وما وراء الطبيعة .. الخ. لقد اهتم أفلاطون بدراسة المشكلات النظرية والعملية التي تنطوي عليها الحياة البشرية ، ولكنه لم يغفل مع ذلك مسائل الطبيعة ، والعناصر الكونية ، والمبادئ الميتافيزيقية . وإن كانت الفلسفة عند أفلاطون قد أصبحت هي اكتساب العلم – فإن موضوع العلم عنده هو الوجود الحقيقي الثابت الضروري ، لا الأشياء المحسوسة التي لا تكف عن التغير ، ولا تنطوي علي أى حقيقة أو ثبات . كما أنه يفرق بين المعرفة والظن ، فيقول إن العلم الحقيقي هو المعرفة أو الماهيات. وقد اكتسبت الفلسفة علي يد أفلاطون صبغة ميتافيزيقية، فأصبحت تعلو علي كل من علم الطبيعة وعلم الأخلاق ، وما يشار إليه أن أفلاطون نفسه لم يستخدم كلمة ميتافيزيقية للإشارة إلى مشاكل ماوراء الطبيعة (6 ).