English  

كتب مفتاح قروم

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

فتح القرم (معلومة)


كانت بلاد الروسيا الغربيَّة وشبه جزيرة القرم، والأراضي الواقعة شماليّ بحر البنطس (الأسود) يحكمها، مُنذُ أيَّام جنكيز خان، أُمراءٌ من المغول الذين اعتنقوا الإسلام، وعُرفت دولتهم باسم خانيَّة القبيلة الذهبيَّة أو خانيَّة مغول القفجاق، وقد تفتَّتت هذه الدولة نتيجة غزوات تيمورلنك واسعة النطاق، وكانت خانيَّة القرم إحدى الدُول الجديدة التي قامت على أنقاض القبيلة الذهبيَّة، في سنة 1449م، على يد «پير حاجي كراي». ولم يلبث أن دبَّ الوهن في جسم هذه الدولة بِفعل الصراع الداخلي على السُلطة والحُرُوب المُتواصلة ضدَّ الروس، فانتهز الجنويُّون هذه الفُرصة واستولوا على ثُغُورها: آزاق وكفَّة ومنكب وغيرها، واتَّخذوها محطَّاتٍ تجاريَّةٍ في ظلِّ تراجع نُفُوذ البنادقة، وأضحى جميع ساحل القرم الجنوبي عمليًّا بِيد التُجَّار الجنوييين ابتداء من سنة 766هـ المُوافقة لِسنة 1365م، فتبادلوا التجارة مع أوروپَّا، وصدَّروا إليها الحُبُوب والخُيُول والرصاص والأسماك، حيثُ جنوا الرِّبح الوفير. وما جرى من النُموِّ المُضطَّرد لِلدولة العُثمانيَّة في عهد مُحمَّدٍِ الفاتح وسيطرته على السواحل الجنوبيَّة لِبحر البنطس (الأسود)؛ دفعهُ إلى التمدُّد بِاتجاه الشمال لِلسيطرة على سواحله الشماليَّة لِأربعة أسبابٍ رئيسيَّة: طرد الجنويين من مُستعمراتهم، إذ أنَّ بقاء قُوَّة مسيحيَّة فيها سيُشكِّلُ مصدر تهديدٍ دائمٍ لِدولته، والسيطرة على التجارة الدُوليَّة بين القرم وأوروپَّا، وتحويل الطرق التجاريَّة إلى إسلامبول لِتمويلها بِالغلال والحُبُوب والأخشاب، وجعل بحر البنطس بُحيرة عُثمانيَّة. ويُضيف الأُستاذ مُحمَّد فريد بك المُحامي سببًا خامسًا هو رغبة السُلطان مُحمَّد بِالاستعانة بِفُرسان القرم المشهورين في القتال على مُحاربة إمارة البُغدان. وساعدت الظُرُوف السياسيَّة السُلطان الفاتح كي يُسيطر على بلاد القرم، فقد شهدت هذه البلاد صراعًا داخليًّا مريرًا بين الخان «منكلي كراي الجنكيزي» وخُصُومه، أمثال نور دولت خان وكلدي خان، وتدخَّل الجنويُّون في هذا الصراع لِلمُحافظة على مصالحهم التجاريَّة، ما أثار وُجهاء البلاد، فالتمسوا المُساعدة من السُلطان العُثماني، فعهد إلى كدك أحمد باشا القيام بِتنفيذ هذه المُهمَّة، بعد أن عيَّنهُ صدرًا أعظمًا وخلع محمود باشا من المنصب. تجهَّز أحمد باشا وسار في ثلاثمائة سفينة من الأغربة والغلايين وغيرها، ورسا قبالة كفَّة في 25 مُحرَّم 880هـ المُوافق فيه 1 حُزيران (يونيو) 1475م، ثُمَّ استولى على هذا الميناء والموانئ والثُغُور الأُخرى، مثل سوغداق ومنكب وآزاق. وأعطى أحمد باشا الأمان لِلجنويين الذين استسلموا وسلَّموا القلاع، فارحتلوا عائدين إلى بلادهم. وبِذلك يكون العُثمانيُّون قد قضوا نهائيًّا على الوُجُود الجنوي في القرم، وأضحت شواطئ هذه المنطقة تابعةً لِلدولة العُثمانيَّة مُنذُ ذلك الوقت.

ويُعدُّ فتح القرم من أهم فُتُوح السُلطان مُحمَّد الثاني بعد القُسطنطينيَّة، لِما كان لِهذه البلاد من وفرة الثروة والحُصُون المنيعة، ومن ثُمَّ سُمِّيت بِـ«القُسطنطينيَّة الصُغرى». ووافق الخان منكلي كراي على الخُضُوع لِلدولة العُثمانيَّة ودفع الخِراج، ونصَّ الاتفاق بينه وبين السُلطان مُحمَّد على أن يُعيِّن الأخير أميرًا على البلاد يكون من نسل جنكيز خان، يُذكر اسمه في الخِطبة بعد الخليفة العبَّاسي والسُلطان العُثماني، كما يُسمح بِضرب اسمه بعد اسم السُلطان على قطع النُقُود التي يسُكَّها الخان. وأسَّس العُثمانيُّون سنجقًا في كفَّة لا علاقة له بِإمارة القرم، فاكتسب الحُكم العُثماني بِذلك صفته القطعيَّة في حوض بحر البنطس، ودخل هذا البحر تحت السيادة العُثمانيَّة. وتوثَّقت عُرى الاتحاد بين العُثمانيين ومغول القرم عبر المُصاهرة، فقد تزوَّج حفيدا السُلطان: الشاهزادان سليم ومُحمَّد، بِعائشة حفصة وعائشة خاتون، ابنتا الخان منكلي كراي. كما عُيِّن الشاهزاده مُحمَّد سالف الذكر أميرًا على سنجق كفَّة، وبقي يتولَّى هذا المنصب إلى أن تُوفي سنة 1504م.

المصدر: wikipedia.org