اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد السيطرة على الشمال والوسط، التفت أكبر إلى التوسُّع باتجاه الجنوب حيثُ الممالك الإسلاميَّة الخمس التي قامت على أنقاض الدولة البهمنيَّة في الدكن، وكان يطمع دائمًا في ضمِّها إلى دولته وتوحيد الهند كُّلُّها تحت حُكمه، وهي: الدولة البيداريَّة في بيدر، والدولة القطبشاهيَّة في گُلكُندة، والدولة العادلشهايَّة في بيجافور، والدولة النظامشاهيَّة في أحمد نگر. وكانت الدُول سالِفة الذِكر في تنافُسٍ دائمٍ وعداءٍ مُستمرٍّ ما خلَّف أجواء مُناسبة لِلتدخُّل الخارجي. وكان صاحب أحمد نگر مُرتضى نظام بن حُسين شاه قد أغار على إمارة برار في سنة 980هـ المُوافقة لِسنة 1572م وضمَّها إلى مُلكه، فقويت بِذلك شوكته وأضحى يُشكِّلُ قُوَّةً خطيرة. وقامت في شمال هذه السلطنات سلطنة إسلاميَّة أُخرى هي سلطنة خاندش وعاصمتها بُرهانفور، وقد ضمَّها سُلطان الگُجرات آخيرًا، وعندما ضمَّ أكبر البلاد الأخيرة، أصبحت خاندش تابعة اسميًّا لِلمغول يدفع صاحبها الخِراج لهم. وأحاط بِهذه السلطنات الإسلاميَّة بعض الإمارات الهندوسيَّة، وفي مُقدِّمتها إمارة ڤيايانگر التي تقع في أقصى الجنوب في طرف شبه الجزيرة الهنديَّة. كانت الخُطوة الأولى على طريق الضَّم مُحاولة سياسيَّة من جانب أكبر، فأرسل في شهر شوَّال سنة 999هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) سنة 1591م، السُفراء إلى أصحاب تلك السلطنات يطلب منهم الاعتراف بِسيادته وأن يدفعوا لهُ ضريبةً سنويَّةً تعبيرًا عن هذا الاعتراف، لكنَّ هؤلاء رفضوا طلبه باستثناء صاحب خاندش، ما دفع أكبر إلى انتهاج طريق القُوَّة لِتحقيق غايته.
كانت الدولة النظامشاهيَّة، بِحُكم موقعها الجُغرافي، أُولى الدُويلات التي اصطدم بها أكبر، وساعدهُ على ذلك اضطراب أوضاعها بِسبب النزاع على السُلطة بين اثنين من المُتنافسين، هُما الأميرة «چاند بيبي» العمَّة والوصيَّة على الطفل بهادُر بن إبراهيم النظامشاهي، صاحب الحق الشرعي في حُكم الدولة، والأمير مُحمَّد خُدابنده المدعوم من الوزير «ميان منجهو»، وقد التمس هذا الأخير المُساعدة من السُلطان أكبر. أرسل أكبر جيشًا كبيرًا لِضم أراضي الدولة النظامشاهيَّة في سنة 1003هـ المُوافقة لِسنة 1595م بِقيادة ابنه مُراد والقائد عبد الرحيم خان خانان، فحاصرا المدينة وضرباها بِالمدافع، ودافعت «چاند بيبي» عن المدينة بِبسالةٍ مُلفتة، والتمست المُساعدة من الدُول الإسلاميَّة المُجاورة، فأسرع لِنجدتها كُلٌّ من إبراهيم بن طهماسب العادلشاهي سُلطان الدولة العادلشهايَّة، ومُحمَّد قُلي بن إبراهيم القُطبشاهي سُلطان الدولة القطبشاهيَّة. واستعصت الدولة العادلشهايَّة على المُهاجمين الذين بلغ الأعياء والتعب منهم، فجنحوا إلى السلم. ومن جانبها وافقت «چاند بيبي» على إحلال السلام بِسبب الإنهاك الذي بدا على جُنُودها. واتفق الطرفان على أن يأخذ أكبر برار ويحتفظ بهادُر شاه بِمدينة أحمد نگر والقُرى التابعة لها، واعترف السُلطان أكبر بِبهادُر النظامشاهي سُلطانًا على أحمد نگر، وبِذلك حالت شجاعة «چاند بيبي» دون أن يُحقق المغول نصرًا سريعًا وحاسمًا. وشهدت الدولة النظامشاهيَّة بعد ذلك خِلافات حادَّة بين الأُمراء الذين رفضوا المُعاهدة المُبرمة مع المغول وبين الأميرة «چاند بيبي»، كان من نتيجتها أن قُتلت الأميرة. وحاول المُتآمرون نقض المُعاهدة واستعادة برار، فساروا إليها على رأس خمسين ألف فارسٍ لِطرد المغول منها ما أدَّى إلى إعلان الحرب على النظامشاهيين مرَّةً ثانية. تلقَّى الأُمراء النظامشاهيين المُساعدة من سلاطين الدُويلات المُجاورة، وشكَّلوا حلفًا لِمُناهضة المغول والتصدِّي لهم. وتجاه فشل ابنه مُراد وقائده عبد الرحيم خان خانان، قرَّر أكبر إدارة العمليَّات العسكريَّة بِنفسه. واشتبك الطرفان في شهر جُمادى الآخرة 1005هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) 1097م في عدَّة معارك كانت سجالًا ولم تنتهِ إلى نتيجةٍ حاسمة. فساد الاضطراب في المُعسكر المغولي وبِخاصَّةٍ بعد وفاة مُراد، الذي كان يقود الجُيُوش، نتيجة إدمانه على شُرب الخمر، فاضطرَّ السُلطان إلى إرسالة صديقه ومُستشاره المُخلص أبا الفضل بن مُبارك الذي ذهب إلى ميدان القتال، كمال أرسل ابنه الثاني دانيال إلى المُعسكر، وذلك في سنة 1008هـ المُوافقة لِسنة 1599م.
واضطرَّ أكبر أخيرًا إلى الخُرُوج بِنفسه لِقيادة العمليَّات العسكريَّة، فترأَّس ثمانين ألف فارس وسار بهم إلى الجنوب بعد أن عهد بِأمر حُكُومته إلى ابنه سليم. وحدث في غُضُون ذلك أن انقلبت سلطنة خاندش على حُكمه وانضمَّت إلى جماعة الثائرين، وذلك بعد وفاة سُلطانها راجا علي خان وقيام ابنه ميران شاه بهادُردل بِالمُلك من بعده، وقد ناوأ المغول وامتنع عن دفع الخِراج لهم، وكانت هذه السلطنة تقع في شماليّ الدكن وتُعدُّ ممرًّا إلى الدُويلات الإسلاميَّة في الجنوب، فدخل عاصمتها بُرهانفور ثُمَّ شرع بِحصار قلعتها المشهورة والمنيعة المُسمَّاة «عسير»، في الوقت الذي حاصر ابنه دانيال مدينة أحمد نگر. ووافتهُ في غُضُون ذلك أخبار خُرُوج ابنه سليم عليه وتنصيبه سُلطانًا في مدينة الله آباد في الدوآب الأدنى، فلم يُثنه ذلك عن المضي في خطَّته. وافتقد سُكَّان أحمد نگر وجُنُودها أميرتهم «چاند بيبي» وروحها المُوجِّهة وبُطُولتها واستماتتها في الدفاع والتضحية، ولِهذا سُرعان ما هُزموا، وقُتل ألف وخُمسُمائة جُندي من الحامية أثناء الحصار، فدخل دانيال إلى المدينة وضمَّها إلى الدولة المغوليَّة، وذلك في سنة 1009هـ المُوافقة لِسنة 1600م. واسمرَّ حصار قلعة عسير مُدَّة سبعة أشهر، دافع خلالها المُحاصرون عنها بِشجاعة، ولكن أكبر لجأ إلى استقطاب بعض الأُمراء بِالمال لِإضعاف المُقاومة، كما تفشَّت الأمراض في القلعة، ووقع أميرُها ميران بهادُردل تحت تأثير الأوهام والخوف، فاستسلم لِأكبر الذي دخلها وضمَّها إلى أملاكه، وبِذلك انتهت خاندش وضُمَّت مع الدولة النظامشاهيَّة إلى مُلك المغول، ولم ينل أكبر من الدولتين القطبشاهيَّة والعادلشهايَّة، وبقيتا مُستقلَّتين، وكذلك إمارة ڤيايانگر الهندوسيَّة القابعة في أقصى جنوب الهند. وقسَّم أكبر الفُتُوح الجنوبيَّة إلى ثلاث صوبات هي: صوبة أحمد نگر وصوبة خاندش وصوبة برار، وعيَّن ابنه الشاهزاده دانيال أميرًا عليها جميعًا.