اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد فترة وجيزة من إبعاده من القصر، استطاع الحصول على منصب كاتب لدى حمو الحسن، قائد بني مطير. غادر هذا المنصب سريعا لأنه كان يعد لثورة. لقد تبخر الزرهوني من إقامة القايد حمو سنة 1901 ولم يعد أحد يسمع له خبرا. بعد ذلك الاختفاء الغامض، وقضائه فترة من الوقت في الجزائر وتونس، حيث سافر وتردد على الرباطات والزوايا وأقام في مستغانم، متتلمذا ومريدا للشيخ سيدي محمد بن عبد القادر بن عدة البوعبدلي، ثم عاد إلى المغرب الشرقي والريف .
بدأت الأخبار تتحدث عن ظهور رجل يجوب القرى والقبائل مبشرا بشيء لم يعهدوه من قبل. فأعلن أنه مولاي محمد، الابن الأكبر للسلطان الحسن الأول.
بفضل الهيبة التي تمتع بها لدى القبائل، أصبح شيخ زاوية، وأسس طريقة خاصة بأتباعه. وحسب الباحث محمد الصغير الخلوفي، فإن الطريقة التي أسسها بوحمارة شاذلية عرفت باسم الطريقة النورانية، تم نشرها بين القبائل عن طريق نشرات خاصة بخط اليد كانت توزع على نطاق واسع، والطريقة تلخيص لآراء صوفية دونت بأسلوب متواضع. قام باستعمال النهي عن المنكر وسيلة لمعارضة السلطان مولاي عبد العزيز، فقام بتركيز حملته على ضرورة محاربة الكفار الذين استقروا بالجهات الشرقية والشمالية، والذين يريدون الاستيلاء على البلاد بعد إغراقها في الديون.
فاستغل معرفته بالعلوم الشرعية وبالفقه في استمالة سكان القرى والقبائل التي كان يمر منها. بل إنه كان خبيرا أيضا في السحر والتنجيم، وبرع في مجال الخدع السحرية وقراءة حركات النجوم ومواقع الأفلاك، وهذا امتياز كبير لم يكن يحظى به الكثيرون في ذلك الوقت، وهو ما جعل الجيلالي الزرهوني يستغل مواهبه إلى أقصى حد، فصارت دعوته تلقى القبول في أطراف كبيرة من شمال المغرب، في وقت كانت السلطة المركزية غارقة في بحر من المشاكل الداخلية والخارجية التي ستودي بالمغرب لاحقا إلى أتون الحماية الأجنبية.
ركب الجيلالي الزرهوني حمارته وصار يجوب القرى والقبائل انطلاقا من ضواحي فاس ومرورا بتازة ووجدة وانتهاء بقبائل الريف وجبالة. فاتخذت السلطنة الجديدة محورا لنشاطاتها مدينة تازة ثم وجدة وأخيرا قصبة سلوان.
اختار الزرهوني منطقة شمال المغرب لأنها كانت في منزلة بين المنزلتين، فلا هي تابعة بالكامل لحكم السلطان في فاس أو مراكش، ولا هي مستقلة بالكامل عن الحكم المركزي، لكنها في كل الأحوال ظلت في منأى عن قبضة المخزن، وسكانها ميالون إلى الثورات والتمرد، وهو ما جعل بوحمارة يعتقد أن هذه المنطقة هي التربة الخصبة لنمو دعوته إلى الثورة والتمرد على السلطان. ولم تتردد هذه القبائل في مبايعته سلطانا على المغرب.
غزى بوحمارة أكثر القبائل من شرق المغرب ولما عاين قادة وشيوخ القبائل وشجعانها ما يفعله بوحمارة من القتل والتنكيل بمعارضيه أصبح منهم الناصر المنتصر له، وكان منهم من قام في وجهه وقاتل حتى قتل أو حرق دون ماله وعرضه وحريمه ومنهم ما سلك سبيل المصالحة والمسالمة. فانقسمت قبائل شرق المغرب بين "روكيين" و"محمديين". ومن أبرز ما حدث بين تلك القبائل الصراع الذي نشب بين قبيلة لمهاية بقيادة الحاج السهلي وبني فراسن التي تزعمها محمد الصغير ولد البشير، بعد أن دخل عرب لمهاية، المساندين لبوحمارة، لمدينة وجدة وطردوا عاملها عبد المالك السعدي سنة، بعد أن تغلبت على قبائل أولاد علي بن طلحة وأجبرت عامل وجدة على الفرار قاصدا الأراضي الجزائرية. فنشب صراع بين المهاية والقبائل المساندة للسلطان ومنهم بني يزناسن. وعلى إثرها قام السلطان الحسن الأول بإرسال شريف وزان مولاي عبد السلام رئيس زاوية مولاي الطيب لفك النزاع بين المهاية وأهل أنكاد.
عندما أحس الزرهوني باشتداد عوده، انتقل إلى المرحلة الأكثر أهمية في ثورته، حين زعم أنه الابن البكر للسلطان الراحل الحسن الأول، مولاي محمد، وأدلى لمن يشك في ذلك بوثائق تثبت نسبه.
تحول الجيلالي بوحمارة من مجرد ثائر ومتمرد إلى سلطان، وهذا ما حوّله إلى ظاهرة حقيقية، خصوصا وأنه استغل جيدا علمه بالواقع السياسي المغربي حين زعم أنه مولاي محمد ابن الحسن الأول، في الوقت الذي كان مولاي محمد الحقيقي سجينا لدى أخيه السلطان مولاي عبد العزيز. هكذا كانت المعلومة في يد الزرهوني قوة حقيقية. كان يعرف أن ادعاءه بنوة السلطان الراحل لن يشكك فيها أحد لأن السلطان الأب مات، والابن البكر الحقيقي مسجون، والسلطان عبد العزيز غارق حتى الأذن في لعبه وملذاته وملاهيه التافهة. كما أن أغلب المغاربة كانوا بعيدين عما يجري في دواليب البلاطات. إنها الثورة المناسبة في الوقت المناسب.
أراد بوحمارة أن يستن بسنة من تقدمه من الملوك من التزوج ببنات كبار القواد ولتوثيق الصلة والعلاقة بينهم. وقد علم أن القائد حمادة، أحد زعماء قبيلة بني بوزڭو، كانت بنته زوجة للمولى الحسن الأول، فبعث إليه يخطب بنتا له. ولما أهديت له ورآها امتنع من اتخاذها زوجة، ولما بلغت كلمته القائد حمادة رأى أن هذه إهانة ومساومة فاضحة في حريمه، ولكنه كظم غيظه إلى حين، ارسل إلى بوحمارة قوله: إن المولى الحسن كان قد بعث من يختار له من عريفاته ووزرائه، فابعثوا أنتم كذلك من يتولى ذلك الأمر. فقبل بوحمارة هذا الجواب، واتفق الطرفان على يوم معين للحضور بقصبة القائد ببني بوزكو. ثم بعث القائد حمادة إلى عامل وجدة وجيش المخزن المتواجد هناك طالبا من قادته أن يبعثوا إليه بمائة بغل مجهزة للرحيل ومعها من يصلح شأنها، ولا بد أنه كشف لهم عن الخطة التي نصبها وهيأها للقضاء على أنصار بوحمارة. ولذلك لا بد من الرحيل العاجل من بني بوزكو والانضمام إلى جيش المخزن بوجدة وضواحيها. وهي المدينة التي ستسقط لاحقا في يد قبيلة لمهاية، أنصار بوحمارة.
ولما وصل قادة بوحمارة إلى بني بوزكو قابلهم واستضافهم، وفي المساء وبعد استراحة القوم، أمر القائد حمادة بإحضار كسوة جديدة لكل واحد من أولئك الأكابر وطلب منهم أن يبادروا إلى دخول الحمام للاستراحة أكثر وارتداء اللباس الجديد. وكان قبل ذلك قد درس وناقش خطة المذبحة وقطع الرؤوس مع إخوانه وأقاربه وعبيده ومن يهمهم الأمر، وجعل القضاء على الأكابر والقادة واحدا واحدا أول شيء، وبعد الانتهاء من ذبحهم يطلق رصاصة في الهواء إيذانا بذبح الباقين ببيوت إخوانه وأقاربه. راح ضحيتها ما يقرب من سبعين شخصا.
تكون جيش بوحمارة من أربعة عشر قبيلة، منها قبيلة تمسمان وبني توزين وبني وليشك وبني سعيد وتفرسيت وامطالسة وبني سيدال وبني بوغافر وبني شيكر ومزوجة وبني بويفرور. كما أن الحرب التي واجهت المخزن كنتيجة لتمرد بوحمارة ساهمت في إضعاف الدولة، وإفراغ الخزينة.
أصبح بوحمارة السلطان الشرعي لجزء من البلاد، وهكذا أصبح الاسم الذي ينادى به مزيجا من الازدراء والإعجاب، بين بوحمارة ومولاي محمد. بعد ذلك سن بوحمارة ظهائر سلطانية وأسس عددا من الوزارات.
بعد أن تحول بوحمارة إلى قوة ضاربة، استطاع أن يوقع هزيمة مرة بجيش السلطان سنة 1902، أي بعد سنة واحدة فقط بعد بدء تمرده على المخزن. ومما أعطى انتصار بوحمارة وهجه وزاد في شهرته بين القبائل، هو أن جيش السلطان كان يقوده الأخ الأصغر لمولاي عبد العزيز، المعروف باسم مولاي لكبير، وهو المنصب الذي تولاه شقيق السلطان برغبة شخصية من مولاي عبد العزيز، ليس لأنه خبير في الحروب أو ضليع في أمور الجيش، بل لأن هذا المنصب يوفر لصاحبه الكثير من الامتيازات، ليس أولها الاستفادة من الميزانية التي تخصص للجيش، وليس آخرها التلاعب في المصاريف وتحويلها إلى الحسابات الخاصة. إنها واحدة من الظواهر التي عجلت، ليس فقط بالسقوط في براثن الفتنة الداخلية، بل أيضا بتحويل المغرب إلى لقمة سائغة في أفواه البلدان الأوروبية المتربصة به.