اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
معركة ستالينغراد هي إحدى أهم المعارك الكبرى والفاصلة التي شهدتها الحرب العالمية الثانية. جرت في مدينة ستالينغراد (فولغوغراد اليوم) خلال الحملة العسكرية الألمانية على الاتحاد السوفياتي، واستمرت حوالي 6 أشهر بين 21 أغسطس 1942 و 2 فبراير 1943.
بدأ الهجوم على ستالينغراد في صيف 1942، حيث سبق سلاح الجو الألماني وصول القوات البرية منفذا حملات قصف جوي عنيف ومتواصل حولت المدينة إلى أنقاض وأطلال. لكن ذلك انعكس بعدها سلبا على الجيش الألماني وأرغمه على التخلي عن تكتيكه الناجح الـ"Blitzkrieg" أو حرب البرق الذي يعتمد بصفة كبيرة على سلاح الدبابات والهجمات السريعة الخاطفة، ليجد نفسه غارقا في حرب مدن من بيت لبيت ومن شارع لشارع.
داخل المدينة احتدم القتال العنيف بين الفيرماخت والجيش الأحمر، وسط قلة اعتبار لسقوط الضحايا سواء عسكريين أومدنيين، فقد أعطى اسم "ستالينغراد" للمعركة أهمية بالغة واستثنائية عند كل من جوزيف ستالين الذي تحمل المدينة اسمه ونظيره الألماني أدولف هتلر، فكان من المستحيل أن يقبلا الخسارة فيها مهما كلفهما الأمر. على الرغم من تمكن الألمان من إخضاع كامل المدينة تقريبا بعد مقاومة شديدة واجهوها من السوفيات، إلا أنهم فشلوا في كسر آخر الخطوط الدفاعية للجيش الأحمر الذي تمسكت قواته بالضفة الغربية لنهر الفولغا.
في 19 نوفمبر 1942، بدأ السوفيات حملة عسكرية أطلقوا عليها «عملية أورانوس». شن الجيش الأحمر هجومين متزامنين ضد مواقع القوات الرومانية التي تحمي الجناحين الأيمن والأيسر للجيش السادس الألماني المتواجد داخل المدينة. كانت هذه القوات ضعيفة مقارنة بنظيرتها الألمانية فانهارت بسرعة بعد معارك عنيفة مع السوفيات الذين تمكنوا في 23 نوفمبر من محاصرة وتطويق حوالي 250,000 من قوات الجيش السادس والفيلق 4 التابع للجيش الرابع بانزر داخل المدينة. بحلول الشتاء، ومع تواصل الحصار بدأت المقاومة الألمانية تضعف، فقد تسبب البرد والجوع في إنهاك الجنود، وتعطلت الآليات والمدرعات لقلة الوقود، إضافة إلى نقص الذخيرة، في وقت اشتدت الهجمات السوفياتية التي تريد إنهاء وجودهم. ازداد الأمر سوءا برفض هتلر قيام الجيش السادس بكسر الحصار والخروج من ستالينغراد حيث أمرهم بالبقاء مهما كلفهم الثمن مع ضمان مواصلة تزويدهم بالإمدادات عن طريق جسر جوي، وقيام القوات الأخرى بهجوم مضاد لكسر الحصار وتوحيد القوات. لكن ذلك لم ينجح بعدما فشل الهجوم الألماني المضاد «عملية عاصفة الشتاء» في الوصول إلى ستالينغراد، وعجزت عمليات التموين بالجو عن نقل كميات كافية من المؤن والذخيرة لتغطية حاجيات الجيش، ثم توقفت كلياً بعد احتلال الجيش الأحمر للمطارات التي تستعملها القوات الألمانية سواء التي داخل المدينة أو القريبة منها. قاد كل ذلك للانهيار التام للجيش الألماني السادس الذي اضطر قائده فريدريك باولوس للاستسلام في 2 فبراير 1943 ومعه أغلب قوات الجيش السادس رغم مواصلة البعض الآخر القتال إلى أن تمت تصفيتهم .
بلغت الخسائر البشرية في معركة ستالينغراد حوالي 2 مليون ضحية، ما يصنفها كإحدى أكبر المعارك دموية في تاريخ الحروب. الجيش الألماني تعرض لثاني أكبر خسارة له في الحرب العالمية الثانية، والتي كان لها الدور الأكبر في تحول مجرى الحرب العالمية الثانية فلم يستعد النازيون قوتهم السابقة ولم يحققوا بعدها أي انتصار استراتيجي في الشرق.
يمكن تلخيص المعركة في ثلاثة فصول وهي :
قام هتلر بتعيين الماريشال الميداني إريش فون مانشتاين لقيادة مجموعة جيوش الدون التي أسست حديثا للدفاع عن خط الجبهة الواقع بين مجموعتي الجيوش «أ» و «ب». وشملت كل من الجيش الرابع بانزر، الجيش السادس المحصار، إضافة إلى ما تبقى من الجيشين الرومانيين الثالث والرابع.
قام الجنرال ریشتهوفن، بإبلاغ مانشتاين في 27 نوفمبر عن قدرة النقل الصغيرة لدى "لوفتفافه" واستحالة الإمداد الجوي بـ 300 طن يوميا. مانشتاين الذي رأى الآن الصعوبات التقنية الهائلة للإمداد الجوي على هذا الحجم، قام في اليوم الموالي بإعداد تقرير حالة من 6 صفحات لهيئة الأركان. وصرح مستندا إلى معلومات الخبير ریشتهوفن أنه بعكس ماوقع في جيب ديميانسك، الإمداد الجوي المستمر سيكون مستحيلا. وإذا ما تم ربط ممر إمدادات حتى ولو كان ضيقا مع الجيش السادس، اقترح مانشتاين أن يتم استعماله لسحب الجيش خارج الحصار. كان مانشتاين يعلم حجم التضحية المعنوية الشديدة للتخلي عن ستالينغراد وما يعنيه ذلك، لكنها ستكون أسهل على التحمل مع احتفاظ الألمان بقوة الجيش السادس في المعركة واستعادتهم زمام المبادرة. لكن هتلر أيد مخطط غورينغ وكرر أمره «لا استسلام» لجيشه المحاصر.
بعد عجز "لوفتفافه" عن إمداد الجيش السادس بكافة حاجياته جوا، رأى مانشتاين أنه ينبغي تحريرهم "في أقرب وقت ممكن"، واقترح مخططا لكسر الطوق السوفياتي على ستاليغراد وأعطاه الاسم الترميزي (Unternehmen Wintergewitter) أو عملية عاصفة الشتاء. بتاريخ 28 نوفمبر، أرسل مانشتاين إلى هتلر تقريرا مفصلا لوضعية مجموعة جيوش الدون، يشتمل حالة الجيش السادس مع تقديرات الذخيرة المتوفرة للمدفعية الألمانية.
العملية في البداية كان مبرمجا أن يشارك فيها كل من الجيش الرابع بانزر الذي تقرر دعمه بفيلق البانزر 57 من مجموعة الجيوش «أ» والمكون من فرقتي البانزر 6 و 23، ومعه جيش هوليدت المكون من 3 فرق مشاة وفرقتي البانزر 11 و 22 (تشكلان فيلق البانزر 48). كان متوقعا أن يشارك بالعملية 4 فرق مشاة، 4 فرق بانزر و3 فرق لوفتفافه ميدانية وكان الهدف منها فتح ممر يصل إلى الجيش السادس. فرقة البانزر 11 كانت واحدة من أحسن الفرق المدرعة في الجبهة الشرقية فقد تم سحبها من احتياطي الجيش الألماني، كما كانت فرقة البانزر 6 كاملة التجهيز فقد تم استقدامها من فرنسا ووضعت تحت قيادة مانشتاين. بينما كانت فرق لوفتفافه مكونة من جنود وضباط جدد ضعيفي التدريب عديمي الخبرة ومرهقين من طول الفترة. الهجوم السوفياتي في منطقة أسفل نهر تشير جعل مانشتاين يعدل عن الهجوم بجيش هولديت ويبقيه للدفاع عن خط الجبهة هناك، وقرر أن يقوم بالعملية بواسطة الجيش الرابع بانزر فقط آملا في مشاركة الجيش السادس فيها بأن يحاول كسر الحصار والهجوم جنوبا نحو القوات المتوجهة إليه. لذلك راسل يوم 10 ديسمبر فريدريك باولوس قائد الجيش السادس مخبرا إياه أن الهجوم الألماني سيتم بعد 24 ساعة.
يوم 12 ديسمبر، بدأ الجيش الرابع بانزر هجومه الشمالي الشرقي بفرقتين فقط محققا تقدما سريعا حتى أن بعض وحداته حققت تقدما وصل إلى 50 كلم في اليوم الأول بعدما واجهتهم مقاومة ضعيفة من فرق البنادق السوفياتية. في يوم 13 ديسمبر عبرت الفرق الألمانية نهر أكساي متوجهة صوب قرية "فركين-كومسكي" التي خاضت فيها فرقة البانزر 6 معركة دبابات كبيرة ضد الفيلقين السوفياتيين الـ4 والـ13، ولم تتمكن القوات الألمانية من احتلالها إلا بعد 3 أيام بعد الدعم الجوي القوي الذي حصلوا عليه من طائرات لوفتفافه. تلقى السوفيات خسائر فادحة اضطرتهم للانسحاب أخيرا، في حين تلقت فرقة البانزر 6 خسائر مؤثرة. لكن التقدم الألماني استمر، وبدأ الجيش الرابع التوجه بعدها إلى نواحي نهر ميشكوفا.
السوفيات الذين حشدوا 1.1 مليون جندي في منطقة ستاليغراد وما حولها، كانوا يعدون لهجوم معاكس كبير أطلق عليه اسم «عملية زحل»، الهدف منه محاصرة مجموعة الجيوش «أ» في القوقاز وتدميرها، لكن تهديد التقدم الألماني السريع دفعهم إلى تغيير خطتهم وتأخير بدايتها مع تقليص أهدافها فصارت الخطة المعدلة «عملية زحل الصغير» تستهدف تدمير الجيش الثامن الإيطالي الذي يحمي الجناح الأيسر لمجموعة جيوش الدون ومن ثمة مهاجمتها من الخلف. بعد ذلك سمح ستالين بسحب جيش الحرس الثاني (2nd Guards Army) الذي كان سيشارك في الخطة الأولى من جبهة الدون إلى جبهة ستالينغراد ونشره عبر نهر ميشكوفا لإيقاف الألمان.
بتاريخ 16 ديسمبر، 3 جيوش سوفياتية: جيش الحرس الأول، جيش الحرس الثالث، الجيش السادس شنوا «عملية زحل الصغير» مهاجمين الجيش الثامن الإيطالي الذي ورغم المقاومة الشديدة لجنوده، تمكن السوفيات من تجاوزهم يوم 18 ديسمبر. الاختراق السوفياتي ورغم توقيفه، إلا أنه صار يشكل تهديدا للجناح الأيسر لمجموعة جيوش الدون، زيادة على وجود مدينة روستوف تحت تهديد هجوم جيش الحرس الثالث السوفياتي (3rd Guards Army) وما رافق الهجوم الألماني من خسائر كل ذلك أجبر مانشتاين على إعادة التفكير في استكماله للعملية. قائد مجموعة الدون وجد أنه في حالة استكماله الهجوم لن يتمكن من الدفاع عن جناحه الأيسر ومواصلة التقدم في نفس الوقت. ورغم تمكن فرقة البانزر 6 من عبور نهر ميشكوفا يوم 19 ديسمبر، إلا أن الجيش الرابع بانزر لم يتمكن من تحقيق مزيد من التقدم أمام المقاومة السوفياتية المتزايدة ما جعله منشغلا بمعارك دفاعية أكثر من الهجوم لإحكام خط الجبهة في انتظار موافقة هتلر وباولوس على قيام الجيش السادس بكسر الحصار والتحرك جنوبا صوبه.
يوم 23 ديسمبر، أمر مانشتاين فيلق البانزر 48 الذي كان يدافع عن جبهة نهر تشير بالتوجه لإحكام خط دفاع الجناح الأيسر المهدد بالانهيار أمام الهجوم السوفياتي وتوجيه الفرقة البانزر 6 لإحكام جبهة نهر تشير مكانه، ومع استمرار رفض هتلر لأي عملية كسر للحصار من قبل الجيش السادس ورفض حتى باولوس لها نظار لحالة جيشه التي لا تسمح بالقيام بالانسحاب، ومع عدم القدرة على الاستمرار في مواصلة الهجوم، قاد كل ذلك مانشتاين لإنهاء «عملية عاصفة الشتاء» وسحب كل قواته يوم 24 ديسمبر نحو نقطة انطلاقها.
ترافق فشل «عملية عاصفة الشتاء» في فتح ممر للجيش السادس مع فشل عملية الإمداد الجوي. ظروف جوية مرعبة، أعطال تقنية، كثافة نيران المضادات الأرضية والمقاتلات الاعتراضية السوفياتية، قاد ذلك إلى خسارة 488 طائرة ألمانية. فشلت "لوفتفافه" حتى في بلوغ الحجم اليومي الأدنى (106 طن) الذي وفرت الطائرات لأجله، كان متوسط الحجم الذي كان يسلم يوميا 85 طن. أنجح يوم كان 19 ديسمبر، سلمت فيه 262 طن من الإمدادات بعد 154 طلعة جوية. في بعض الأحيان كانت الإمدادات عديمة الجدوى، فقد وصلت طائرة محملة بـ 20 طن من الفودكا والألبسة الصيفية، أخرى وصلت محملة بالفلفل الأسود وتوابل المردقوش. الطائرات التي كانت تحط بسلامة كانت تقوم بإخلاء الفنيين المتخصصين، المرضى والجرحى من الحصار، تختلف المصادر في عدد الذين تم إخلائهم حيث يبلغ ما بين 25,000 إلى 30,000 بينما ذكر الكاتب الأ