اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد إخلاء مصر للسودان عقد اندلاع الثورة المهدية في 8 يناير 1884م ، دخلت قوات المهدي حاميات كسلا وأميدبت وسنهيت، وقطعت عنها الاتصال بالخرطوم.
ووجدت الحكومة الإنجليزية وقتها أفضل السبل لإنقاذ القوات المصرية في شرق السودان، وهو الاتفاق مع يوحنس الرابع إمبراطور الحبشة على تقديم العون العسكرى لانسحاب تلك القوات عن طريق الحبشة، مقابل الاعتراف له بكل المطالب الإقليمية التي كانت مثار نزاع بينه وبين خديوي مصر، أى أن بريطانيا «ضغطت» على مصر لقبول التنازل عن بعض ممتلكاتها للحبشة نظير مساعدتها للقوات المصرية، التي كانت مرابضة شرق السودان، ومثلما نجحت بريطانيا في إرغام مصر على قبول الجلاء عن السودان، تمكنت أيضا من اقتطاع أجزاء من ممتلكات مصر في السودان الشرقى ومنحها للحبشة.
توضح الوثائق توضح أنه في 3 يونيو سنة 1884م تمكنت الأطراف الثلاثة مصر وإنجلترة والحبشة (إثيوبيا) من عقد معاهدة عدوة (وليام هيوت)، التي وقعها عن الجانب الإنجليزى الأدميرال وليام هيوت قائد الجيش الإنجليزي في الشرق الأوسط والهند، وعن الجانب المصرى مازون باشا محافظ مصوع، وعن الجانب الإثيوبي يوحنس الرابع نفسه، وهي المعاهدة التي نصت في مادتها الأولى على السماح للحبشة، بعد توقيع الاتفاق، بمباشرة أعمالها التجارية عن طريق ميناء مصوع عبر الأراضى المصرية، بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والذخائر.
ونصت المادة الثانية على أنه بدءًا من الأول من سبتمبر عام 1884م ترد مصر إلى الحبشة بلاد بوغوص، وعند جلاء القوات المصرية عن كسلا وإميديب وسنهيت تؤول ملكيتها بما فيها من منشآت ومبان مصرية، وبما تشتمل عليه من مهمات وذخائر إلى ملك الحبشة، فيما تعهد ملك الحبشة في المادة الثالثة بتقديم جميع التسهيلات الممكنة للقوات المصرية في انسحابها من كسلا وإميديب وسنهيت عبر الحدود الحبشية لتعود إلى مصوع المصرية، في حين نصت المادة الرابعة على أن يتعهد خديوي مصر بأن يمنح ملك الحبشة جميع التسهيلات اللازمة فيما يختص بتعيين رجال الدين القساوسة في الحبشة.
وتنص المادة الخامسة من الاتفاقية على أن يتعهد الطرفان، المصرى والحبشي، بتبادل تسليم المجرمين الفارين من العدالة، في حين أوصت المادة السادسة بأنه في حال حدوث خلاف بين خديو مصر وملك الحبشة بعد التصديق على هذه المعاهدة، يقبل الطرفان بتحكيم ملكة إنجلترا.
بنهاية القرن التاسع عشر بدأت إنجلترا تنظر بعين الارتياب لمحاولة بعض الدول الأوروبية التسلل إلى شرق أفريقيا والتقدم صوب أعالى النيل، على حساب الممتلكات المصرية السابقة في السودان، وما جاوره، ولتهديد أمن مصر المائى، خاصة أن إنجلترا كانت تعتبر إخلاء مصر للسودان عملاً مؤقتاً لتستطيع الأولى تكوين جيش قوى لاستعادة السودان من جديد، وفي نفس الوقت فإن التمسك بهذا المنظور يفيد إنجلترا في وضع يدها على السودان باسم مصر.
في المقابل كانت منطقة أعالى النيل على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة لمشروعات إنجلترا التوسعية في أفريقيا التي كانت تحلم بخلق إمبراطورية تمتد من سواحل البحر المتوسط شمالاً وصولاً إلى مدينة الكاب جنوباً، لتشطر القارة الأفريقية إلى شطرين، إلا أن هذه الأحلام اصطدمت بالمعارضة الفرنسية للاحتلال البريطانى لمصر، وكانت إنجلترا تخشى أن تؤدى معارضة فرنسا إلى مهاجمتها لمنطقة أعالى النيل وتهديد مصر، ولهذا حرصت إنجلترا على الإسراع بمنع الوصول الفرنسى إلى تلك المنطقة، وفي نفس الوقت كان لزاماً على إنجلترا أن تحول بين إيطاليا والحبشة وألمانيا وبين الوصول إلى أعالى النيل بعد وضوح رغبة هذه الدول في السيطرة عليه للتحكم في مخصصات مصر المائية.
ووفق الوثائق حاولت إنجلترا استرضاء إيطاليا التي عارضت هي الأخرى الاحتلال البريطانى لمصر دون أن يكون لها نصيب في تلك «الغنيمة»، وعندما أبدت إيطاليا اهتماما كبيرا بميناء عصب بعد أن اشترته من الشركة الإيطالية عام 1882، وأرادت أن تتخذ منه منفذا لها على مياه البحر الأحمر، وجدت إنجلترا أنه من الحكمة تشجيع إيطاليا على فتح مجال لتوسعاتها في المنطقة، فوقعت اتفاقاً معها عام 1885 أعطت بموجبه الأخيرة ميناء مصوع المصرى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إنه باحتلال إيطاليا للميناء المصرى، أوقفت مرور السلاح إلى يوحنا ملك الحبشة، وسمحت بإرساله لعدوه «منليك» ملك شوا.
بهذا الإجراء خيبت إنجلترا آمال إثيوبيا ونقضت معاهدة عدوة، فاحتلت إيطاليا عدوة، ورآها ملك الحبشة فرصة مناسبة حيث نازل القوات الإيطالية في موقعة عدوة في الأول من مايو 1896، وأرغمها على توقيع معاهدة أديس أبابا مع الملك منليك في 26 أكتوبر من نفس العام، التي اعترفت فيها إيطاليا باستقلال الحبشة وتحديد الحدود بينها وبين إرتريا.