اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قررت اتفاقية الجزيرة الخضراء الموقعة في 1906 أولوية فرنسا في المغرب أمام الدول الأوروبية الأخرى وشملت الوثيقة ثلاثة بنود أثرت على الدار البيضاء مباشرة وهي: أن يسيطر الضباط الفرنسيون على التدابير في دار الجمارك ويستحوذون الردود كضمان رهني للقروض التي أعطتها فرنسا، وأن تضطلع الشركة المغربية بمسؤولية تطوير ميناء الدار البيضاء، وأن يجهز الفرنسيون والإسبانيون قوة شرطة لمراقبة الميناء.
في أبريل 1907 شرعت هذه الشركة في الأشغال التمهيدية لبناء الميناء وذلك بمد خط حديدي فانتهكت حرمة مقبرة سيدي بليوط مما أثار حفيظة السكان خاصة مع استيائهم من ضغوط الجباة الفرنسيين، وهذا أدى إلى عصيان في الدار البيضاء قادها الحاج حمو عمت بعد ذلك الشاوية فطالب المتمردون من ممثل المخزن في الدار البيضاء الباشا بوبكر بن بوزيد السلاوي بإيقاف الأشغال دون جدوى وفي يوليو قُتل على يد عصابة من رجال قبائل الشاوية 9 عمال أوروبيون يعملون في الشركة المغربية المكلفة بالأشغال التمهيدية للميناء وهو ما دفع الفرنسيين إلى قصف الدار البيضاء يوم 5-7 أغسطس وإنزال 200 ألف جندي بالمدينة، ما يعد نقطة بداية الغزو الفرنسي للمغرب.
بعد فرض الحماية في مارس 1912 استمرت أعمال بناء الميناء بتوجيه وإشراف المقيم العام الجنرال ليوطي وهو ما شكل منعطفا مهما في تاريخ المدينة إذ أدى إنشاؤه إلى تطور الدار البيضاء اقتصاديا واجتماعيا ومجاليا لتصبح بعد ذلك أكبر مركز حضري بالمغرب. كلف المهندس المدني هنري بروست بتخطيط الدار البيضاء وهي تتوسع كعاصمة استعمارية. بنيت مدينة أوروبية بجانب المدينة القديمة التي أسسها محمد الثالث بن عبد الله في القرن الثامن عشر وسميت ville nouvelle (مدينة جديدة)، والساحة بينهما التي كانت مقام السوق الكبير أصبحت "ساحة فرنسا" وهي ساحة الأمم المتحدة الآن.
إن اختيار الدار البيضاء لاحتضان أكبر ميناء في المغرب لم يكن وليد الصدفة ولكنه ارتبط بعدة دوافع منها موقع المدينة في قلب المناطق الفلاحية الغنية [الشاوية ودكالة] وفي مكان يسهل إقامة الشبكة الطرق والسكك الحديدية لنقل الحبوب والحوامض، وكذا الفوسفات من مناجم خريبكة التي شرع في استغلالها مع بداية العشرينيات من القرن السابق. وهكذا أصبحت الدار البيضاء هي الحلقة الواصلة بينالمتروبول فرنسا والمغرب فعبرها كانت تصدر المواد الأولية ويصل فائض الإنتاج الصناعي الفرنسي ليوزع في المغرب، وهذا ما جعل النشاط الاقتصادي للمدينة يتطور في اتجاه إفادة شركات السمسرة والمبادلات، وشركات إقامة البنيات التحتية من طرق وسكك حديدية وشركات للنقل والخدمات، أما النشاط الصناعي فكان ضعيفا يركز على صناعات استهـلاكية كالنـسيج وصناعات غذائية وبعض الصناعات الكيماوية الخفيفة، وكل هذا لتوفير الحاجات الضرورية للمعمرين. هذه الوضعية تغيرت قليلا خلال الحرب العالمية الثانية حيث اضطر بعض أصحاب رؤوس الأموال لمغادرة فرنسا، والاستقرار بالمغرب لإقامة بعض الصناعات الكيماوية والميكانيكية في الدار البيضاء خصوصا، لكن هذا لم يمنع المدينة من الاستمرار في لعب دور الوسيط الذي حدد لها سلفا، والدليل علـى ذلك أن أكبر المؤسسات كانت بنكية ومالية، مثل بنـك "الاتحاد باريسي" و" بنك باريس والأراضي منخفضة "التي استثمرت في قطاعات استغلال منـاجم والنقل والصـنـاعات الاستهلاكية وقد أدى هذا التطور الاقتصـادي الذي شهدته الدارالبيضاء إلى توافد أعداد من المهاجرين من الشاوية ودكالة تم بعد ذلك من مختلف أنحاء المغرب.
استمر التطور العشوائي للمدينة إلى حدود الثمانينات من القرن السابق حيث أنشأت الوكالة الحضرية ووضع تصميم مديري للمدينة، وخلال هذا العقد أيضا وبالضبط سنة 1987 وضع الملك الراحل الحسن الثاني حجر الأساس لبناء المعلمة الكبرى مسجد الحسن الثاني الذي أعطى للمدينة مكانة روحية على الصعيد العالمي، باعتبار حجمه وضخامة بنايته وما يتضمنه من معالم للفن المعماري المغربي الأصيل وكذا باعتبار موقعه المتميز فجزء مهم من هذه المعلمة بني فوق البحر ويمكن لهذا المسجد أن يحتضن 25 ألف مصليا فضلا عن 80 ألف آخرين يمكن أن تضمها ساحته. وبجانب هذا المسجد العظيم بنيت المدرسة القرآنية التي شرع العمل بها في يناير 1995 واستقبلت نخبة من أجود الطلبة الذين تم اختيارهم بعد إجراء مباراة، وتلقن في هذه المؤسسة الفتية العلوم الشرعية من فقه، وحديث، وتفسير، وأصول، وعلوم الآلة وكذا العلوم العصرية من رياضيات واجتماعيات وعلوم طبيعية إضافة إلى اللغات الحية أي الفرنسية والإنجليزية. ومع توالي السنين بدأت هذه المدرسة تشق طريقها على الدرب الذي سارت عليه المدارس العتيقة مثل القرويين حيث أصبحت تضم أقساما في مختلف أطوار التعليم من الابتدائي إلى النهائي ففي الموسم الماضي فتح الطور النهائي بالمؤسسة وفاء لروح مؤسسها مولاي الحسن الثاني وهذا ما سيعطي للدار البيضاء إشعاعا علميا مع تخرج أول فوج من المدرسة في الموسم الدراسي المقبل بإذن الله تعالى.
فالدار البيضاء مدينة قديمة تاريخيا لكن دورها برز خلال القرن العشرين حيث أصبحت مركزا اقتصاديا مهما، ومع تأسيس المعلمة الكبرى- مسجد الحسن الثاني- أصبح لها إشعاع روحي وعلمي لا على الصعيد الوطني فحسب بل على صعيد العالمي الإسلامي. ومن أهم المواقع الأثرية التي تضمها المدينة: • موقع "ليساسفة" يتراوح تاريخه ما بين 5 و6 ملايين سنة. • موقع "أهل الغلام" يعود تاريخه إلى حوالي مليونين وخمسمائة ألف سنة، وقد وجدت بهذا الموقع بقايا حيوان "الهيباريون"، وهو جد الحصان الحالي. • مواقع "أولاد حميدة" تتضمن مواقع عديدة من أهمها: - موقع "طوما 1" والذي يشهد على بداية استيطان الإنسان للمنطقة منذ حوالي مليون سنة.