اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تحوَّلت مدينة إشبيلية في عصر بني عبَّاد إلى مركز علمي وحضاري قوي، فبرز فيها الفلكيون والشعراء والفلاسفة، وبات العلماء والأدباء يتوافدون إليها من مختلف أنحاء الأندلس لتقديم أنفسهم للمعتضد والمعتمد، وكان الأكثر حظاً من هؤلاء هم الشعراء، ومن أشهرهم ابن عمار وابن زيدون، وأما الأدباء فمن أبرزهم ابن حزم الأندلسي.
شهد عهد بني عبَّاد نهضة حضارية كبيرة في إشبيلية والمدن الأخرى التي حكموها، خصوصاً بالنسبة للشعر والأدب، حيث باتت إشبيلية قبلة للشعراء والأدباء يفدون إليها من أنحاء الأندلس، وظهر ونبغ الكثير من الشعراء المشهورين في تاريخ الأندلس خلال عهد بني عباد، ومن أبرزهم أبو بكر ابن عمار وابن زيدون وابن حمديس الصقلي وابن اللبانة وابن وهبون، كما كان المعتضد وابنه المعتمد وزوجته اعتماد الرميكية شعراء أيضاً. وقد عُرِفَ المعتمد وبنو عبَّاد بصورةٍ عامة بعلمهم وأدبهم، واهتمامهم الكبير بالعلماء والأدباء والشعراء خلال حكمهم إشبيلية وقرطبة، وإغداقهم الأموال والمكافآت على البارعين منهم. بل ويقال أن المعتمد لم يكن ينصّب كاتباً أو وزيراً ما لم يكن شاعراً. وقد كانت للمعتمد علاقة وثيقة بالكثير من هؤلاء الشعراء، ومن أبرزهم ابن عمار وابن زيدون. وكان يستخدم أحياناً كثيرة الشعر في مراسلاته معهم، أو يقوم بالتنافس معهم في سرعة تأليف أبيات الشعر.
ازدهرت مدينة إشبيلية في عصر بني عبَّاد لتحلَّ محل قرطبة، حتى باتت أكثر مدن الأندلس سكاناً، واجتازت قرطبة في حجمها وغناها واقتصادها حتى اثترت، وسمح ثراؤها الكبير لملوك بني عبَّاد بحياة البذخ والترف التي عاشوها. فبطبيعة الحال كان موقع المدينة وريفها على نهر الوادي الكبير يجعلها أفضل مناطق الأندلس زراعياً، واشتهرت بساتين الزيتون التي انتشرت بها في عصر بني عبَّاد بجميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط، وأما نبات البهشية الذي انتشر على الجروف المحيطة بإشبيلية فقد كان موطن الدودة القرمزية التي استعملها العرب لإنتاج صبغٍ قرمزي كان الطلب عليه كبيراً في الأندلس. وفضلاً عن ذلك، فإنَّ المنطقة كانت غنية بالمعادن الثمينة، واشتهرت المدينة بصناعة الأدوات الموسيقية وإفريزات الساعات الميكانيكية. ساهمت كلُّ هذه العوامل بازدهار اقتصاد إشبيلية طوال عصر بني عبَّاد، حتى بات عهد المعتضد وابنه المعتمد ذروة عصر ملوك الطوائف بالمدينة.
عُثِرَ على العديد من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية التي تعود إلى عصر بني عبَّاد، من حقبتي المعتضد وابنه المعتمد. نقش على وجه بعضها "الحاجب/عضد الدولة" وعلى جانبها الآخر "المعتضد بالله"، وعلى بعضها الآخر "مدينة إشبيلية 464 هـ" (من عهد المعتمد). ومن بين ما عثر عليه من حقبة بني عبَّاد دينار ذهبي من قرطبة، سُكَّ عام 467 هـ (1074 أو 1075م)، ونُقِشَ عليه لقبا الظافر والمُوفَّق، مما يشير إلى أنه سك في عهد عبَّاد سراج الدولة بن المعتمد قبل فترةٍ قصيرةٍ من مقتله ووقوع قرطبة في يد ابن عكاشة، وهذا يعني أن بني عبَّاد كانوا يسكُّون نقوداً خاصة بهم. وحسبما يظهر من مجموعةٍ أخرى من الدنانير التي اكتشفت، فقد بدأ سكُّ العملة في قرطبة مجدداً عام 469 هـ (1076 أو 1777م) بعد عودتها إلى أيدي بني عباد، إلا أنَّ اسم سراج الدولة المقتول استبدل الآن باسم أخيه عضد الدولة، وكذلك وجدت دنانير أخرى سك عليها اسم الفتح بن المعتمد الملُقَّب بالمأمون.
كان المسجد الجامع بالمدينة أيام بني عبَّاد هو نفس المسجد الذي بناه عبد الرحمن الأوسط، المعروف باسم مسجد ابن الدبَّاس، وقد بُنِيت مكانه اليوم كنيسة السلفادور، وقامت بجانب هذا المسجد منطقة هامة من الأسواق ومحالّ البيع في إشبيلية. شهد عهد المعتمد بن عباد إعادة بناءٍ للمسجد الجامع، إذ إنَّ المسجد تعرَّض لأضرارٍ في أعقاب زلزال ضربه عام 472 هـ (1079م)، سُجِّلت تفاصيله على جدارٍ حجري في المسجد، ومن الإضافات التي قد تكون شملتها إعادة البناء هذه عددٌ من الأعمدة الرخامية التي تدعم زوايا مئذنة المسجد الأربعة.
بنيت وشُيِّدت الكثير من القصور بإشبيلية في عهد بني عبَّاد، وخصوصاً عهد المعتمد، ولا زال بعضها باقياً إلى اليوم رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت عليها. كان بين أبرز هذه القصور قصر المبارك، الذي بدأ في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله بما عُرِفَ باسم دار الإمارة، وهي قصر بني عند الطرف الجنوبي لمدينة إشبيلية القديمة المُسوَّرة، وتوسَّعت هذه المنطقة من المدينة لاحقاً لتصبح مركزاً رئيسياً لمقار الحكم بإشبيلية طوال العهد الإسلامي. طوَّر المعتمد بن عباد قصر المبارك، فأضاف إليه أعمدة وإنشاءات جُلِبَت من مدينة الزهراء بقرطبة، وزخر القصر في عهده بالشعراء والأدباء والموسيقيّين، ثم تحول لاحقاً على يد بيدرو الأول وملوك قشتالة الآخرين إلى قصر إشبيلية الحديث. ارتبطت بالقصر في عصر بني عبَّاد مجموعة من القصور الأخرى والمزارع والحدائق، وامتدَّت هذه الأبنية وإنشاءات أخرى خارج حدود المدينة المسورة القديمة، وذلك لضيق المساحة المتاحة داخل نطاق السور، وأما القصر الرئيسي فقد ظلَّ عند طرف السور. لم تتوسَّع أسوار إشبيلية في عهد بني عباد، على عكس العصور الإسلامية السابقة واللاحقة لهم. أمر المعتمد بن عبَّاد خلال عهده بزراعة منطقة من إشبيلية عُرِفَت باسم البحيرة (تسمى الآن "Huerta del Rey")، فأصبحت منطقةً من البساتين والحدائق، وبنى بوسطها سرداقاً، وتوسَّعت المنطقة لاحقاً ليبنى بها عددٌ من القصور في عهد الموحّدين، إلا أنَّ البحيرة التي منحتِ المنطقةَ اسمها القديم جفَّت منذ زمن طويل.
من الصعب تحديد طبيعة قصور الحكم في إشبيلية خلال عهد بني عبَّاد، إذ إنَّ النصوص المكتوبة حول ذلك قليلة جداً، وقد أدَّت التطويرات العمرانية التي قام بها المرابطون والموحدون ثم المسيحيون فيما بعد إلى دثر معظم معالم العمارة العبَّادية. رغم ذلك، توحي الأشعار التي تعود إلى حقبة بني عبَّاد بأنهم اهتمُّوا في تصميم القصور بارتفاعها، لكي تكون مطلَّة على نهر الوادي الكبير. شملت قصور بني عبَّاد المعروفة قصور المبارك والمكرم والزاهي والزاهر والوحيد والتاج. يعتقد بعض الباحثين أن حدائق وبرك قصر الزاهي ربما كانت مرتبطةً بقصر المبارك، بحيث أنَّ كليهما شكَّلا قصراً واحداً كبيراً. ولعلَّ العديد من قصور بني عبَّاد الأخرى كانت مرتبطة بهما لتشكِّل تجمعاً كبيراً من القصور.
كان أحد أهم قصور بني عبَّاد هو قصر المبارك الواقع على الضفة الشرقية لنهر الوادي الكبير، وربَّما يكون شُيِّد على يد عبَّاد المعتضد، وقد كانت لقصر المبارك قبَّة مركزية كبيرة تسمى "الثريا"، وأحاطت به حدائق وينابيع كثيرة، ومن المحتمل أن يكون قد قام فوق دار الإمارة القديمة، أو ربما بجانب موقعها السابق، وقد اكتشف حديثاً جزءٌ صغير من حدائقه أثناء أعمال تنقيب عن حديقة موحدية من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). كان قصر المبارك هو المفضل عند المعتمد، إذ كان يقضى معظم وقته فيه، وأما قصر المكرم فقد خصَّصه لإدارة شئون الحكم، حيث أطلق عليه ابن أحمد "مركز الخلافة". وأما والده المعتضد فقد كان يفضل قصر الزاهر للإقامة، وربَّما يكون هو الذي بناه، وقد رمَّمه ابنه المعتمد واستعمله بعده، وتموضع هذا القصر عند حافة جرفٍ يرتفع 40 متراً عن نهر الوادي الكبير، وكان يبعد أربعة كيلومتراتٍ عن إشبيلية على ضفة النهر اليمنى، حيث أحاطت به مزارع الزيتون، إلا أنَّه تدمر أثناء معركة إشبيلية التي سقطت بها دولة بني عبَّاد (وقد رممه الموحدون فيما بعد، وأطلقوا عليه اسم حصن الفرج). كانت لقصر الزاهي هو الآخر قبة مركزية مشابهة لقصر المبارك، تسمى "سعد السعود"، وأحاطته الحدائق والبرك، وهو يقع على الضفة الغربية للوادي الكبير، وكان يستعمله المعتمد والمعتضد للهو والتسلية.