اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حين كان محمد بن صباح حاكماً على الكويت، كان اثنان من إخوته يطمعان في حكمه، مبارك وجرّاح، فأما مبارك فلم ينل إلا الصحاري للسيطرة على العشائر، وأما أخوه جَرّاح فأصبح يشارك أخاه محمداً في الحكم،، وكان يوسف الإبراهيم مسؤولاً عن خزانة الدولة كما أعطي كثيراً من مقاليد السلطة فأصبح كأنه هو الحاكم،، وكان هؤلاء يميلون إلى الدولة العثمانية، حدثت خصومة بينهم وبين الشيخ مبارك بن صباح الذي كان مسؤولاً عن شؤون الجيش والقبائل وكان يميل إلى الدولة البريطانية.
قال خلف باشا النقيب "طلب مبارك من أخويه الاعتراف له بقسطه من الأملاك فامتنعا من إجابته ولم يصغيا لطلبه، حتى كاد الأمر يمضي إلى غير محمود، لو لا أن سالماً آل بدر وثلة من أشراف البلد توصلوا إلى إقناع الأخوين بالنزول إلى حكم مبارك، وأن يكتبا ثلاث أوراق إحداهما : يحصى فيها لامة الحرب من أسلحة وذخيرة ويبقى ذخرا للجميع، واثنتان فيهما الاعتراف له بما أراد، وتبقى إحداهما عنده والثانية بأيديهما. توصلوا إلى ذلك وكتب الأوراق كلها يوسف بن إبراهيم طائعا مختارا، وبهذه رجعت المياه إلى مجاريها، وصفا وجه الإخاء".
احتاج مبارك بعد هذا إلى شيء من المال فما وجد من أخويه، إلّا إعراضا وصدودا وهناك تساقطت شرفات السلم، وهدّ جانب الولاء، وثارت الزوبعة بعد سكونها، فتدخل وجهاء البلد وتشفعوا إلى محمد بإرضاء أخيه وإعطاء ما يريد قطعا للنزاع، فما خيب لهم برجاء، وأمر في الحال فهد الخالد الخضير بقضاء ديونه التي بلغت ستة آلاف ريال وستين ريالا أوشكت الأمور أن تنتهي بسلام لو لا الدور الذي مثله الشيخ يوسف بن إبراهيم عفى الله عنه، فما أحكم عقدة البغضاء، وشيد أركان العداء، فإنه منع فهد الخالد من إعطاء مبارك شيئا وأردفه بإرسال عبد العزيز السميط إلى مبارك بطلب منه تسليم الورقة التي بقيت بعيدة، فامتنع مبارك من تسليمها لأنه حسّ بالمكيدة من يوسف. وكان الأمر كما ظن فقد صارح يوسف السيد خلف بقوله غرضنا من الإرسال عليها إنما هو لأجل تمزيقها لئلا تكون له حجة علينا. بلغ مبارك كل ما بدى من مراوغة يوسف فتميز غيظا وطفق بسبّه سبّا شنيعاً. عقد الأمور يوسف وتركها وسار إلى البر يطلب الصيد وترويح النفس فرجع مبارك إلى أعيان البلاد يرجوهم أن ينصحوا أخيه محمد لعله يرعوي ولا يتمادى في الإساءة، فأجابوا رجاء، ولا كنهم يعملون أن لا حل للإشكال بدون حضور يوسف إبراهيم، فكتبوا له كتابا يستقدمونه لعلم يشاركهم في حل الإشكال، وانتدبوا لتبليغه الأمر وإيصال الكتاب إليه السيد خلف باشا النقيب، وفهد الخالد، وعبد العزيز الفارس وعبد العزيز الصميط، وكان يوسف إذ ذاك قد نزل الرقعي، فذهبوا إليه وعرضوا عليه مهمتهم وما يراد منه، فامتنع عن إجابتهم، فقال له النقيب: إذا لم تجب فإن أحد الأخوين لا بد أن يقتل أخاه. قال : لماذا؟ قال : لأن محمدا بعد أن دعا مباركَ بن عذبي من البر، خشي أخوه مبارك بن صباح أن يكون وراء هذا الاستدعاء شرٌّ فاستعد هو وخدامه بالسلاح اتقاء للحوادث الطارئة، فقال يوسف : سأذهب أولا إلى الصبية، ثم أذهب إلى الكويت، فوصل الكويت بعد ثمانية أيام ، وما خفف مع هذا ويلا ولا حل إشكالاً، بل زاد الطين بلة، وعلم مبارك أن ليس في استطاعة يوسف أن يكون واسطة في حل النزاع، فانتدب السيد خلف، وعبد العزيز الزين، وفهد الخالد الدويرج إلى أخيه يرجونه تصفية الحساب الذي بينهما فلبوا طلبه وساروا إلى أخيه في داره، فأمرهم أن يذهبوا إلى يوسف بن إبراهيم في بيته وهناك يكون الملتقى. ذهبوا إلى يوسف كما أمر محمد فرفض مقابلتهم رفضا باتّاً، وأمر أن يرجعوا من حيث أتوا. جرى هذا وهو لا يعلم بما جاءوا إليه، ولا ماذا يريدون منه، فاقتضى رأي أحدهم أن يذهب إليه وحده ويبين له الباعث لمجيئهم، فقابله وأخبره أنهم إنما جاؤا بأمر محمد. فأسف على ما بدر ودعاهم إلى الحضور، فما كادوا يستقرون في مقاعدهم حتى أقبل محمد، فسألهم عن غرض مبارك من إرسالهم، فقالوا: إنه يريد أن نقدم له حسابا إلى السيد خلف ليقدمه إلى مبارك. ولما قرأ علَى مبارك قال إن بلع الأمواس أهون من بلع هذا الحساب، فقال له السيد خلف: إن كنت تريد خلع الشقاق فابلعه فقال حنا ما قلت وها أنا بلعته والذي يظهر لنا إن هذا قول من المجلس، لأن مباركا أخيرا طلب حسابا آخر من أخيه مصحوبا (بيمين بالله إنه من الصادقين) فيما قدم، فأجابه ولكنه قدم إليه نفسه. عرض النقيب على الأخوين الاجتماع في بيته لعلهما يتفاهمان وأخذ منهما العهد أن لا يجابه أحدهما الآخر بما يكره، فأجاباه إلى ما طلب وحضرا في الوقت المعين ففاتح مبارك أخاه وعتب عليه بعض أمور حصن واعتقرها ثم قال إني لا أريد أن أكلفك شططا فأنا أطلب إشرافي على الحساب الحقيقي لأعرف مالي وما علي، ولك علي قبول ذلك إذا كان بيمين بالله أنك لم تزد فيه ولم تنقص منه. رضي محمد بهذا الاقتراح وأظهر الارتياح له ولكن مضت عدة أيام وهو يعد ويخلف والسيد النقيب يتردد بين الاثنين، وأخيرا قال له محمد: أنا لا أجيب مباركا إلى طلبه، إلّا بعد أن آخذ منه صكّا في قبول ما أقدمه له مهما كان، فحاول النقيب إقناعه بأن مثل هذا الطلب بعيد عن المعقول، فأصر على رأيه: فذهب النقيب مصمما على عدم الدخول في شيء من أمورهم وأبلغ مباركا بكل ما جرى. فاضطرمت النار في قلبه، وكاد يقضي على أخويه في تلك الساعة ولكنه تجلد إلى اليوم الموعود، ثم بعد هذا صادف أن مباركا صادف أخاه محمد في الطريق فدنى منه وسلم عليه وأخذ يلاطفه في الحديث ويستعطفه في إنجاز ما وعد، فلم يجد منه إلّا إباء وامتناعا في نزوله على حكم، وما زال وإياه في هذا الجدال الطريف حتى وصل البيت ورجع عنه. ثم أعقب هذا أن أخاه جرّاحا دخل سوق اللحم فصاح بين أهله بقوله إياكم أن تعطوا مباركا شيئا، فقد تبين أنه من المفلسين وأن عليه ديونا عظيمة، وكان مبارك إذا احتاج إلى لحم أخذ منهم على ذمة أخويه، بعد ذلك لم يبدُ لمبارك إلا أن يقتل أخويه فقتلهما، وبدأ العداء المباشر بينه وبين يوسف الإبراهيم.
اغتاظ الشيخ مبارك من أخويه لأنه اعتقد أنهما مذعنان ليوسف الإبراهيم، كما رأى منهما قلة ثقتهما به وحرمانه من أمواله فقتلهما ليلة 17 مايو عام 1896.
بعد أن قُتل محمد بن صباح ونائبه جراح، وسيطر أخوهما مبارك الصباح على القصر، توجّه مبارك من هناك إلى بيت يوسف الذي كان قريباً من القصر، فلم يجده، وكان يوسف قبل ذلك قد خرج من بيته في مدينة الكويت، إلى قصره الريفي للنزهة في الصبية، عن طريق خليج الكويت، والتجأ به سعود بن محمد الصباح بعد اغتيال أبيه محمد بن صباح، ثم لحق بسعود بقية إخوته، فجمعهم يوسف الإبراهيم في البصرة، ومن هناك ابتدأ يوسف مع أولاد القتيلين بالسعي إلى الانتقام من مبارك، واسترجاع الحكم لأولاد القتيلين، فقام بالتضييق والتحريض،، عليه دبلوماسياً ومالياً مستعيناً بصديقه الشيخ جاسم آل ثاني الذي كان هو أيضاً معادياً لمبارك الصباح، كما استعان يوسف الإبراهيم بآل رشيد الذين كانوا يطمحون إلى الفوز بمنفذ بحري على الخليج العربي وكانوا أيضاً على عداوة مع مبارك، وقد أدّى هذا النزاع الإقليمي إلى تمكين عبد العزيز آل سعود من العودة إلى نجد والسيطرة عليها ومنازعة ابن رشيد ونشوء الدولة السعودية الثالثة،، وأصبح يوسف الإبراهيم زعيماً لمعارضة حكم مبارك الصباح، وصار ذلك هو هدفه الأهم، وسخّر أمواله وعلاقاته في سبيل ذلك وقضى عشر سنوات ساعياً إلى الإطاحة بمبارك، ورغم انقضاء قرن على حادثة اغتيال محمد بن صباح، غير أنّ الباحثين ما زالوا لا يحيطون علماً بالصورة الكاملة للمشهد السياسي في تلك الحقبة، ولا يزالون يناقشونها،، وقارب بعض المؤرخين أن يصفوا يوسف الإبراهيم بالخيانة لأنه تصدّى للمطالبة بحق أولاد الشيخين في الحكم وعارض مبارك الصباح وسخّر كل ما عنده في سبيل ذلك حتى توفي.
في عام 1314ه بعد أن سيطر مبارك الصباح على الحكم، وأيقن أنّ يوسف الإبراهيم قد أفلت منه وأنه يبيّت له، بادر مبارك بكتابة مضبطة ذُكِرَ فيها أنّ يوسف الإبراهيم هو الذي قتل الحاكم محمد بن صباح، وأجبر مبارك وجهاءَ الكويت على التوقيع على هذه المضبطة فاستجابوا له إلا قليلاً، فأُرسل بالمضبطة إلى حمدي باشا والي البصرة، بصفته ممثل الحكومة العثمانية، فأعطى منها نسخة إلى صديقه يوسف الإبراهيم، فأخذها يوسف.
بعد أن وقعت واقعة تغيير الحكم في الكويت، وخروج سعود بن محمد بن صباح إلى قصر يوسف الإبراهيم في الصبية، أرسل مبارك الصباح وفداً يرأسه أخوه حمود الصباح ومعه وجهاء، فذهبوا إلى الصبية وظاهرهم إرادة الإصلاح وباطنهم الاطلاع على أحوال يوسف الإبراهيم وما يُبيّتُه لمبارك، فحاولوا إقناعه بالرجوع إلى الكويت آمناً، فأظهر لهم يوسف الموافقة، ولما غادر الوفد، جاءت إلى يوسف أخبار تفيد باستعداد مبارك للهجوم على قصر يوسف في الصبية، فسارع يوسف ومعه سعود إلى ركوب البحر متوجهاً إلى الدورة، وبعد أيام تبعه بقية أولاد القتيلين الذين استأذنوا من عمهم مبارك الصباح أن يخرجوا للاستجمام فامتنع، ثم أذنَ لهم فخرجوا ومعهم حراس مبارك، فغافَلوا الحراس وتوجّهوا إلى منطقة المعامر في الفاو ثم إلى الدورة، فاجتمعوا كلهم هناك عند يوسف الإبراهيم، فسار بهم يوسف إلى البصرة واشتكوا على مبارك الصباح عند والي البصرة حمدي باشا، الذي كان يكره مبارك الصباح، فاستمع لهم حمدي باشا واستجاب لهم بعزمه على إعداد جيش ينطلق إلى الكويت لإزاحة مبارك، غير أنّ مباركاً لم ينتظر، بل ذهب إلى صديقه رجب باشا والي بغداد الذي كان أقوى من حمدي باشا، فكان رجب باشا مناصراً لمبارك أمام الحكومة العثمانية وقال لهم "إن تلك الكارثة من الحوادث العادية التي لا يزال يقع مثلها كثيراً بين أعراب البادية، وخيرٌ للحكومة أن لا تتدخل في القضية.."، فذهب أولاد القتيلين إلى القنصل البريطاني في البصرة، فسعى مبارك الصباح إلى القنصل البريطاني في بوشهر، فأمرت الدولة العثمانية بتخيير مبارك الصباح بإحدى ثلاث، إما الحضور إلى الأستانة للانضام إلى مجلس شورى لدولة، وإما الذهاب إلى بلد يختاره ويعطى راتباً يكفيه، وإما أن تأتيه جنود الدولة العثمانية فتجبره بالقوة على أحد هذين الأمرين، فجاءته قوة بحرية من الدولة العثمانية لإجباره، فاضطرّ مبارك إلى الاستعانة ببريطانية فطردوا القوة العثمانية، وكانت هذه أول منافسة سياسية بين مبارك ويوسف، تفوق فيها مبارك بدهاء شديد، قيل إن سبب ميل رجب باشا إلى مبارك أنه تلقى منه هدايا جزيلة، وقيل لأن رجب باشا كره من يوسف الإبراهيم أن لا يأتي إليه للمساعدة ويختار عليه حمدي باشا الذي كان أقل مرتبة.
بعد واقعة القتل، وجد مبارك الصباح نفسه أمام خصوم كثيرين بين قومه، وأنهم في بادئ الأمر كانوا يميلون إلى أولاد القتيلين تعاطفاً معهم، لكنّ مباركاً لم يكن يخشى إلا من يوسف الخصم الشديد ذا الوجاهة والثروة، فأرسل إليه وفداً آخر إلى منطقته في قرية الدورة، فحاولوا استرضاءه وطمأنته، لكنه فاجأهم بعرض المضبطة التي أرسلها بها مبارك إلى والي البصرة، وقال لرئيسهم حمود الصباح "كيف تطلب مني الرجوع والثقة على نفسي منكم، وهذا عملكم معي تشهدون علي بأني أنا القاتل، فهل بلغت بي البلاهة إلى هذا الحد الذي تريدون أن ألقي بنفسي بين أيديكم، فما كان من حمود إلّا أن أنكر علمه بهذه المضبطة، وقال : قد يكون مبارك هو المزور لها على ألسنتنا، قال يوسف : وها أنتم تدعوني إلى الرجوع إليه وهذا عمله، فهل تظنّ أن من أقدم على سفك دم أخويه يتورع عني، فهذا أمر لا سبيل إلى الكلام فيه فرجع الوفد".
علمت الدولة العثمانية بحادثة الاغتيال، فأرسلت برسالة إلى مبارك الصباح تسأله عن الأمر كأنها لا تدري، فأجابهم مبارك "إنّ القاتل هو أفّاق يُدعى يوسف بن عبد الله الإبراهيم، الذي وصل إلى ما وصل إليه بعطف الشيخ محمد، وهدفه أن يغتصب مشيخة الكويت لنفسه، وعندما حان الوقت المناسب، دخلَ بيت محمد وجراح وقتلهما، وكاد أن يعلن نفسه أميراً لولا عناية الله أرسلته (مباركاً) من الصحراء في نفس الليلة، حين أفشل خطته واضطرّه للفرار"، وأكمل مبارك قوله "بأنه سمع بأن ذلك الرجل هو الآن في البصرة، والمطلوب من الحكومة التركية أن تعطي تعليماتها بإلقاء القبض عليه، وسوقه إلى الكويت لينال جزاءه"، فتظاهر الأتراك بتصديقهم إياه وعيّنوه قائممقام الكويت.