اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
منذ أوائل القرن السادس عشر وبالتحديد منذ العام 1536 أو خلال عهد السلطان العثماني سليمان الأول، كان التاج الفرنسي يتطلّع نحو منطقة الشرق الأوسط باعتبارها منطقة حيوية للمصالح الاقتصادية الفرنسية. وقد عملت فرنسا منذ ذلك التاريخ بفضل علاقات الصداقة والتحالف التي تربطها بالسلطنة العثمانية على تشجيع الاستثمارات الاقتصادية في هذه المنطقة، لا سيما في مصر التي احتلها العثمانيون في العام 1517، وكذلك منطقة البحر الأحمر وسوريا وفلسطين. كما عملت على افتتاح قنصليات وإيفاد بعثات ديبلوماسية إليها وافتتاح خطوط ملاحة بحرية لتنشيط حركة التجارة البحرية معها. إلى ذلك، عرضت فرنسا تمويل مشروع شق قناة السويس المقترح من قبل أحد المهندسين الأتراك في العام 1586 الذي أعيد طرحه في عهد لويس الرابع عشر، نظراً لأهميته، ولكونه يساعد في فتح أسواق جديدة فرنسية وينشط التجارة مع الشرق الأقصى.
إلا أن انشغال السلطنة العثمانية خلال هذه الفترة بالصراع العسكري الدائر في الأطراف الشمالية والشمالية الغربية ضد كل من روسيا والنمسا، وعدم تحقيقها انتصارات حاسمة في المعارك في منطقة البلقان وبحر أزوف والبحر الأسود، حال دون إطلاق مشاريع التنمية الفرنسية المقترحة في مصر وسوريا خلال هذه الفترة، وبدأت السلطنة تتجه للعب دور «الرجل المريض»، الأمر الذي شجع الدول الأوروبية للالتفاف حوله لتقاسم إرثه كما حصل في العام 1914.
مع ذلك تابعت فرنسا تحركها لتنفيذ مشاريعها وتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط في منتصف القرن الثامن عشر لسببين رئيسيين:
- الأول: توسيع بريطانيا لخطوطها البحرية في البحر المتوسط بعد انحسار النشاط البحري لمدينة البندقية التي كانت تسيطر على هذه الخطوط بافتتاح قنصلية ناشطة وفاعلة جداً لها في القاهرة لتفعيل وتنسيق الأعمال التجارية التابعة لها مع الهند.
- الثاني: خسارة فرنسا لقسم كبير من مستعمراتها في العالم الجديد في أمريكا والهند، واضطرارها لتوقيع معاهدة باريس مع بريطانيا في العام 1763، وهذا ما دفع وزير خارجيتها في حينه إلى السعي لوضع اليد على مصر بصورة مباشرة للتعويض عن خسارة المستعمرات المشار إليها أعلاه، مع القبول بما ينجم عن هذا الطموح من تعريض لعلاقة الصداقة الفرنسية - التركية للتوتر.
بغية وضع هذا الهدف موضع التنفيذ كلّف البارون دي توت (DETOTT) في العام 1777 السفر بمهمة سرية لاستطلاع السواحل والمرافئ وسبر أعماقها، إضافة إلى نسج علاقات مع الحكّام المحليين المعارضين للسلطنة ولتوسيع النفوذ الفرنسي، وقام البارون بنهاية رحلته بتنظيم تقرير مفصّل عن المهمة تم نشرها تحت اسم: "LES MEMOIRES SUR LES TURCS ET LES TARTARES.
كما كلّفت البعثات الديبلوماسية والتجارية الفرنسية تنظيم تقارير مفصّلة عن أوضاع المنطقة المذكورة من كافة النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وتم ضم كافة هذه التقارير إلى تقرير البارون دي توت وشكّلت جميعها الملف الأساسي لحملة غزو مصر وتقرر متابعة الوضع عن كثب.
بعد مرور عشرين سنة على رحلة البارون، ركّزت التقارير الديبلوماسية على تنامي الخلاف ما بين الحكام المحليين في مصر والسلطنة، مما دفع وزير الخارجية الفرنسية في عهد الثورة الفرنسية تاليران إلى السعي مع مجلس قيادة الثورة الفرنسية إلى تسويق فكرة إرسال حملة عسكرية إلى المنطقة واحتلال مصر، مع التركيز على الهدف الرئيسي لهذه الحملة، وهو ضرب المصالح البريطانية الاقتصادية وقطع خطوط مواصلاتها التجارية مع الهند، وذلك كهدف بديل لاجتياح الجزر البريطانية.
بعد مناقشات عديدة مع مجلس قيادة الثورة الفرنسية شارك فيها كل من الوزير الفرنسي تاليران والجنرال بونابرت، اتخذ مجلس قيادة الثورة الفرنسية في 12 آذار 1798 قراراً بإطلاق حملة الغزو على مصر بقيادة بونابرت، وكلّف هذا الأخير بتنفيذ ما يلي:
- احتلال جزيرة مالطا لتأمين قاعدة خلفية لإمداد الحملة العسكرية.
- احتلال مصر وطرد الإنجليز منها، وضرب كافة المصالح الاقتصادية التابعة لهم فيها وفي الدول المجاورة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
- شق قناة السويس لربط الملاحة ما بين البحر المتوسط والبحر الأحمر ودرس تحقيق أهداف بعيدة لاحقاً.
- تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لسكان مصر والدول المجاورة لدفعهم لتعميق تحالفهم مع فرنسا.
حددت الخطة المدة اللازمة لتحقيق هذه الأهداف بستة أشهر، وقرر مجلس قيادة الثورة الفرنسية المباشرة فوراً بتوثيق الصلات الدبلوماسية الفرنسية مع الحاكم المصري المحلي، إضافة إلى تكليف وزير الخارجية الفرنسي تاليران بالقيام بزيارة إلى إسطنبول لشرح أهداف الحملة العسكرية الفرنسية إلى مصر، والتأكيد أنها غير موجهة ضد مصالح السلطنة العثمانية، وبالتالي تأكيد التزام فرنسا بالتحالف الستراتيجي القائم منذ فترة طويلة مع السلطنة العثمانية.