إنّ مصادر التّشريع التي جاء اعتمادُ العلماء عليها في استخراج أحكام الله -تعالى- وتِبيانها كثيرةٌ، فهي تزيد على عشرين مصدراً؛ أهمّها الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، ومذهب الصحابي، وشرع من كان قبلنا، والعرف، وسدّ الذرائع، ويجب التأكيد على أنّ المصدر الأساسيّ هو المصدر التشريعيّ السّماويّ؛ لا الوضعيّ الذي هو من وضع البشر؛ فالمصدر التشريعي الوحيد المُجمَع عليه من المسلمين كافّةً هو الله -تعالى-، فهو المُشرّع لا سواه، ويظهر هذا المصدر السماويّ واضحاً بالقرآن الكريم ولما أشار إليه، وبقية المصادر إنّما هي شارحةٌ ومبيّنةٌ للكتاب العزيز، ولا تكون منشئةً للأحكام، فالحكم الذي لا يرتضي المسلمون سواه هو حكم الله -عزّ وجلّ-، وقد جاء اتّفاق العلماء على تحديد المصادر التشريعيّة التي يرجع إليها المجتهد لاستخراج الحكم الشرعيّ أصالةً، وهي أربعةُ مصادر؛ القرآن، والسنّة، والإجماع، والقياس، أمّا بقيّة المصادر إنّما يُرجَع إليها بحسب مقام الحالة التي ينبغي من خلالها استنباط الحُكم؛ وهي غير متّفقٍ عليها من قِبل العلماء، وبيان مصادر التشريع الرئيسة الأربعة فيما يأتي:
- الكتاب: القرآن الكريم هو كلام الله -عزّ وجلّ- المنزل على سيدنا محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- بواسطة الوحي جبريل -عليه السّلام-، المتعبّد بتلاوته، والمكتوب في المصاحف، والمنقول إلينا عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- نقلاً متواتراً؛ عن طريق المشافهة والكتابة، ولا خلاف بين المسلمين في أنّ القرآن الكريم هو المصدر الأوّل للتشريع، وأنّه حُجّةٌ على النّاس جميعاً، ولفظ القرآن الكريم ومعناه من عند الله -تعالى-؛ إذ ليس للرسول فيه سوى التّبليغ؛ وعليه فإنّ أحاديث الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- لا تُعتبر من القرآن، وترجمة القرآن لا تُعتبر قرآناً كذلك، وإنّ لفظه بلسانٍ عربيٍّ مبين؛ قال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
- وقد وصل إلينا القرآن الكريم دون زيادةٍ أو نقصٍ؛ حيث قام بجمعه الخليفة أبو بكر الصّديق -رضي الله عنه-، ثمّ نسخه الخليفة عثمان بن عفّان -رضي الله عنه-، وقام بتوزيعه على أمصار الدولة الإسلاميّة، وقد شمِل القرآن الكريم جميع ما يحتاجه المسلم في حياته؛ حيث إنّ له أهميّةً كبيرةً في حياة الفرد المسلم والأمّة الإسلاميّة؛ من ترسيخ الإيمان، وتزكية النّفوس وتهذيبها، وبيان الأخلاق التي يجب التحلّي بها، وبيان الأحكام التي تتعلّق بأفعال وأقوال المسلمين.
- السُّنّة النبويّة: تُعتبر سنّة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- المصدر الثاني للتشريع، وحجّةً على الناس أجمعين؛ وذلك باتّفاق أهل العلم؛ دلّ على هذا القرآن الكريم والسنّة النبويّة بنصوصهما، وأساليبهما المختلفة، ومن ذلك ما يأتي:
- الأمر بطاعة الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، حيث قال -تعالى-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).
- ارتباط محبّة الله -تعالى- لعباده باتّباع نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم-، قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
- الأمر باتّباع ما يأتينا به الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، قال -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
- وقد كان الصّحابة -رضي الله عنهم- خير مثالٍ في الاقتداء بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، والتأسّي بهديه؛ فقد كانوا يتّبعون السُنّة في جميع أمور دينهم ودنياهم، وفي حياتهم العامّة والخاصّة، على الصّعيد الفرديّ والمجتمعي، وقد ورد في السنّة النّبوية أحاديثاً كثيرةً تدلّ على وجوب اتّباع السّنّة، منها ما يأتي:
- قول النبيّ -صلّى الله عليه وسلم-: (لا ألفَيَنَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكتِه يأتيهِ الأمرُ مِن أمري مِمَّا أمرتُ بهِ أو نَهيتُ عنهُ فيقولُ : لا نَدري ما وجدنا في كِتابِ اللهِ اتَّبعناهُ).
- قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (تركتُ فيكم شيئَينِ، لن تضِلوا بعدهما: كتابَ اللهِ، و سُنَّتي، و لن يتفرَّقا حتى يَرِدا عليَّ الحوضَ).
- الإجماع: والإجماع هو اتّفاق المجتهدين من الأمّة الإسلاميّة في عصرٍ من العصور بعد وفاة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- على حكم واقعةٍ لم يرد نصٌّ بشأنها، وهو مصدرٌ للتشريع ودليلٌ من أدلة الأحكام؛ وقد ثبت ذلك بنصوصٍ كثيرةٍ من الكتاب والسنّة، ثمّ إن الإجماع يستند إلى دليلٍ شرعيّ؛ وقد يكون هذا الدليل نصّاً من الكتاب أو السنّة.
- القياس: والقياس هو إلحاق مسألةٍ لا نصّ على حُكمها بمسألةٍ ورد النّصّ بحُكمها في الحكم؛ لاشتراك المسألتَيْن في العلّة، وهو حجّةٌ قويّةٌ، والأصل الرابع من أصول الاستنباط بعد القرآن والسنّة والإجماع، ولأنّ الإجماع مسائله محصورةٌ، وومواقعه معدودةٌ، ومتعذّرٌ وقوعه بشكلٍ كاملٍ لعد العصر الأول؛ بينما الوقائع والحوادث التي تجري بين الناس لا حصر لها، وهي متجدّدةٌ مع مرور الأزمان، ومطلوب من فقهاء الأمّة أن يُبيّنوا للناس حكم الله في كُلّ واقعةٍ؛ كان للقياس الأثر الأكبر من الإجماع في أحكام الفقه الإسلاميّ.
المصدر: mawdoo3.com