اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ما الكتابة ؟
أهي فعل خلقٍ جديد، أم مجرّد مرآة تُظهر ما يضجّ في
أعماقنا ؟
كنتُ كلّما أمسكت القلم ، وجدتني أسيرًا بين هذين السؤالين
أأبتكر عالماً يخصّني ، أم أنني أستعيد ما عشته في صورٍ وأسماءٍ
أخرى ؟
هل أهرب من نفسي إلى الرواية ، أم أعود إلى نفسي من خلالها ؟
كثيرًا ما يُقال إن المؤلف يوجّه شخصياته كيف شاء ، يمنحها مصائر
ويقتطع منها مصائر أخرى ، وكأنها دمى بين أصابعه .
غير أنني – كلما تقدّمت في الكتابة – أدركت أنّ الحقيقة أعقد من ذلك ؛
فالشخصيات لا تظلّ صامتة إلى الأبد ، بل تتمرّد ، تحاورك ، تطالب بدورٍ
آخر، بحياة أوسع ، أو نهايةٍ أكثر عدلاً.
وربما تصرخ في وجهك -
لِمَ تحكم عليّ بالسقوط ؟
لِمَ تسجنني في صورةٍ لم اخترها ؟
أفلا يكون الكاتب ، في نهاية المطاف ، هو السجين أيضًا ؟
سجين حاجاته النفسية ، سجين وجعه الخفيّ ، سجين ما لم يستطع
قوله في حياته ، فيبسطه على الورق متخفّيًا خلف قناع الحكاية.
إنّ كل بطل يطلب العدالة ، وكل عاشقٍ يترجّى الخلاص ، ليس إلا
صدى من أشواق المؤلف نفسه ، ولو أنكر ذلك.
ومن هنا يجيء السؤال الأخلاقي
- لماذا نُصرّ أن ينال اللصّ جزاءه في آخر الرواية ؟
- ولماذا نُصوِّر الملتوي وهو يتهاوى في ظلمة المصير ؟
- أهي ضرورة الفن ؟
- أم رغبةٌ في أن نقدّم للعالم نموذجًا من العدالة التي نفتقدها ؟
الواقع كثيرًا ما يفضح تناقضنا كم من لصٍّ نجا ، وكم من خائنٍ صعد،
وكم من مستقيمٍ سحقه القدر ... ومع ذلك نعود ، نحن الكتّاب ، لنُصرّ
على أن تكون النهاية منسجمة مع ضميرٍ يتشوّق إلى المثالية.
الرواية إذن ليست فقط مرآة للواقع ، بل مرآةٌ للأمنيات.
هي محاولة لصياغة العالم لا كما هو ، بل كما ينبغي أن يكون .
وهنا يتجلّى صراع الكاتب بين الحقيقة والمثال - أيهما أصدق ؟
أن نعكس الواقع بكل ظلمته ، أم أن نقدّم الحلم بكل صفائه ؟
في "مرآة الحكاية" لن أقدّم إجابة جاهزة ، بل سأترك المرآة تفعل
فعلها … سأجلس أمامها ، أرى وجوهًا وأصواتًا ، أتحاور معها ،
وربما أحاكمها، وربما تحاكمني هي … ستظهر الأسئلة كما تظهر
الصور على الزجاج - غائمة أحيانًا صافية أحيانًا أخرى ، لكنها دائمًا
صادقة في ما تكشفه إنني لا أكتب هذه الرواية وحسب ، بل أُكتَبُ
فيها … ولا أزعم أنّني المؤلف وحدي ، بل شريك في نصٍّ يتجاوزني .
فما الحكاية في النهاية إلا مرآة … ومن يجرؤ أن يحدّق طويلاً في
المرآة قد يكتشف أنّه لم يكن ينظر إلى الشخصيات ، بل إلى نفسه .