اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان قاضي القضاة يُعيّن القضاة للقضاء بين الناس حسب الشريعة الإسلاميَّة، وعليه أن يكون مسلمًا عالمًا بأصول الدين والفقه والحديث، خاصَّة وأنَّ الإسلام هو الدين الرسمي للدولة العبَّاسيَّة. وأمرٌ بديهي أن يكون قاضي القضاة مسلمًا، ولكن معرفته بأحكام القرآن والسنَّة النبويَّة، فيما سمي "بالفقه"، هو أهم الشروط لتقلّد القضاء والفصل بين الخصوم. والفقه الإسلامي هو ثمرة اجتهاد وجهود متواصلة تعتبر بمثابة حلقة الاتصال بين الناس وبين المصادر التشريعيَّة الأصليَّة وهي الكتاب والسنَّة. وهذا الفقه المُستنبط من الأدلَّة الشرعيَّة كثُر فيه الخلاف بين المجتهدين، فاختلاف مداركهم وأنظارهم خلافًا لا بد من وقوعه، واتسع ذلك اتساعًا عظيمًا، وكان للمقلدين أن يُقلدوا من شاؤوا منهم، حتى انتهى الأمر إلى أئمة المذاهب وهم طبقة من العلماء لجأ إليها الناس للفتيا. وكان لكل إمام من أئمة المذاهب تلاميذه الذين دونوا مذهبه ونشروه بين الناس، فاتبعه بعضهم واتبع آخرون المذاهب الباقية، وكان قاضي القضاة يتبع مذهب الدولة الرسمي وهو في العادة المذهب الأكثر شيوعًا. وحيث أنَّ الدولة اتسعت كثيرًا في العصر العبَّاسي فقد أصبح لأمصار الأقاليم التي غدت عواصم لإمارات ودويلات مستقلَّة، قاضي قضاة أسوةً ببغداد، فانتقل هذا النظام إلى مصر أيَّام الفاطميين حيث سُمي كبير القضاة أيضًا "قاضي القضاة".
كانت بغداد عاصمة الدولة العبَّاسيَّة، وقد ساد مذهب الإمام أبو حنيفة فيها حتى أصبح المذهب الرسمي، وبالتالي أصبح مذهب قاضي القضاة ومعظم القضاة، ومذهب أهل العراق. ويعود الفضل في انتشار المذهب الحنفي في العراق إلى تلاميذ الإمام أبي حنيفة الذين نقلوا آراءه ومواقفه، فأبو حنيفة لم يكتب كتابًا في الفقه، ولكن تلميذه الشهير أبا يوسف الذي وصل أعلى المراتب زمن هارون الرشيد، كان هو من ثبَّت المذهب الحنفي في بغداد حتى أصبح مذهب الدولة الرسمي، فقد ساعده مركزه بأن لا يُعيّن قاضي في أنحاء الدولة إلّا إذا كان من أتباع أبي حنيفة، وهكذا بدأ الأمر يتحوَّل إلى القضاء بمذهب معيَّن وإن كان القضاة أنفسهم من المجتهدين، الأمر الذي جعل الراغبين في تولّي القضاء ينتقلون من مذاهبهم إلى مذهب أبي حنيفة، حتى غدا المذهب الرسمي للدولة العبَّاسيَّة يسير القضاة عليه. كما ساعد أبو يوسف في تدوين آراء أبي حنيفة في كتب، وصل منها إلى أيدي الباحثين كتاب "الخِراج" وكتاب "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى". وعلى هذا الأساس يمكن القول إنَّ قاضي القضاة أبا يوسف هو الذي جعل مذهب أبي حنيفة مذهبًا لقاضي القضاة، وبالتالي للدولة العبَّاسيَّة. وكل من تقلَّد منصب قاضي القضاة بعد أبي يوسف كان على مذهب أبي حنيفة.
بقيام الدولة الفاطميَّة في مصر سنة 362هـ الموافقة لسنة 973م، أصبح هناك قاضي قضاة آخر في القاهرة، وظهر الانقسام في الخلافة الإسلاميَّة بوجود خليفتين: عبَّاسي في بغداد وفاطمي في القاهرة، ولكل منهما قاضي قضاة أحدهما على المذهب الحنفي والثاني على المذهب الإسماعيلي. ويُعتبر النعمان بن محمد قاضي قضاة الخليفة الفاطمي المعز لدين الله هو المؤسس الحقيقي للنظام القضائي الفاطمي. وقد تقلَّد الكثيرون منصب قاضي قضاة مصر، على المذهب الشيعي الإسماعيلي، مثل علي بن النعمان، وأخوه محمد زمن الخليفة العزيز بالله، والحسين بن علي النعمان وابن عمه عبد العزيز بن محمد النعمان زمن الحاكم بأمر الله. وبذلك يكون النعمان وولداه علي ومحمد وحفيداه الحسين والعزيز، قد تقلَّدوا جميعًا منصب قاضي قضاة الدولة الفاطميَّة. كما ساهموا في العمل للمذهب الإسماعيلي. وفي تلك الأثناء استمر الصراع بين الخلافة الفاطميَّة في مصر من جهة، والخلافة العبَّاسيَّة في بغداد والخلافة الأمويَّة في الأندلس من جهة ثانية، واتخذ طابعًا مذهبيًّا. واستمر الصراع المذهبي بين الخلافتين العبَّاسيَّة والفاطميَّة حتى استطاع صلاح الدين الأيوبي في النهاية إنهاء حكم الفاطميين في القاهرة سنة 567هـ الموافقة لسنة 1171م، والقضاء على المذهب الإسماعيلي في مصر بكل رموزه، بما فيها قاضي القضاة الإسماعيلي.
خَلَف صلاح الدين الأيوبي عمّه أسد الدين شيركوه في وزارة مصر سنة 565هـ الموافقة لسنة 1169م، وبعد وفاة الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، أصبح صلاح الدين الحاكم الوحيد بمصر. وبذلك انتهت الخلافة الشيعيَّة الفاطميَّة، وعادت مصر وباقي شمال أفريقيا وبلاد الشام إلى كنف الدولة العبَّاسيَّة، وصار اسم الخليفة العبَّاسي يُذكر في مساجد القاهرة. ومع الدولة الأيوبيَّة، أصبح قاضي القضاة الذي يلي مصر، على المذهب الشافعي، يُعاونه نائب قاضي قضاة على المذهب الحنبلي. ويُعتبر المذهب الشافعي مذهب أهل الحديث والرأي والقياس. وقد دوَّن الإمام محمد بن إدريس الشافعي مذهبه في كتابه "الأم". وقد زار الشافعي مصر حيث ساد مذهبه، ولم يكن له أتباع كثيرون في العراق رغم أنَّ قاضي قضاة بغداد أبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمذاني، تفقه على مذهب الشافعي. ومن أبرز من تقلَّد منصب قاضي قضاة مصر على المذهب الشافعي: علي بن يوسف وأبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي الشافعي.
بقيام السلطنة المملوكيَّة استمر المذهب الشافعي كمذهب لقاضي القضاة، ثم كان أهم تطوّر حدث في النظام القضائي على يد السلطان الظاهر بيبرس سنة 663هـ الموافقة لسنة 1265م، الذي قام بتحريم أي مذهب، عدا المذاهب الأربعة عند أهل السنَّة والجماعة (الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحنبليَّة). ذلك أنه عندما تقلَّد ابن بنت الأعز الشافعي منصب قاضي قضاة مصر سنة 1261م، اضطربت الأحوال بسبب اختلاف المذاهب مما اضطرَّ قاضي القضاة للتوقف كثيرًا في أمور تخالف مذهب الشافعي، وتوافق غيره من المذاهب. فأشار الأمير جمال الدين أيد غدي العزيزي على السلطان الظاهر بيبرس بأن يولي من كل مذهب قاضيًا مستقلًّا يحكم بمقتضى مذهبه، فأجابه إلى ذلك عندما تمَّ اجتماع في دار العدل يوم الإثنين 22 ذي الحجة سنة 663هـ، حيث اقتضى رأي السلطان تعيين قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب الأربعة، مع بقاء الرئاسة للشافعيَّة، وأصبحت لا تُقبل شهادة أحد، ولا يُرشَّح لوظائف القضاء أو الخِطابة أو الإمارة أو التدريس، إلّا إذا كان من أتباع أحد هذه المذاهب. وسنة 664هـ الموافقة لسنة 1266م، حذت دمشق حذو القاهرة وأصبح لكل مذهب قاضي قضاة، ثم أصبح في كل نيابة من نيابات الشام، أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة. واضطرَّ المماليك للتهديد باستعمال القوَّة العسكريَّة للقضاء على المذاهب الأخرى، وخاصَّةً رواسب المذهب الإسماعيلي الفاطمي.
عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي هو إمام أهل الشام "ولم يكن بالشام أعلم منه". ومن بيروت انتشر مذهبه في بلاد الشام، ثم في المغرب والأندلس، حيث ظلَّ الفقهاء يأخذون به مدة أربعين سنة. وزمن الأمير عبد الرحمن الداخل، مؤسس الإمارة الأمويَّة في قرطبة، كان قاضي الجماعة على مذهب الإمام الأوزاعي، وقد أدخل صعصعة بن سلام هذا المذهب إلى الأندلس أثناء انتقاله إليها. ثمَّ أدخل زياد بن عبد الرحمن اللخمي القرطبي المُلقب بـ"شبطون"، المذهب المالكي، في أيام الأمير هشام الأوَّل بن عبد الرحمن. وأخذ المذهب المالكي ينتشر في الأندلس على حساب المذهب الأوزاعي حتى أصبح القضاء والفتيا على المذهب المالكي، زمن الأمير الحكم بن هشام. وخلال عصر المرابطين طغى طابع المذهب المالكي على سياسة الدولة، وكانت زعامة القضاء راجعة لقاضي مراكش، عاصمة الدولة، الذي كان عضوا في مجلس الشورى والذي أصبحت له سلطة كبرى على قضاة المغرب والأندلس. واعتلى منصب قاضي الجماعة أو شيخ الجماعة زمن المرابطين عدة أعلام من المشيخة المالكية، أبرزهم ابن رشد الجد والقاضي عياض، وابن حمدين وابن الحاج القرطبي.
بعد انهيار السلطنة المملوكيَّة أمام الضربات العثمانيَّة سنة 1516م، وانتقال الخلافة من بني العبَّاس إلى بني عثمان، استرد المذهب الحنفي مكانته ليُصبح المذهب الرسمي للدولة الإسلاميَّة، مع استمرار المذهبين الشافعي والمالكي. وأصبح قاضي القضاة في الآستانة عاصمة الدولة العثمانيَّة يُعرف باسم "قاضي العسكر" وكان لفترة هو قاضي القضاة الأوحد. ثم عُيّن إلى جانبه قاضيان آخران أحدهما لأفريقيا والثاني لأوروبا. وخلال القرن التاسع عشر وحَّد والي مصر محمد علي باشا القضاء في مصر على المذهب الحنفي، وقد انتهج السلطان عبد المجيد الأوَّل منهج الوالي سالف الذِكر، فأقدم على تدوين القانون المدني العثماني كخطوة من خطواته التنظيمية، فجعل كبار الفقهاء والعلماء يجمعون التشريعات في ما أصبح يُعرف بمجلَّة الأحكام العدليَّة. تتكون هذه المجلة من ستة عشر كتاب أولها كتاب البيوع وآخرها كتاب القضاء، وكل كتاب يتناول موضوع ومكون من أبواب، وكل باب مكون من فصول. صدرت المجلة سنة 1882م، وهي تعتبر أول تدوين للفقه الإسلامي في المجال المدني في إطار بنود قانونية، على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.