اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
على مدى العقدين الماضيين، أظهر الباحثون أن الذاكرة البشرية ليست دقيقةً، كما نود أن نعتقد، فنحن نتذكر الأحداث بشكل عام، وننسى التفاصيل، وقد تشوه تلك التفاصيل، وتصبح غير دقيقة، وقد تضاف إليها تفاصيل أخرى ليست من الحدث الأصلي، وأحيانًا نحتفظ في عقولنا بذكريات لأحداث لم تحدث أبدًا، وهو ما يُسمى بالذكريات الزائفة أو الذكريات الكاذبة، تلك الذكريات الزائفة لها أهمية في بعض الأحيان، وفي أحيانٍ أخرى يكون لها عواقب وخيمة، خاصة إذا تم الإبلاغ عنها في المحكمة.
هل فكرت يومًا: ماذا سيحدث لو اكتشفت أن حياتك كانت مجرد كذبة؟ وأن ذكرياتك لم يكن لها حيز في الوجود؟ وأن ما ظننته حقيقة، كان نوعًا من السراب، وأن تلك الذكرى التي استوطنت قلبك وشغلت عقلك لم تحدث أبدًا، كيف ستتحمل ألم هذا؟ بل كيف ستحيا بعدها؟ ستقاوم؟ ربما، ولكن إلى متى؟ وأنت مع كل نفس تتنفسه، تجد أدلة تمحو ذكرياتك للأبد.. تظن أن هذا بعيدًا عنك، وأنه محال أن تقع في الوهم، فأنت تتسائل كيف لهذا أن يحدث وأنت تتذكر أدق تفاصيل يومك، وذاكرتك ليس لها حدود، وأنه لا يمكنك نسيان شيء مررت به، وأن ذكرياتك كيان مقدس لا يمكن المساس به؟ نعم، كل هذا صحيح ولكن في عقلك أنت، أما في هذا العالم فلا ضامن لك.
سآخذك معي في رحلة إلى عالم مجهول لم تعلم أن له وجود من قبل، عالم ممتع ولكنه مخيف، عالم الذكريات الزائفة، سأريك العالم من منظوري، سأحدثك كثيرًا عن هذا الأمر، ولكن احرص على تذكر مَن أنت وكيف كنت؟ لإنه حينما تدخل إلى هذا العالم لن تخرج منه كما كنت من قبل، سيتغير فيك شيء، سترى العالم بعين الشك، وستُقيم الأمور كما لم تقيمها من قبل، سيكون لك حسابات أخرى، وسيعمل عقلك بطريقةٍ مختلفةٍ، ستتشكك حتى في نفسك، وعقلك، وذكرياتك التي تقول من أنت، ستدرك إنه لا يمكنك الاعتماد على ذاكرتك، ولا يمكنك الوثوق في ذكرياتك بعد، وفي تلك اللحظة لن تستطيع الوثوق في ذكريات أحد.
ولكن لا تقلق، فكما أخذتك إلى هذا العالم سأعيدك من حيث أتيت، سأكسبك ثقة لم تكن لديك من قبل، سأضع لك أدوات تمكنك من الفصل بين كل ما هو حقيقي وما هو زيف،- باختصار- ستضاف لك قوة لن تكون مع أحد غيرك أنت، ولن تكون بعدها فريسةً أبدًا للأوهام، أو إيحاءات الآخرين، ستقف على أرض صلبة، لن يستطيع زعزتها أحد، فلن يستطيع أحد تضليلك ثانيةً أو التلاعب بك وبذكرياتك وبالحقائق الثابتة في حياتك، ولكن آمل ألا تستغل هذا العلم للإيقاع بمن هم في حالة ضعف، وألا تتلاعب بعقول غيرك وتستمتع بتضليلهم، بل كن جند من جنود الله، واجعل هذا الكتاب وسيلة لنصرة مظلوم، وأعِدْ إلى من تم التلاعب به ذكرياته.
فقد وضِع هذا الكتاب ليكون أملاً للمظلومين الذين أدخلوا السجون، نتيجة لشهادة باطلة مبنية على ذكرى زائفة، أو نتيجة لاتهام زائف وجه إليهم، أو اعتراف زائف على أنفسهم بارتكابهم أمورًا لم يفعلوها، وهم يظنون بحقيقة ارتكابهم لها، وليكون خُطوة نحو تحقيق العدالة، مُبصرًا لكل المختصين في المجال الجنائي بتلك الظاهرة الخطيرة المسماة "الذكريات الزائفة"، والتي كانت سببًا لإيداع الآلاف في السجون ظُلمًا.
فلهذا الكتاب أهميةٌ خاصة لدى المحققين والمحامين والمستشارين، ليدركوا الطبيعة الخاصة لشهود العيان، وليكونوا حذرين عند استجوابهم، والاستماع إليهم، والاستناد إلى أقوالهم، وله أهمية كذلك لدى الأطباء النفسيين؛ ليدركوا أن أساليبهم في علاج مرضاهم يمكن لها أن تضيع فرد من المجتمع بل مجتمعات بأكملها، وترمي بنظام العدالة إلى الهاوية، كما أن له أهمية عامة لدينا جميعًا، فيفتح هذا الكتاب أعيننا ويُبصرنا بظاهرة يُعاني منها الجميع، ولكننا لا نعلم شيء عنها، ويكون أيضًا سببًا لنفهم طبيعة ذكرياتنا وذكريات الآخرين؛ مما يؤدي إلى تحسين العلاقات فيما بيننا، ونتفهم رواياتنا المختلفة لنفس الحدث الذي شهدناه بأنفسنا.