اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تدل الآثار أن مناطق غربي آسيا ومنها لبنان كانت مستوطنة منذ العصر النياندرتالي. إلا أنه لا يوجد الكثير من الدراسات عن الإنسان الأول الذي عاش على السواحل الشرقية للبحر المتوسط الا البقايا العظمية والأدوات والتقنيات المستعملة في تلك الحقبة.
ويعود ذكر تاريخ لبنان المدون إلى 5000 سنة. دعا الإغريق سكان هذه المناطق بالفوينيكوس (phoinikies) والتي تعني البنفسجيين وذلك نسبة للون البنفسجي الذي طغى على ألبستهم وللصباغ الأرجواني الذي اشتهروا به. وهكذا عرفوا بالفينيقيون في الآثار القديمة. كما سمي أهل مناطق البقاع بالأمورو نسبة إلى الشعوب الأمورية. إلا أن اهالي هذه البلاد أطلقوا على أنفسهم اسم "تجار صيدا" أو تجار من صيدا وأطلقوا على على بلادهم اسم "لبنان".
خلال الفترة الفينيقية، كانت شعوب غربي آسيا مؤلفة من ممالك مستقلة كل في مدينة ساحلية. وكانت تشتهر كل مدينة بحسب صنعة أبناءها. فمدينتي صيدا وصور اشتهرتا بتجارتيهما البحرية. أما مدينة جبلا التي اشتهرت ببييلوس (واليوم تعرف بمدينة جبيل) فاشتهرت بمراكزها الدينية وتجارتها مع مصر القديمة ما بين 2686ق.م و2181 ق.م بحيث صدّرت خشب شجر الأرز وزيت الزيتون والنبيذ واستوردت الذهب من وادي النيل. واشتهرت مدينة بيريتوس (الاسم ألإغريقي لبيروت) بتجارتها ومراكز العبادة.
وتتعدد المواقع الأثرية الفينيقية المكتشفة في لبنان، خصوصا بعد تطور أساليب وأدوات التنقيب والبحث عن الآثار.
معظم المدن الفينيقية الواقعة تحت النفوذ والحكم والإدارة الفينيقية هي مدن ساحلية باعتبار الحضارة الفينيقية حضارة ملاحة وتجارة بحرية. باستثناء مدينة بعلبك مدينة فينيقية داخلية ونقطة وصل بين شريط المدن الساحلية في غرب المتوسط والمناطق والمدن الداخلية وحضارات ودول الشرق الأوسط القديم.
تعتبر المدن اللبنانية وريثة مدن ومواقع الحضارة الفنيقية القديمة، وبفضل الإرث الأركيولوجي والحضاري الفينيقي ومواقعها التاريخية دخلت أربعة مدن لبنانية إلى قائمة صادق عليها (اليونسكو) تضم أقدم 10 مدن على وجه الأرض، حيث احتلت بيروت المركز العاشر، واحتلت صيدا المركز السابع، فيما احتلت مدينة جبيل المركز الثاني لأقدم مدن العالم. حيث سكنها الفينيقيون في عام 5000 قبل الميلاد، وكحال كل المدن القديمة فقد سكنها العديد من شعوب الحضارات القديمة، مثل الأشوريين والبابليين والإغريق ثم الرومان الذين شيدوا هناك واحد من أكبر المسارح الرومانية.
هذه قائمة لأهم المدن الفينيقية الرئيسية في لبنان:
تتألف من اثنين وعشرين حرفاً تتبع ترتيب (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت) وتكتب من اليمين إلى اليسار، واستخدمت في المنطقة الساحلية لشرقي البحر المتوسط في الفترة ما بين 1200 و500 قبل الميلاد أي العصر الذهبي لكنعان-فينيقيا. ولم تقتصر الكتابة بها على اللغة الفينيقية الكنعانية وإنما استخدمت في كتابة أغلب اللغات السامية الشمالية الغربية.
عثر علماء الآثار في مدينة صيدا اللبنانية على 160 مقبرة كنعانية وفيها وجدت جرار كبيرة تعود إلى ما بين 1900 و1550 سنة ق.م، بحسب مديرة الموقع كلود ضومط سرحال. بمساعدة "معهد ويلكام تراست سانغر" الإنكليزي المتخصص في استخدام تقنيات جديدة لجمع عينات الحمض النووي، تم إيجاد 5 هياكل عظمية لكنعانيين عاشوا بين عامي 3750 و3650 ق.م يمكن استخراج الجينوم منها، وجرت مقارنتها بقاعدة بيانات المعلومات الجينية حول مئات السكان، ثم بجينومات 99 لبنانياً يعيشون حالياً في البلاد، تؤكد الدراسة أنه جرى اختيارهم بعناية ودقة تراعي متطلبات الدراسة الجينية.
أثبتت الدراسات أن المقبرة الفينيقية في صيدا التي استخرجت منها عظام قابلة لاستخراج جينات في المختبر، أن الفينيقيين شعب كنعاني، شرق أوسطي، واللبنانيين الحاليين كنعانيين بنسب عالية، المتاربطة بنفس خريطة شعوب الشام المجاورة وبلاد ما بين النهرين، واستنتجته دراسة رفات المقبرة الفينيقية أن الرفات القديمة في موقع فينيقي قديم يحوي كذلك أدوات فينيقية، هي نفس الجينات المميزة لشعوب الشرق الأوسط القديم، وهي (j) بتفرعاتها بشكل عام، وهو نفس الجينوم للشعب الفينيقي حسب دراسة رفات المقابر الفينيقية.
هذا ما خرجت به الدراسة الجديدة التي نشرت نتائجها "المجلة الأمريكية لعلم الوراثة البشرية" (The American Journal of Human Genetics). وإن كانت جينومات أخرى فقد انصهرت بشكل عام مع عامل الزمن مع الأغلبية.
وتوحد الخريطة الجينية أصول اللبنانيبن على اختلاف طوائفهم مع الشعوب الكنعانية في الشام إلى بابل وبلاد ما بين النهرين.
إن جينات الكنعانيين لا يبدو أنها تغيرت كثيراً منذ العصر البرونزي وحتى اليوم، كما أظهرت النتائج. إن علوم الوراثة تمتلك من الدقة والوضوح العلمي لتوضيح المسارات التاريخية وفتح الغامض وكشف المطمور، وتجيب عن أسئلة وإشكالات لا تجيب عنها السجلات التاريخية خصوصا أن العديد من الوثائق والمواقع والسجلات للعديد من الحضارات الغابرة تعرضت للتخريب أو للتلف والدمار عبر صراعات الزمن أو بفعل عامل الزمن نفسه وتعاقب الدول.
إن كشف خفايا الماضي المشترك يُفترض أن يوحد اللبنانيين على اختلاف طوائفهم نحو وطن واحد، وتمازج وتشارك واختلاط جيني عبر الزمن، ينسف التفرقة الطائفية والنعرات العنصرية، علاوة على توحيد اللبنانيبن على الوطن الأم الواحد، بساحله الذي كان بوابة الشام والشرق الأوسط عبر المتوسط أو بجبله حيث مورست التقنيات الأولى للزراعة ومن أشجاره صنعت أقدم السفن التي توغلت في ربوع العالم القديم. مهما اختلفت الطائفة واللون فالأرض الأم وتربتها التي روت الإنسان عليها، واحتضنته في حياته ومماته، هي عامل توحيد أكثر ما تفرق، تحت السقف الواحد للوطن الأم.. وطن جميع اللبنانيين.