اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تشكل مدرسة مار يوسف - زغرتا صفحة مميزة من تاريخ زغرتا الحديث والمعاصر ولعلها تختصر بشكل من الاشكال، قسمات وملامح هذا التاريخ. فمنذ نشأتها وطوال ثلاثة قرون متواصلة، ما تزال جدران هذه المدرسة تلقي بثقلها على جدران كنيسة سيدة زغرتا الملاصقة لها. وتعتبر أقدم المدارس النظامية في الكنيسة المارونية ولبنان. ومدرسة مار يوسف زغرتا هي ثمرة مبادرة شخصية من قبل مطران اهدني مولع بالعلم هو جرجس بن سركيس عبيد الاهدني الملقب بـ «بنيامين». كانت المدرسة منذ انشائها رائدة في القرن السابع عشر، وكانت برامجها الدراسية شبه نظامية من حيث تنوع المواد وتدرجها وفقاً للعمر ومستوى الاستيعاب. وكان اساتذتها من ذوي الاختصاص والخبرة، واضطلعت بدور أساسي في نمو الحياة التربوية والثقافية في زغرتا والشمال منذ اواخر القرن السابع عشر حتى اواسط العشرين.
تمّ اولاًَ بناء الاقبية المحاذية للكنيسة التي كانت صفوفاً لأحداث البلدة على ان تكون مجانية. بعدها شيّد المؤسس غرفاً علوية لسكن الاساتذة، الذين كانوا من ذوي الاختصاص وقد بقيت الاقبية القديمة على حالها حتى اليوم. وفتحت الكنيسة أبوابها اواخر العام 1696 واستقبلت المدرسة الطلاب من زغرتا والشمال حيث كانت صفوفها تتدرج صعداً وفقاً لأعمارهم. وكانت مواد التدريس تلقّن تدريجاً بالنسبة إلى مستوى الصفوف والاعمار.
العام 1733 عهد مؤسس المدرسة بإدارة شؤونها إلى الآباء اليسوعيين واشترط عليهم ان يعلّموا احداث زغرتا والقرى المجاورة مجاناً، وان يشرحوا التعليم المسيحي للشعب ايام الآحاد والأعياد كما يتبين من الصك الذي دوّنه الاب فرنسيس رتز رئيس عام الرهبانية اليسوعية بهذا الشأن. وفي السنة 1898 استلم المدرسة المونسنيور بولس الخوري يوسف سليمان معوّض الاهدني وجعل من ازدهارها هدفه الأساسي فكرّس لها كل اوقاته ونشاطه. وبالفعل فقد عرفت في ايامه تقدماً وازدهاراً ما جعل من ذلك العهد عهدها الذهبي. وقد تخرّج فيها طلبة كثيرون ألّفوا نواة النهضة الادبية الحديثة في زغرتا والزاوية. وتقلّبت حال المدرسة بين النجاح والاقفال بعد أن تعاقب على ادارتها عدة مدراء من البلدة ومن خارجها حتى العام 1933 حين تسلمها الاب سمعان عاقلة الاهدني، فاستقدم عدداً كبيراً من الاساتذة والمربين القديرين وجعل الطابق السفلي مدرسة مجانية للأولاد الفقراء، ونال من الحكومة الفرنسية مساعدة مالية سنوية زادت سنة بعد سنة. كل هذا جعله يحوّل المدرسة معهداً مجانياً بالكامل لطلاب زغرتا وجوارها من فقراء وميسورين يتلقنون فيه الدروس المختلفة بالعربية والفرنسية لغاية الصفوف العليا. وظلت المدرسة سائرة في معارج التقدم والنجاح حتى العام 1947 حين استأجرتها الحكومة اللبنانية من وكلاء وقف زغرتا وجعلتها مدرسة حكومية رسمية، كما هي حالها اليوم.