اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
طلبت مني صديقتكم زهراء حيدر أن أتحدث عن مخاوفي، دون أن تحدد أي نوع من الخوف تقصده: فما طبيعته؟ وما أوقاته؟ وما درجته؟
استدعاني ذلك للعودة بالزمن إلى عام 2023، حين كنت طالبة في السنة الثانية من كلية الآداب. كنت أعيش مع عائلتي الصغيرة، أبي وأمي وأخويَّ الاثنين، في شقة بإحدى عمارات حي الرمال.
أتذكر أنني في تلك الفترة كنت أخاف من الظلام. ربما بسبب خيالي الواسع الذي ينسج صورًا غريبة تجعلني أرعب نفسي. ومع ذلك، لم يكن خوفًا عاديًا، بل كان له لذة خاصة، أشبه بلذة من يتابع أفلام الرعب. أستطيع أن أطلق عليه "الخوف اللذيذ"؛ مثل خوف المرء من هدير الأمواج العاتية أو من صوت حوت يتردد في أعماق المحيط.
قد تستغربون، لكن هناك من يعيش هذا النوع من المخاوف حتى عبر مقاطع الفيديو. بل إنهم أنفسهم من يبحثون عنها ليغرقوا في التجربة، كأن الخوف عندهم متعة بحد ذاته.
هكذا كان الظلام عندي: مساحة أطلق فيها سرابًا أصنعه من خزانتي الذهنية. ومع ذلك، لم أبوح بهذا لأحد من قبل، حتى لا أتيح فرصة استغلاله ضدي. أخويَّ كثيري المزاح، والأولاد عادةً يحبون المقالب دون التفكير في العواقب، إذ ينشغلون بمتعة اللحظة. أما أنا، فكان يؤرقني التفكير: ماذا لو عشت لحظات الظلام فعلًا ولم أستطع أن أفصل بين الخيال والمقلب، واعتبرت كلاهما واقعًا؟
أوه، أمي تناديني الآن. عليّ أن أذهب إلى دوامي، وعند عودتي سأكمل هذا الواجب الذي طلبته مني زهراء. إلى أن أعود، أخبروها أن أعمالها تستحق الجهد، واطلبوا منها أن تستمر في الوقوف معنا بفنها. والآن، سأخرج.
عند خروجي، كعادتي، كنت أترقب زميلتي ورفيقة دربي لنكمل الطريق معًا إلى الجامعة، لكنني لم أجدها هذا الصباح، فتذكرت أنها أخبرتني مسبقًا بأنها في إجازة. الطريق بدونها بدا أطول، والمشي منفردة أشعرني وكأنني وحدي في عيون الجميع. أعلم أنه مجرد وهم، لكنه ظل يثقل خطواتي، فحاولت أن أسرع دون أن أفقد اتزاني أو أخل بأدب الطريق واحتشامي.
جامعتي ليست بعيدة، وأذهب إليها سيرًا. أجمل ما في الأمر أنني أحصل على رياضة صباحية إجبارية، وأتذوق حياة المدينة من حولي. في ذلك الوقت تشتد الازدحامات؛ أصوات السائقين وأبواق السيارات تتعالى، والباعة المتجولون ينادون، فيما تختلط نقاشات الطلاب بمرحهم وضحكات الأطفال. هذه الضوضاء، أو ما قد يسميها البعض فوضى، أراها أنا دليلًا على الحياة.
ومررت بالمخبز الذي تفوح منه رائحة المعجنات الزكية، فحولت نظري عنه ومشيت. هل رآني يا ترى؟
عند طفولتي كنا جيرانًا، وكان هو يأتي مع جدته عند زيارتها لجدتي المريضة. كما أنني كنت أذهب إليهم مع عماتي، وفي بعض الأحيان نلتقي في الشارع فنلعب معًا، نحن والقليل من أصحابنا المقرّبين لنا، والمسموح أن نلعب معهم من قبل عائلتينا.
ومع تسجيلي في الدراسة الابتدائية، بدأت شيئًا فشيئًا ألعب مع البنات دون الاختلاط بالأولاد، ومن ثم توقفت عن الخروج للشارع إلا ما ندر. صرت أراه فقط في المناسبات أو لقاءات الأقارب والجيران. ورغم أننا لا تربطنا بهم صلة قرابة سوى الجيرة، إلا أنهم كانوا مقرّبين من عائلة أعمامي.
وقبل أن أبلغ سن التكليف افترقنا نهائيًا. أما كيف عرفته الآن، ففي أثناء حديث عمي في إحدى زياراته لنا ذكره بشكل عرضي، دون تفاصيل: "حفيد الحاجة أم سليمان لديه مخبز هنا"، وذكر العنوان بالتحديد.
وقد كنت، قبل أن أعرفه، أشعر بانجذاب نحوه، انجذاب نقي، عفوي وبسيط. ومنذ أن تولّد لدي شعور حلو، بدأت أتفادى النظر نحوه.
ورغم ذلك، في اليوم الذي ألمحه فيه هناك، واقفًا أمام الباب يتحدث بودية مع زبائنه وأحيانًا يلاطف الأطفال، أشعر بالارتباك الداخلي. وفي الصباحات التي لا يكون فيها، أشعر أن صباحي ينقصه شيء. لا أعرف سبب تأثر مشاعري به، لكنني أعتقد أنه يكن لي مشاعر.
هو أيضاً خلوق، محترم، لا ينظر هنا وهناك، ولا يلفظ كلمات مخجلة، ولا يعلو صوته. وحتى نحونا، لا ينظر مباشرة، لكنني أرى ارتباكه حين أمرّ بصحبة زميلتي، حينها أتمكّن من رؤيته دون أن ألفت النظر ودون أن يراني مباشرة. كأنه يترقّب مجيئي، وما إن أصل يتلكأ في كلامه مع من حوله، وما إن يلمح وجودي حتى يتجنب النظر إليّ بهدوء.
وهنا ينشأ نوع من الخوف: القلق حيال ما أعتقده. فقد يكون مجرد وهم، فقد لا يراني سوى فتاة عادية كباقي البنات، ولا شيء فيه يخصني. ماذا لو توقعت أنه منجذب لي، ثم يتضح أنه منجذب لصديقتي؟ وهناك خوف آخر أيضًا: الخوف من أن يشعر بما في داخلي.
وأخيرًا وصلت إلى جامعتي، الهواء عاصف اليوم، مما جعل العلم في الداخل ينتفض، يشبه شعبه، يقف بوجه الريح ولا يستسلم لها، يصفعها كلما اقتربت، وهو ثابت في أرضه. يصدر صوت لطمات عالية يشد من عزمنا على توحيد صفنا، فلكل طالب هنا رأي وأسلوب ولهجة، مكوّنين كتائب العلم والمعرفة، نسعى معًا لتحقيق حلم وهدف واحد.
على حين غفلة سُحبت يدي، فبهتُّ، ثم تبعت صديقتي عند جريها. إذ أنقذتني من التأخر عن المحاضرة وتوبيخ أستاذي؛ إنه صعب، حازم، حريص على مادته، شديد في منح الدرجات. ومع ذلك، فهو مفيد لإعدادي ككاتبة يومًا ما، ويجعل إنتاجي ذا قيمة قد يلمع بجانب رضوى عاشور، كاتبتي المفضلة. لكن يتملكني الخوف من أن يعيقني هو وأمثاله عن تحصيل معدل عالٍ يؤهلني لإكمال دراستي العليا، فينشأ خوفي من الفشل.
انتهت طاقتي مع انتهاء آخر محاضرة، وعدت مرهقة، لا أشعر بقدمي. نفس الطريق الصباحي بدا مختلفًا؛ الهدوء خيّم مكان انتعاش النهار. قرب المخبز اعترضني شاب بملابس متسخة وشعر منكوش، واضح أن أهله حاولوا الاعتناء به رغم فقده العقل. وقف قبالتي وحدق في وجهي بطريقة أربكتني. عيناه المفتوحتان تتوسطهما عدسة خضراء ممزوجة بأزرق، فرغم خوفي شدني جمال دمج الخالق للألوان. فجأة ضحك، ثم بكى ونحب، وقبل أن أتحرك صرخ في وجهي: "إنهم قادمون!" ارتجف جسدي كقصبة في عاصفة، وأغرورقت عيناي.
وبينما كانت رؤيتي مشوشة، سمعت صوت شاب يناديني باسمي: "أنا هنا، لا تخافي." أخذ المجنون وأبعده عني قائلاً له: "اركض للبيت، فهم قريبون." وفعلاً ركض بعيدًا. التفت إليّ: "هل أنت بخير؟"
– "أعتقد ذلك، شكرًا." قلتها بخجل وعيناي نحو الأرض. أسرعت بالمشي حتى زال خوفي، لكن خطر ببالي: إنه يعرفني! هل كان ينوي قول شيء قبل أن أبتعد؟ ليس من الجيد وقوفي مع شاب في الشارع، وعليّ التخلص من هذا التفكير كي لا أتعلق بخيال ينتهي بخيبة. فحوّلت تفكيري إلى دراستي وما يجب أن أحسّنه، وهكذا أمضيت الطريق.
عند وصولي وجدت أمي قد أعدّت السماقية، أكلتي المفضلة. غمرني شعور الطمأنينة الذي أنساني كل ما مررت به. تناولت غدائي، اغتسلت ونمت بنية نصف ساعة، لكنني استيقظت على أذان المغرب.
كان اليوم التالي جمعة. من فعالياته التي أحبها الاستيقاظ مبكرًا للفطور مع والديّ. أما أخوي الكسولان فيستيقظان متأخرين فيفوتهما ذلك. يجلس أبي أمام الأخبار، فلا جديد، ثم يضعه على القرآن الكريم، فيكون إعلان بدء التنظيف الجماعي. بعدها نغتسل ونذهب للجامع، ثم يحل وقتي الذهبي بعد الغداء، حيث البيت هادئ وأنا أتابع حلقة مسلسلي الأسبوعية. والعصر هو المفضل لدي؛ أحب أن أتزين فيه وكأنني البطلة المتواضعة في مسلسل تركي. تفاصيل صغيرة تمنحني راحة.
طرق الباب عصر ذلك اليوم، ففتح أخي ونادى أمي. دخلت سيدتان وقورتان، رحبت بهما أمي بحرارة وأدخلتهما. غلبني الفضول فدخلت لأحييهما وقدمت لهما الضيافة، فنظرتا إليّ نظرة فاحصة أربكتني. قالت إحداهن: "ما شاء الله، كبرتِ وأصبحتِ جميلة." ابتسمت وأجبتها: "أنتِ الأجمل."
عرّفتني أمي بهما: الخالة أم ياسين، وأم محمود زوجة أخيها. تذكرت أنهما جارتانا القديمتان. تبادلنا المجاملات والذكريات عن طفولتي وألعابي، ثم خرجت لجلب باقي الضيافة. سمعت حديثهن مع أمي عن الحادثة التي أخفيتها عنها، فاستغربت، لكنها تفهمت الأمر.
بعد أن غادرن نادتني أمي على انفراد. سألتني عن الحادثة، فشرحت لها، ثم أخبرتني أن أم ياسين جاءت تطلب يدي لابنها، وقد أنهى دراسته ويسعى للماجستير، ويدير مخبزه الخاص، وهو شاعر أيضًا. لم أعرف كيف أصف شعوري بين الدهشة والخجل. حاولت أن أبدو متزنة وقلت بخجل: "رأيي من رأيكم."
مرّ هذا الأسبوع ونحن نتقلب في الآراء تقلبًا يرهق الروح. إن اتفقنا في الصباح على القبول، جاء المساء فغيّرنا رأينا إلى الرفض. التفكير في الأمر مربك، فالخوف يطغى على أي حماسة. نخشى أن يكون الزواج عثرة في طريقي بدل أن يكون عالمي. ماذا لو رزقت بطفل وأنا طالبة، هل أستطيع أن أوازن بينهما؟ وأما خيار أن نؤجل الزواج لما بعد التخرج، فمعناه خطوبة طويلة، والخطوبة الطويلة تجلب خلافات لا داعي لها. أما الرفض… فهو شخص مناسب، لا يعيبه شيء، عائلته معروفة بسمعتها ونسبها وأحوالهم الميسورة. فلماذا لا؟
أما أنا، فكل ما حولي يتحدث عن الزواج، ليس عائلتي فقط. حتى الهاتف صار يعرض أمامي محتوى لا ينقطع: مرة يخيفني من الزواج حتى يجعله جحيمًا، ومرة أخرى يصوره مثاليًا مفرطًا كأنه حياة وردية. أدهشني حجم هذا الضخ، أدرك أن الهاتف يستمع إلى ما يدور بيننا من حديث.
فتركته جانبًا ولم أعد أستخدمه إلا للاتصال، فهذا عمله الاستثمار في مخاوفنا ويغذيها عمدًا، فهي أقوى أنواع المشاعر التي تجذب المشاهدات وتبيع منتجات لا تفيد ولا تضر بغاية الراحة، وقد يوازي هذا محتوى الفضائح.
وفي هذه الأيام جاءنا خبر صاعق: أخ رفيقتي جُلب شهيدًا. لم نكن نعلم أنه من عناصر المقاومة، وكثيرون مثلهم لا يفصحون عن انتمائهم حتى لعائلاتهم. نكتشف ذلك فقط عند الإصابة أو الأسر أو الاستشهاد. رحم الله الجميع وحفظ من بقي.
وسط هذه الأجواء جاء الأربعاء بخير. استخار أبي، وبعدها اتصلت أمي بأم ياسين وأخبرتها بموافقتنا. وفي اليوم التالي زارتنا عائلتهم، جاء معهم بعض أعمامي وشخصيات معروفة من وجهاء المنطقة. تمت الخطبة رسميًا بقراءة الفاتحة.
كنت أشعر كأني في حلم خفيف مريح. مجرد إعجاب صغير وفضول لمعرفة إن كان يهتم لأمري أم لا، تحول إلى خطبة حقيقية. كم هو جميل أن يعبّر الرجل عن مشاعره بأسلوب حضاري ورجولي. بقي سؤال يراودني: هل سأستطيع أن أرفع عيني إليه عند مروري بمخبزه؟
جاءت الجمعة ببركتها وهدوئها. لم يعكر صفوها سوى كتبي، فلدي امتحان صعب يوم الأحد. كلما أنهيت موضوعًا وعدت لآخر، أشعر أن ذاكرتي تمحو ما سبق، فأعيد وأكرر بلا جدوى. اجتاحني الوجل من أن يستمر الحال هكذا، فبكيت.
استيقظنا السبت على خبر غير مسبوق، كان أشبه بمعجزة. اقتحام المستوطنات بطائرات شراعية، انها من عمل المقاومة، مشاهد بدت أغرب من الخيال. رأينا دبابات يستحوذون عليها، وجنودًا يفرّون، ومدنيين يتجولون في شوارعهم يصورون أنفسهم بمواقف مضحكة. حتى أن بعضهم امتطى حصان الشرطة الأسود.
امتلأت مواقع التواصل بالاحتفالات، وحتى في شوارعنا كان الناس يضحكون ويغنون. شعرت أن الكون كله يتسع في لحظة واحدة، وأننا لسنا سوى عائلة كبيرة موزعة على بيوت متعددة. فرحت بأن شعوبنا تحتفل معنا، وتخيلت أننا سنخوض معاركنا معًا، ونشارك ذات المصير.
خبزنا الكيك وحضرنا العصير ووزعناه على الجيران. جلست مع أمي في الشرفة نراقب المارة، وكل شيء فينا كان مغمورًا بالبهجة. لقد كان يومًا يفوق ألف يوم في سعادته.
ما إن حلّ يوم الأحد المنتظر، استفقنا على أصوات الرصاص والانفجارات. لم يكن أحد يعرف ما يحدث بالضبط، فجميع الأصوات كانت مفاجئة وغير مألوفة، والمشهد العام ملؤه الارتباك والفزع. هرع الناس إلى داخل منازلهم، يحتمون بأماكن آمنة، ويحاولون فهم ما يجري حولهم.
رغم ضعف بعض خطوط الاتصال، كانت التوصيات والرسائل تتوالى عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل، تهدف لتهدئة الناس وتوجيههم للاستعداد لأي طارئ، مما ساعد الأهالي على اتخاذ بعض الاحتياطات.
من خلال متابعة ما كان يصلنا، فهمنا أن الحرب قد بدأت، وأنها حرب انتقامية واضحة. عدونا لا يحترم القوانين ولا يبالي بالخروقات، فلطالما فعلها في الحروب السابقة. ومع ذلك، شعرت بشيء من الأمل بأنه سيهزم، وأن جميع الشعوب العربية ستقف معنا، هذه المرة لسنا بمفردنا.
وصباح الاثنين كان مكملًا لأحداث الأمس، دوّى قصف قريب. عاد أبي من مشواره وهو مصاب بذراعه، شظية أصابته. التففنا حوله فرفض أن نفزع: "أنا بخير، مجرد جرح." ضمّده محمد، واتضح أن إصابته طفيفة. جلس أبي بيننا وقال بجدية:
"كل واحد يجهز حقيبته، يضع حاجاته الأساسية والأوراق الرسمية قرب الباب. أغلقوا النوافذ. أنزلوا المرايا والصور واللوحات الزجاجية، وغلفوها بالقماش. اجلسوا في الأماكن الأكثر أمانًا، قرب الجدران وبعيدًا عن الشبابيك."
مرت يومان آخران ونحن على هذه الحال. شعرت أنني محتجزة. الهواء ثقيل. أمي تتحدث في الهاتف: "لا يا أختي، لا ترسليه بهذا الوضع. إن وصل فلن أرجعه حتى أتأكد أن الطريق آمن." أبي يستمع إلى الراديو في غرفته. إخوتي يجلسون عند الحائط يتناقشون.
خرجت إلى الشرفة. الجو كان ربانيًا، شمس الصباح أرسلت دفئها على ثوب الصلاة الذي ارتديته. المارة هادئون، الجميع محترس مثلنا. في الأفق دخان يتصاعد من بناية قصفت ليلًا.
وفجأة، حملني انفجار عاصف. ارتطمت بالحائط، طنين في أذني، غبار كثيف ملأ المكان. كل شيء صار رماديًا. فمي وأنفي امتلآ بالتراب، جفناي أثقلهما الرماد.
هناك مقذوف سقط بقربي أثناء ارتطامي، شيء مكور يخرج منه دخان، لا يتضح فالأسمنت والتراب مندمجتان يغطياه، حركته بعصا ويداي ترتعشان محاولة معرفة ماهذه الكتلة الغريبة، هل يمكن أن تكون حمامة متفحمة؟ فأنكشف لي أنه وجه بشري وبقايا جمجمة ملتصقة به.
شهقت وزحفت، جسدي كأنه ورقة تتراقص على شجرة خاوية من شدة الهول. حاولت إقناع نفسي أنه وهم، أنني تخيلت. عدت لأقترب، مسحت الغبار بيدي. الملامح ظهرت ببطء، عينان مغمضتان، وجه أعرفه… خطيبي.
ارتجفت أكثر، وغصّت عيناي بالدمع.
"لا… ليس هو…" كررتها بإصرار، لكنه كان هو. لم يعد مجال للإنكار. انسدلت ستارة سوداء على عيني.
أصبح الخوف أكثر قسوة منذ تلك الحادثة، وشيئًا فشيئًا وجدتني أخاف من كل الاحتمالات. أواجه ذلك بالقرآن لأستمر ولا أستسلم له.
أنا الآن في خيمة أشاركها مع عائلة لها مصائبها، أما عائلتي فلم يبقَ منها سواي. عليّ أن أذهب الآن.
أما ما أخافه حقًا، في هذه اللحظة، فهو أن أستسلم… أن يهزمني الإرهاق.