اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
محمود يوسف فجال (23/03/1939 - 24/12/2015)، من علماء النحو والصرف واللغة في العصر الحديث، الملقب بشيخ النحاة، ولد في عام 1939م بمدينة حلب في سوريا، نشأ منذ نعومة أظفاره مُحِبًّا للعلم والعلماء، فأخذ العلم في مدينة حلب عن كثير من العلماء، من أبرزهم العلاَّمة الشيخ محمد النبهان، والشيخ عبد الرحمن زين العابدين، والشيخ حامد هلال، والشيخ عبد الله سراج الدين، والشيخ أسعد عبجي، والشيخ عبد الوهاب سكَّر، والشيخ سامي البصمجي، وفي مدينة دمشق عن العلاَّمة الشيخ عبد الوهاب الحافظ الشهير بدبس وزيت، وعن العلاَّمة الشيخ إبراهيم اليعقوبي، والشيخ حسن حبنكة الميداني، وفي القاهرة عن العلاَّمة الشيخ محمد رفعت محمود فتح الله، والعلاَّمة عبد السلام محمد هارون. وقد تصدَّر للتعليم في مدينة حلب في دار نهضة العلوم الشرعية، وفي الحلقات العلمية، وكان خطيبًا في مساجد عِدَّة، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه العالمية من جامعة الأزهر ارتحل إلى المملكة العربية السعودية فدرَّس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية خمسةً وعشرين عامًا في مدينتي أبها والأحساء، ثم انتقل إلى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مستشارًا لمعالي الوزير الشيخ صالح آل الشيخ، حتى توفي في الثاني عشر من ربيع الأول لعام 1437هـ، الموافق 24/12/2015م .
كان منقطعًا للعلم والتعليم والدَّرس والبحث، منشغلاً منهمكًا بها، كَتَبَ على باب غرفته في المسجد أيام طلب العلم: (وقتي ثمينٌ ووقتك)؛ لئلا يُضيِّع وقته أحد في غير العلم. وَصَفَهُ شيخُه علامةُ الشام الشيخ إبراهيم اليعقوبي بِوُفور العقل، وَشِدَّةِ الذكاء، والجِدّ في الطلب. وكان زاهدًا في متاع الدنيا، متواضعًا، ويتمثل بقول القائل:
يُحِبُّ العِلْمَ والتعليمَ والبحث والتأليف، وكان منزله في القاهرة كالجامعة يقصده الباحثون في الدراسات العليا؛ للنهل من علمه وحلّ مشكلاتهم العلمية. يحبُّ مجالسة أهل العلم والصالحين، ويترنم بالذكريات معهم، ويتمثل بقول القائل:
ليس له التفات إلى الدنيا ومتاعها وزينتها مهما آتاه الله -سبحانه- منها، لا يُحب التلفاز، ولا يشاهده، ولم يدخله في بيته؛ لما فيه من ضياع للوقت وسفورٍ ومحرمات، وكان يعتني بصلاة قيام الليل، وصلاة الضحى، وصلاة الأوابين التي بعد صلاة المغرب، ويقول: «طالب العلم لا يقطع صلاتي قيام الليل والضحى». وكان ملتزمًا بزِيَّه الثوب والعمامة الحلبية في كلِّ مكان وكلِّ زمان، منذ صغره، ولم يترك العمامة قط، ولم يلبس غيرها.
طَيِّبُ الفِعال، محمودُ الخِصال، يحرص على توجيه النصح والإرشاد للصغار والكبار، بمحاسبة النفس حسابًا عسيرًا، وترك الغيبة والنميمة والكذب، والعناية بالعلم، والحفاظ على الوقت، وترك مماراة الجهال والجدل معهم. يعطف على الفقراء والضعفاء والمساكين والأيتام، ويوجه أبناءه وطلابه إلى عدم الاستهانة بأي شخص، فقيرًا كان أو غنيًا، ضعيفًا كان أو قويا، فالاحترام للجميع من غير تفرقة بأي اعتبار. ويمتلك أسلوبًا لطيفًا ساحرًا في الإصلاح بين الناس، ويأمر بالعفو والمسامحة، فيحترمه الجميع. وكان مُلهمًا ينظر بنور الله، عزَّ وجلّ، ما قالَ كلمةً في كثير من الأمور إلا جاءت كفلق الصُّبْح. وكان يُحبُّ أحفاده كثيرًا، فيلاعبهم، وينصحهم، ويدعو لهم، ويعلمهم الخطَّ والشعر والقرآن. وآخر ما كتبه في الفيس بوك كان تهنئة لأحد طلبة العلم الذي حصل على درجة الدكتوراه والدعاء له بأن يجعل اللهُ ذلك في طاعته وخدمة دينه ومجتمعه. وهذا من حرصه -رحمه الله- على تشجيع طلبة العلم في مسيرتهم العلمية، وهكذا كان ديدنه في حياته.
كان الشيخ رحمه الله خطاطاً منذ صغره، فكان يجيد الخط الفارسي والديواني والثلث والرقعي والنسخ، وهذه نماذج من خطه :
قضى ليلة وفاته مع أبنائه يقرأ سورة تبارك، ثم استيقظ قبيل الفجر يصلي القيام، ويقرأ القرآن، ثم صلى الفجر واستمر في قراءة القرآن، ثم جلس في مكتبه يصحح تجرِبَة الطباعة لكتابه (الكافي في شرح الهادي للزنجاني)، ووصل في التصحيح إلى الآيات التالية: (وترى الجبال تحسبُها جامدةً وهي تمرُّ مرَّ السَّحاب)، (وَعْدَ الله حقًّا)، (إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنَّات النعيم خالدين فيها)، (فأقم وجهك للدين حنيفًا)، ثم نادى المنادي إلى صلاة الظهر، فقام من مكتبه ووصل إلى المجلس جالسًا على كرسيه في موضع صلاته، وفي ثوانٍ خرجت الروح الطاهرة مُلَبِّيَةً نداء ربها.
انتقل إلى رحمة الله تعالى ظهر يوم الخميس الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 1437هـ، الموافق 24/12/2015م، وصُلِّي عليه في جامع الراجحي بمدينة الرياض، ووُرِيَ جُثمانُهُ الطاهرُ الثَّرى في مقبرة النسيم.