اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في صباح ثلاثاء 25 فبراير 2020 انتقل إلى رحمة الله تعالي عن عمر ٩٢ سنة ، سيرة ومسيرة أصاب فيها حسني مبارك وأخطأ بشهادة التاريخ، حتى شهادته بنفسه على نزع الحكم منه، الأحاديث عن تلك الشخصية مربكة وكثيرة، والخيوط متداخلة بكل أطرافها، وكل حدث وتدوين عن حياة مبارك يؤخذ منه ويرد، لكن الأمر اليقين فيها هو الرحيل.
ومع رحيل حسني مبارك، أُسدلت معه حقبة مهمة من تاريخ مصر، محدثًا انقساما حول ما قدمه حسني مبارك، على مدار فترة حكمه التي وصلت إلى 30 عامًا، ليحقق المقولة الشهيرة التي قالها في خطابه الأخير كونه رئيسًا للجمهورية: «إن حسني مبارك الذي يتحدث إليكم اليوم يعتز بما قضاه من سنين طويلة في خدمة مصر وشعبها، إن هذا الوطن العزيز هو وطني مثلما هو وطن كل مصري ومصرية، فيه عشت وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه، وعلى أرضه أموت، وسيحكم التاريخ عليّ وعلى غيري بما لنا أو علينا".
رحل مبارك مخلّفاً تركة كبيرة من الجدل السياسي الذي لطالما ملأ صفحات الكتب والجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن إرثه السياسي طيلة أكثر من 30 عاما لم يغب فيها اسم الرئيس الأسبق حسني مبارك عن الساحة، كانت أوجها دوره في حرب أكتوبر 73، ثم تعيينه نائبا للرئيس الراحل محمد أنور السادات، ومن بعدها رئيسا لمصر أعقاب عملية اغتيال السادات، وصولا إلى إزاحته عن الحكم في تحركات شعبية في الخامس والعشرين من يناير عام 2011؛
مرّت أكثر من عشر سنوات على انتفاضة شعبية طالبت برحيله، لكن لم ينتهِ الجدل بشأنه وأسرته، وما إذا كان ينبغي رحيله عن الحكم بتلك الطريقة التي رحل بها في الحادي عشر من فبراير (شباط) 2011؛ وعلى نقيض نظيره التونسي زين العابدين بن علي، الذي كان أولى أوراق "الدومينو" المتساقطة في موجة الربيع العربي، فإن مبارك لم يفرّ من مصر عقب إعلان تنحيه عن الحكم متمسكاً بوعده في الثاني من فبراير 2011 خلال خطاب عاطفي للشعب، قائلا "هذا الوطن فيه عشت وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه، وعلى أرضه سأموت". هذا الوعد، الذي بحسب هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، عرّضه للمحاكمة ليقضي السنوات التالية لتنحيه عن الحكم بين السجن أو قيد الإقامة الجبرية في المستشفى، حيث تدهورت حالته الصحية.
وقد ولد "مبارك"، في محافظة المنوفية، بمدينة كفر مصيلحة عام 1928، وتولى الرئاسة بعد حادث اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، في أكتوبر 1981، وحكم مصر لمدة 30 عامًا... تخرج في الكلية الجوية عام 1950، وترقى في المناصب العسكرية حتى وصل إلى منصب رئيس أركان حرب القوات الجوية، ثم قائدًا للقوات الجوية في أبريل 1972م، وقاد القوات الجوية أثناء حرب أكتوبر 1973، وفي عام 1975 اختاره محمد أنور السادات نائبًا لرئيس الجمهورية، ثم تقلد رئاسة الجمهورية بعد استفتاء شعبي... تجددت ولاية مبارك، عبر الاستفتاء، 3 مرات 1987، و1993، و1999، ثم تم تعديل الدستور ليصبح أول رئيسا للجمهورية عبر الاقتراع الحر المباشر عام 2005.. وعاني الرئيس الأسبق، من أزمات صحية خلال السنوات الماضية، وأجرى عدة عمليات جراحية في عدد من المستشفيات، آخرها كانت منذ نحو شهر، وأعلن نجله علاء حينها أن حالته مستقرة وبخير، لكنه وعقب إجرائها أُصيب بمضاعفات صحية، ما أدى إلى إيداعه غرفة العناية المركزة.
وفى هذه اللحظات لا يجوز للعقلاء والأسوياء والبنى آدميين، إلا أن يترحموا على الرئيس الراحل مثلما ترحموا على كل الرؤساء الذين حكموا مصر، ورحلوا لرحمة الله، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم من أول محمد نجيب، ثم جمال عبدالناصر، ومحمد أنور السادات، ومحمد مرسى، وأخيرا مبارك، طبيعى أن من حق كل إنسان أن يتفق أو يختلف مع حسنى مبارك ومع غيره، لكن فى مثل هذه اللحظات، ينبغى أن تكون هناك مراعاة لحرمة الموت والموتى، وأن يكون ذلك بأدب واحترام وموضوعية.. نحتاج فى مصر كثيرا إلى لغة عاقلة وموضوعية وهادئة ورزينة، ونحن نتحدث فى العديد من الموضوعات، ومنها كيفية التعامل مع الشخصيات العامة.. معظمنا للأسف لا يريد أن ينظر إلا بمعيار الأبيض والأسود، فى حين أن الأمور فى الدنيا كلها نسبية وليست مطلقة وذلك حسب ما قاله عماد الدين حسين في مقاله " محمد حسي مبارك .. ما له وما عليه" بالشروق.
وقد حكم حسني مبارك مصر لثلاثين عاما من ١٩٨١ إلى ٢٠١١. ويستحيل القول إن سنوات حكمه كانت «جنة الله فى الأرض كما يرى أنصاره، أو أنها كانت شرا مطلقا كما يرى خصومه».
كلٌ منا ينظر إلى تقييم عهد مبارك من الزاوية التى ينظر منها، أو الأفكار التى يؤمن بها، وبالتالى تظل هذه التقييمات نسبية، وقابله للجدل، وتخص أصحابها.