English  

كتب محكمة الصلح الكبرى

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

محكمة الصلح الكبرى (كتاب)


رواية (محكمة الصلح الكبرى) للإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم ‏، نشرت طبعتها الأولى غرة رمضان 1337هـ الموافق ‏‏31/5/1919م، وذلك بمناسبة انتهاء الحرب العالمية الأولى التي قامت ‏سنة 1914م واستمرت مشتعلة ما يزيد على أربع سنوات بين إنجلترا ‏وحلفائها ( فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا ) وغيرها، وبين ‏ألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا، وتركيا، وانتهت بهزيمة ألمانيا وحلفائها. ‏واجتمعت الدول من جديد في مؤتمر باريس سنة 1919م، وانتهى المؤتمر ‏بخمس معاهدات صلح فرضت على الدول الخمس المنهزمة، وهي معاهدة ‏فرساي مع ألمانيا في 28/6/1919م. ومعاهدة سان جرمان مع النمسا ‏في 10/9/1919م، ومعاهدة نويي مع بلغاريا في 28/6/1919، ‏ومعاهدة تريانون مع المجر في 4/6/1920م، ومعاهدة سيفر مع تركيا ‏في أغسطس م1920م، وقد استبدلت هذه المعاهدة بمعاهدة لوزان في ‏‏24/7/ 1923م.‏
وعقد العالم على مؤتمر الصلح هذا آمالا كبارا، وخيل إليه أنه فاتحة ‏عهد سلام ووئام دائم بين الشعوب، ولكن الإمام أبا العزائم قال: إن ‏مؤتمر الصلح هذا ومعاهداته، إنما أريد به تعديل خريطة أوربا والشرق العربي ‏السياسية، وذلك لأن روح التكالب على المصالح والمنافع وحب السيطرة ‏والتوسع، كان هو هدف هذه الدول، وعليه فقد وزعت الممتلكات الألمانية ‏والتركية على الدول الكبرى عن طريق الانتداب، الذي استحدثه مؤتمر ‏الصلح ليطلي به الاستعمار بطلاء جديد، يخفف من اصطدامه بالشعور ‏الوطني لشعوب هذه الممتلكات.‏
فالصلح لا يقوم إلا على دعائم من تخلي أطرافه عن الصفات المذمومة ‏الشريرة، وتحلي أطرافه بصفات محمودة خيرة، فياضة بمشاعر الصدق ‏والإخلاص والمحبة.‏
ومن ثم أملى الإمام رواية (محكمة الصلح الكبرى) ليقول لهؤلاء ‏المؤتمرين في مؤتمر الصلح بباريس: إن الدولة هي مجموعة من الأفراد يقيمون ‏بصفة دائمة في إقليم معين، وتسيطر عليهم هيئة حاكمة ذات سيادة. فإذا ‏كانت مجموعة الأفراد هذه تميل بفطرتها إلى الشر واتباع الهوى والشهوات ‏والعدوان والكراهية، والثورة والتمرد والرعونة والحمق والاندفاع، وتسلطت ‏هذه الآفات على الشخصية الإنسانية، فقادتها إلى الانحراف، واندفعت بها ‏إلى طريق الغواية والضلال، وبذلك تكون الدولة التي هي مجموعة من ‏هؤلاء الأفراد، دولة تخرق المواثيق والمعاهدات، وتمزق النظم، وتدمر القيم، ‏وتسحق الأنظمة التي تخالفها وتقضي على الدول الصغيرة.‏
وتبدأ رواية (محكمة الصلح الكبرى) بلقاء بين (الخيال) المتجرد من ‏كثافة الظلال، وهو مرآة المحسوسات، وبين (الوهم) بلا محيطات وهو مرآة ‏المعنويات، وأخذ (الوهم) يبين (للخيال) عناءه مما شغله به الإنسان، من ‏هجر للشريعة وارتكاب ما يخالفها، فإذا بالخيال يبادره نفس الشكوى، ثم ‏يتوجهان سويا إلى (العقل) ويعرضان عليه الحال ليهتديا إلى حسن المآل، ‏فنصحهما (العقل) برفع هذه المظلمة إلى (محكمة الصلح الكبرى).. وهنا ‏يتدخل الإنسان المتجرد بإملاء صحيفة افتتاح الدعوى.‏
ونظرت الدعوى فعلا أمام (محكمة الصلح الكبرى) التي شكلت ‏هيئتها من رئيس المحكمة (العدل) وعضوية كل من (القسط والعلم والهدى ‏والتوفيق) وكاتب الجلسة (أمين).‏
ومثل أمام المحكمة المدعون وهم العقل والفكر والروية والعفة ‏والشجاعة والكرم والعدالة والنور والعزة والرحمة والنطق والخشية والحكمة. ‏كما مثل أمام المحكمة المتهمون وهم: النفس السبعية والنفس البهيمية ‏والشهوة والجبن والبخل والتهور والغدر والحس والضيم والقسوة والجسم ‏والتيه والحماقة.‏
وتقف كل نفس من هذه النفوس تبدي أوجه دفاعها بالحجج ‏والبراهين، وبعد ثلاث جلسات من الاستماع إلى المرافعة ومواجهة بين ‏الخصوم كل منهم للآخر، تصافحت النفوس المتصارعة في الإنسان، ‏واصطلحت أمام هيئة المحكمة وجاء عقد الصلح يتضمن البنود الآتية:‏
أولا: أن تسارع النفوس إلى القيام بما أمرها الله به سبحانه بقدر ‏الاستطاعة، وأن تترك ما نهاها الله عنه جملة واحدة.‏
ثانيا: أن تجاهد النفوس ذواتها في الله حتى تطيع المنعم الجواد لتفوز ‏برضاه.‏
ثالثا: أن تحب النفوس الآخرة ؛ لأن الله مدحها ورغبنا فيها، وتكره ‏الدنيا لأن الله ذمها وكرهنا فيها.‏
رابعا: أن تحب رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ حبا يجعلنا نتشبه به ؛ فنحيي ‏سنته ونصونها من التغيير والتبديل.‏
وقد تأشر على عقد الصلح هذا من رئيس المحكمة وحكمت المحكمة ‏بإلحاق عقد الصلح بمحضر الجلسة وإثبات محتواه فيه بما ينهي المنازعة.‏
وبذلك يبين من فصول هذه الرواية، أن الشر والرذيلة ليستا من فطر ‏الإنسان، وإنما ينشأ كل ذلك من اختلال التوازن بين غرائزه، ومن العوامل ‏الخارجية التي تنحرف بهذه الغرائز عن أهدافها الفاضلة، وذلك ما يدلنا ‏عليه قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ‏ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: من الآية30) فالفطرة هي الدين القيم وذلك ‏ما يدلنا عليه أيضا قول الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ عن الله عز وجل في الحديث ‏القدسي: (كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وأمروهم أن ‏يشركوا بي غيري) وقوله أيضا: (ما من مولود إلاو يولد على الفطرة، فأبواه ‏يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).‏
وعليه فإنه من الممكن القضاء على انحراف النفوس وعودة الإنسان ‏بعد عناء وطول مجاهدة إلى الصراط المستقيم والخلق الفاضل.‏
أما بعد، فحسبي أن أكون قدمت لرواية (محكمة الصلح الكبرى) ‏وحسبي من هذا العمل أن يكون برا بجدي الإمام المجدد السيد محمد ماضي ‏أبي العزائم ، وسيرا على نهج والدي الإمام الممتحن السيد أحمد ماضي أبي ‏العزائم لتقر روحيهما في حظيرة القدس.‏
ومن الله نستمد العون والتوفيق، والله من وراء القصد وإليه السبيل.‏
‏ دار الكتاب الصوفي الخليفة الثاني ‏
‏ في يوم الاثنين السيد عز الدين ماضي أبو العزائم ‏
غرة رجب 1412هـ المحامي بالنقض ‏
‏ 6 يناير 1992 م.‏