اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تركز الدراسة العلمية للتصوف اليوم على موضوعين: تحديد الأسس العصبية ومطلقات التجارب الصوفية، واستعراض الفوائد المزعومة للتأمل. وُضعت علاقات الارتباط بين التجارب الصوفية والنشاط العصبي، مشيرةً إلى الفص الصدغي باعتباره المركز الرئيسي فيما يخص هذه التجارب، بينما أشار أندرو بي. نيوبيرغ ويوجين جي. أيضًا إلى الفص الجداري. كما تشير الأبحاث الأخيرة إلى أهمية شبكة الوضع الافتراضي.
يولد الفص الصدغي الشعور حول «أنا»، ويعطي شعورًا من الألفة أو الغرابة فيما يخص تصورات الحواس. يبدو أنه يشارك في التجارب الصوفية، وفي تغير الشخصية الذي قد ينجم عن مثل هذه التجارب. هناك ملاحظة قديمة جدًا تشير إلى أن الصرع والدين مرتبطان، وربما قد يكون بعض الشخصيات الدينية مصابين بصرع الفص الصدغي «تي إل إي». يحتوي الوعي الكوني لريموند برك في عام 1901 على عدة دراسات لحالة الأشخاص الذين أدركوا «الوعي الكوني»؛ ذُكرت أيضًا العديد من هذه الحالات في كتاب إي جي برينت في عام 1953، العبقرية والصرع، والذي يحتوي على قائمة لأكثر من 20 شخصًا يجمعون بين العظمة والتصوف. وأشار عالم النفس جيمس لوبا في علم نفس التصوف الديني إلى أنه «من بين الأمراض المرهبة التي عانت منها البشرية، هنالك مرض واحد فقط قد حاز على كامل اهتمامنا بشكل خاص؛ إنه مرض الصرع».
جدد سلاتر وبيرد الاهتمام في «تي إل إي» والتجربة الدينية في ستينيات القرن التاسع عشر. وصف ديورست وبيرد «1970» ست حالات لمرضى «تي إل إي» الذين خاضوا تحولات دينية مفاجئة. إذ وضعوا هذه الحالات في سياق العديد من التحولات المفاجئة لدى القديسين الغربيين، الذين كانوا أو لربما كانوا مرضى صرع. وصف ديورست وبيرد عدة جوانب من تجارب التحول، ولم يحددوا أي آلية خاصة منفردة. وصف نورمان جيتشويند التغيرات السلوكية المتعلقة بصرع الفص الصدغي في سبعينيات القرن التاسع عشر وثمانينيات القرن التاسع عشر. ووصف جيشويند الحالات التي شملت تدينًا شديدًا، ما يُدعى الآن بمتلازمة جيشويند، حُددت جوانب من المتلازمة في بعض الشخصيات الدينية، وخاصةً التدين الشديد والهايبرغرافيا «الكتابة المفرطة». قدم جيشويند «اضطرابات الشخصية ما بين النشبات» في علم الأعصاب، إذ وصف مجموعة من التظاهرات الشخصية المحددة التي وجدها سمة مميزة لمرضى صرع الفص الصدغي. أشار النقاد أن هذه التظاهرات قد تكون ناجمة عن أي مرض، وليست وصفية بما فيه الكفاية للمرضى الذين يعانون من صرع الفص الصدغي.
وجد أيضًا الطبيب النفسي العصبي بيتر فينويك، في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينيات القرن التاسع عشر، علاقة بين الفص الصدغي الأيمن والتجربة الصوفية، ولكنه وجد أيضًا أن مرضيات أو أذيات الدماغ ليست إلا إحدى الآليات المسببة المحتملة لهذه التجارب. شكك في صحة الروايات السابقة فيما يخص الشخصيات الدينية التي تعاني من صرع الفص الصدغي، ملاحظًا أنه «قد سجلت أمثلة حقيقية نادرة فيما يخص هالة الانتشاء ونوبات اختلاج الفص الصدغي في الأدبيات العلمية العالمية قبل عام 1980». وفقًا لفينويك، «من المرجح أن تكون الروايات السابقة حول صرع الفص الصدغي ومرضيات الفص الصدغي والعلاقة بين الحالات الصوفية والدينية تعود لحماس مؤلفيها أكثر من الفهم العلمي الحقيقي لطبيعة عمل الفص الصدغي».
يعتبر حدوث مشاعر دينية شديدة لدى مرضى الصرع نادرًا في العموم، بمعدل حدوث يبلغ حوالي 2-3٪. وُثِقت حالات التحول الديني المفاجئ، إلى جانب الروئ، فقط لدى عدد قليل من الأفراد المصابين بصرع الفص الصدغي. قد يُفسر أيضًا حدوث تجارب دينية لدى مرضى «تي إل إي» من خلال العزو الديني، الناجم عن خلفية أولئك المرضى. ومع ذلك، فإن علم أعصاب الدين هو مجال متنامي في البحث، إذ يبحث عن تفسيرات عصبية محددة للتجارب الصوفية. قد يقدم مرضى الصرع النادرين الذين يعانون من نوبات النشوة، أدلة حول الآليات العصبية التي تشارك في التجارب الصوفية، مثل قشرة الجُزيرة الأمامية، التي تشارك في الوعي الذاتي واليقين الذاتي.
تكون النوعية الشائعة، الخاصة بالتجارب الصوفية لاوصفية، شعورًا قويًا باليقين الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. هددت الشكوكية هذه اللاوصفية. وفقًا لآرثر شوبنهاور، تكون التجربة الداخلية للتصوف غير مقنعة فلسفيًا. في آلة العاطفة، يجادل مارفن مينسكي أن التجارب الصوفية تبدو عميقة ومقنعة فقط لأن مَلكات العقل الناقدة غير نشطة نسبيًا خلالها.
يقترح كلًا من جسكواند وبيكارد تفسيرًا عصبيًا لهذا اليقين الذاتي، استنادًا إلى البحث السريري الخاص بالصرع. وفقًا لبيكارد، قد يكون سبب هذا اليقين هو خلل وظيفي في الجُزيرة الأمامية، جزء من الدماغ يشارك في الحس الداخلي، والتفكير بالذات، وفي تجنب عدم اليقين حول التمثيلات الداخلية للعالم من خلال «ترقب قرار عدم اليقين أو الخطر». يعمل تجنب عدم اليقين هذا من خلال المقارنة بين الحالات المتوقعة والحالات الفعلية، أي «الإشارة إلى أننا لا نفهم، أي مثلًا، أن هنالك غموضًا ما». يلاحظ بيكارد أن «مفهوم البصيرة قريب جدًا من ذلك اليقين»، ويشير إلى أرخميدس «يوريكا!». يفترض بيكارد أن المقارنة في نوبات النشوة بين الحالات المتوقعة والحالات الفعلية لا تعمل، وحالات عدم التطابق بين الحالة المتوقعة والحالة الفعلية لا تُعالج، إذ تمنع «العواطف السلبية والإثارة السلبية الناشئة عن عدم اليقين التنبئي»، والتي سوف تُختبر بمثابة ثقة عاطفية. يستنتج بيكارد أن «ذلك يمكن أن يؤدي إلى تفسير روحاني لدى بعض الأفراد».
اتخذ أندرو ب. نيوبيرج ويوجين ج. داكويلي، في كتابهما «لماذا لن يذهب الله بعيدًا: علم الدماغ وعلم الأحياء الخاص بالاعتقاد»، موقفًا ثابتًا، ويصفان رؤيتهما فيما يخص العلاقة بين التجربة الدينية ووظيفة الدماغ. يصف داكويلي تجاربه التأملية بأنها «سمحت بظهور جزء أعمق وأبسط منه»، والذي يعتقد أنه «الجزء الأكثر صدقًا مما هو عليه، الجزء الذي لا يتغير أبدًا». درس نيوبيرج وداكويلي علاقة الدماغ بمثل هذه التجارب، دون الاعتماد على التوصيفات الشخصية والذاتية المشابهة لذلك. قاموا بمسح أنماط تدفق الدم في الدماغ خلال لحظات التعالي والرفعة الصوفية، باستخدام تفريسات «سبيكت»، لاكتشاف باحات الدماغ التي تظهر نشاطًا كبيرًا. أظهرت الاختبارات نشاطًا غير اعتيادي في القسم الخلفي العلوي من الدماغ، أو «الفص الجداري العلوي الخلفي»، أو «باحة الربط التوجيهي (أو إيه إيه)...» بحسب كلماتهم الخاصة. تخلق هذه المنطقة إدراكًا مستمرًا بالحدود الفيزيائية للذات. يُظهر «أو إيه إيه» انخفاضًا حادًا في النشاط خلال الحالات التأملية، ما يعكس إحصارًا في التدفق الوارد من المعلومات الحسية، وينجم عن ذلك قصور في ملاحظة الحدود الفيزيائية. وفقا لنيوبيرج وداكويلي، «هذا هو بالضبط وصف روبرت وما سبقه من أجيال المتصوفة الشرقيين لذروة اللحظات التأملية والروحانية والصوفية».
استنتج نيوبيرغ وداكويلي أن التجربة الصوفية ذات علاقة مترابطة مع الأحداث العصبية القابلة للملاحظة، أي ليست خارج نطاق وظيفة الدماغ الطبيعية. ويريان أنه «لم تترك لنا أبحاثنا أي خيار سوى أن نستخلص أن المتصوفون قد يخفون شيئًا ما، إن آلية العقل المتعالية قد تكون في الواقع نافذة يمكننا من خلالها أن نلحظ الواقع الأقصى للأشياء القدسية بحق».
لماذا لن يذهب الله بعيدًا «تلقى اهتمامًا ضئيلًا جدًا من قبل باحثي الدين المحترفين». وفقًا لبولكيلي، «يبدو أن نيوبيرج وداكويلي غير مدركين لنصف القرن الماضي من البحث النقدي الذي يشكك في الادعاءات العالمية حول الطبيعة البشرية والتجربة». يشير أيضًا ماثيو داي إلى أن اكتشاف ركيزة عصبية خاصة «بالتجربة الدينية» هو الاكتشاف المنعزل الذي «لا يقترب حتى من نظرية متينة للدين».
يتضح في الدراسات الحديثة علاقة شبكة الوضع الافتراضي بالتجارب الروحانية وتجارب التحول الذاتي. إذ ترتبط وظائفها، من بين أمور أخرى، بالرجوع إلى الذات والوعي الذاتي، وتشير تجارب التصوير الجديدة أثناء التأمل واستخدام المهلوسات إلى نقصان نشاط هذه الشبكة المتواسط بما ذكر، ما دفع بعض الدراسات للاستناد عليها كآلية معرفية عصبية محتملة لحل الذات، والتي تحدث في بعض الظواهر الصوفية.