اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في سوريا الرومانية انتشرت المسيحيّة بقوة في الأماكن الساحليّة وبعض المناطق الداخلية بجهود المبشرين الأوائل خلال القرون الأولى وتوسعت بعد مرسوم ميلانو، مع بقاء نفوذ قوي للوثنية لاسيّما في الريف، ومن بين هذه المناطق كانت القورشية حيث نشط مار مارون. إن المرجعين الأساسيين الباقيين عن حياته، رسالة وجهها يوحنا ذهبي الفم من منفاه في القوقاز حوالي العام 405؛ وشهادة ثيودوريطس أسقف قوروش، في كتاب أعده خصيصًا للحديث عن الرهبان في القورشيّة وضواحيها؛ ورغم عدم وجود رابط بين مارون يوحنا ذهبي الفم، ومارون ثيودوريطس، إلا أن المؤرخين استبعدوا احتمال وجود مارونيين، في القورشية عاشا خلال الفترة ذاتها، ولم ينل التأريخ سوى واحدًا منها، ما دفع إلى القول أن كلا المرجعين يشيران إلى مارون، أبي الطائفة المارونيّة.
إن رسالة يوحنا ذهبي الفم ذات طابع شخصي، ولا تعطي معلومات وافية عن القديس الذي تسميه "كاهنًا وناسكًا"، في حين أن المرجع الثاني لا يأت على ذكر كونه كاهنًا، لكنه في الوقت نفسه يذكر مصطلحات، تستخدم في اللغة الإكليريكيّة للكهنة وحدهم، وينال المرجع الثاني أهمية خاصة، لأن ثيودوريطس وهو أسقف المكان الذي تنسك فيه "مارون الإلهي" كما يسميه، قد نقل شهادة مقبولة بمقاييس ذلك العصر، عن نشاط الراهب وحياته وتقشفه، وما يمكن قوله عن حياة القديس مارون، في ضوء هذه الشهادة، أنه كان رائدًا في مجال الترهب، إذ إنه ابتكر طريقة جديدة، وهي الترهب في العراء، دون أن يأوي إلى سقف عدا خيمة صغيرة ما كان يستظلها إلا نادرًا، وأنه مارس ضروبًا عديدة من التقشفات، ولم يكن منقطعًا عن المجتمع خلال جميع فترات حياته، إذ عندما انتشر صيت قداسته، وفد الناس إلى الجبل المنسك للقاءه، فكان يعظ الزوار ويرشدهم ويقدم التعزية للمصابين والحزانى، حتى أشيع أن الشياطين نفسها قد تحاشت حضرته، ونتيجة لهذا فقد قصده عدد كبير من الرهبان يودون التتلمذ له، فيجزم ثيودوريطس، أن أكثر نساك منطقة قوروش ساروا على طريق مارون، وأزهروا في مختلف أنحاء سوريا الشمالية. وإثر هذه الحياة الحافلة توفي مار مارون قرابة عام 410 وقامت منازعات على جثمانه بين سكان القرى المجاورة، وسرعان ما اعترفت جميع كنائس ذلك الزمان بقداسته، إذ تقيم الكنيسة الرومانية الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية تذكارًا له في 14 فبراير كل عام. أما الموارنة ففي 9 فبراير كل عام.
وقد تنوعت عبر التاريخ الأماكن المقترحة لتنسّك ومدفن مار مارون وتنوّعت، التنقيبات الأثريّة التي قامت بجهود أبرشية حلب المارونيّة وبالتعاون مع وزارة السياحة السوريّة أثبتت أن المكان هو براد شمال حلب، وذلك استنادًا إلى عدة معطيات توافقية مع رواية ثيودوريطس. أما ذخائر مار مارون، فقد نقل التقليد الماروني، أنها نقلت مع الهجرة المارونيّة إلى لبنان على يد مار يوحنا مارون، حيث وضعت في دير كفرحي، الذي بات اسمه منذ ذلك اليوم "ريش مورن" (بالسريانية: ܪܝܫ ܡܪܢ)، أي "هامة سيدنا"، لكن الهامة نُقلت عام 1137 إلى إيطاليا خلال التواجد الصليبي، وأعيدت أجزاء منها إلى لبنان عام 1999، إلى دير كفرحي، من جديد.