اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بحث أهل العلم شُروط حجّ المسلم عن غيره، وهذه الشّروط منها ما يتعلّق بالأصيل*، ومنها ما يتعلّق بالوكيل*، وبيان ذلك فيما يأتي:
اتّفق فُقهاء الحنفية، والحنابلة على جواز حجّ النَّفل عن الغير مُطلَقاً، وذهب المالكية إلى جواز ذلك أيضاً ولكن مع الكراهة، وفي حَجّ النَّذْر كذلك، ويرى جمهور فقهاء الشافعية جواز الاستنابة في حجّ النَّفل عن الحيّ الذي لا يستطيع الحجّ عن نفسه؛ لعَجز، أو مَرض، أو عن ميّت لم يُوصِ بالحجّ عنه، وفي قولٍ آخر للشافعية بعدم الجواز؛ لأنّ الجواز في حجّ الفَرض كان لضرورة، ولا ضرورة في حجّ النَّفْل، واشترط الفقهاء لصحّة حجّ النَّفل عن الغير أن يكون مُسلماً، عاقلاً، مُميّزاً، وأجاز الحنفيّة أن يكون مُراهقاً، وأن يكون قد حجّ عن نفسه، وليس عليه حجٌّ آخر مفروض.
أجاز الفُقهاء أن يحجّ المسلم عن غيره بشرط أن يكون قد حجّ عن نفسه؛ سواءً كان الحجّ فَرضاً، أو نَفلاً، ويجوز للمرأة أن تحجّ عن غيرها حتى وإن كان رجلاً، ولا يجوز الحجّ عن الحيّ إلّا بإذنه، أمّا إن كان ميّتاً فلا يُشترَط إذن الوليّ في ذلك؛ لأنّه دَين يسقط بفِعل أيّ أحد، ويجب الحجّ عن الميّت إن كان مُستطيعاً حال حياته ولم يحجّ؛ فقد ورد في خبر امرأة جاءت إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- تسأله في أُمّها التي ماتت ولم تحجّ؛ (قالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قالَ: حُجِّي عَنْهَا)، والمرأة التي جاءت إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وقالت له: (إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أدْرَكَتْ أبِي شيخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ علَى الرَّاحِلَةِ، أفَأَحُجُّ عنْه؟ قالَ: نَعَمْ).
يُعَدّ الحجّ عن الميّت من أفضل العبادات التي ينتفع بها الميّت، خاصّة إذا كان الميّت أحد الوالدين؛ فقد سُئِل النبيّ عن ذلك، فأجاب بالقبول عن سؤاله في ما يتعلّق بالحجّ عن الميّت كما في الحديث الوارد في الفقرة السابقة، فإن كان الوالدان قد حجّا الفريضة، فإنّه يؤدّي عنهما حَجّ النافلة، وإن لم يكونا قد أدّيا العمرة، فإنّه يُؤدّيها عنهما، ويُعَدّ الحجّ من الديون التي تستحقّ على العبد لخالقه، ويسقط بالموت، إلّا أنّ النيابة تجوز فيه؛ فالذي يحجّ عن إنسانٍ آخر، كالوالدين، يكون قد أسقط هذا الدَّين عنهم.
يُعَدّ الحجّ ركناً من أركان الإسلام الخمسة؛ قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وتشريع الحجّ يحمل حِكَماً عديدة، منها تحقيق العبوديّة لله -تعالى-؛ فالعبد يبذل ماله، وبَدَنه؛ ابتغاء مرضاة الله -تعالى-، واستجابة لأمر الله -عزّ وجلّ- بأداء مناسك الحجّ، وقد بيّن الله -تعالى- أنّ من حِكَم الحجّ أن يشهد الحجّاج منافعَ الموسم؛ قال -تعالى-: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)، ومن هذه المنافع شهود وحدة صفوف المُسلمين على الرغم من اختلافهم في اللون، والجنس، واللغة، ممّا يُشعر الحجّاج والمسلمون بأثر العقيدة وسلامة المنهج، كما جعل الله -تعالى- الطواف قياماً للناس، إلى جانب أنّ الحجّ يحقّقُ المنفعة في اجتناب المسلم للشِّرك والزُّور بصوره جميعها؛ فهو يدعوه إلى توحيد الله -تعالى- في أعماله كلّها، وذِكر الله -تعالى- أيضاً في مناسكه جميعها، كرَمْي الجَمَرات، وذَبْح الهَدي، وغيرهما من المناسك.
الهامش
* الأصيل: يُقصد بالأصيل في المقال: المحجوج عنه، أي: الذي يُؤدّى عنه الحجّ.
* الوكيل: هو الذي يؤدّي فِعل غيره؛ أي ينوب عنه فيه.