اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تتفرّع مناسك الحجّ إلى: أركان، وواجبات، وسُنَن، ومُستحَبّات؛ أمّا الأركان فلا يجوز تجاوزها أبداً، ولا يقوم شيءٌ مقامها، بينما يصحّ الحجّ إن تُرِكت الواجبات بسبب عُذرٍ ما، على أن يُجبَر تَركها بالفِدية، ولا يترتّب شيءٌ على الحاجّ بسبب ترك السُّنَن، وإن أتى بها فإنّ حجّه يكون تامّاً، وأجره كاملاً، وفيها اقتداء بالنبيّ -عليه الصلاة والسلام-.
يُعرَّف الرُّكن لغةً بأنّه: ما يُتقَوّى به الشيء، ويستند ويعتمد عليه، أمّا شرعاً فهو: ما لا تقوم العبادة إلّا به، ولا تنعقد إلا بتحقُّقه، وقد اتّفق جمهور العلماء من الشافعيّة، والمالكيّة، والحنابلة على أنّ للحجّ أربعة أركانٍ، وهي: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسَّعي بين الصفا والمروة، واقتصر الحنفيّة في بيانهم لأركان الحجّ على الوقوف بعرفة، والطواف.
يُراد بالإحرام: قَصْد النيّة الخالصة لله -تعالى-؛ لأداء فريضة الحجّ، من المواقيت المكانيّة التي حدّدها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، قال -تعالى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)، وثبت عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- عن النبيّ- عليه الصلاة والسلام- قوله: (إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ)، فالنيّة تلزم أيّ عملٍ؛ ليكون خالصاً لله -تعالى-، وتجدر الإشارة إلى أنّ الإحرام رُكنٌ من أركان الحجّ عند الشافعيّة، والمالكيّة، والحنابلة، وشرط صحّةٍ عند الحنفيّة، وإحرام الحجّ ثلاثة أنواعٍ، هي:
وتكمُن الحكمة من مشروعيّة الإحرام بإظهار الخضوع، والتواضع لله -تعالى-، والابتعاد عن مظاهر التَّرَف، والتزيُّن، وتطهير النفس من الغرور، وتكون نيّة الحجّ عند الإحرام بحسب نوع الحجّ الذي يُحدّده الحاجّ؛ إن كان قِراناً، أو إفراداً، أو تمتُّعاً، وإن كان سيُؤدّي الحجّ عن نفسه، أو عن غيره.
ورد عن النبيّ محمدٍ -عليه الصلاة والسلام- أنّه قال: (الحجُّ عَرَفةُ، مَن جاء ليلةَ جَمْعٍ قبلَ طُلوعِ الفجرِ فقد أدرَكَ الحجَّ)، وقد استدلّ العلماء بالحديث السابق، وأجمعوا على أنّ الوقوف بعرفة هو الرُّكن الأعظم والأساسيّ للحجّ، ولا يتمّ الحجّ إلّا به، ويستطيع الحاجُّ الوقوف بأيّ مكانٍ من جبل عرفة إلّا في وادي عُرَنَة؛ وهو من أودية مكّة المُكرَّمة؛ استدلالاً بقَوْل النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (عرفةُ كلُّها موقفٌ، وارْتَفِعُوا عنْ بطنِ عُرَنَةَ)، وقد أجمع العلماء على أنّ آخر وقت الوقوف بعرفة يكون عند طلوع الفجر الصادق لليوم العاشر من ذي الحِجّة، أمّا الوقت الذي يبدأ به فقد ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية وقول عن الإمام أحمد أنّ الوقوف بعرفة يبدأ من زوال شمس يوم التاسع من ذي الحجّة، واستدلوا بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده، وقد ورد قول عن الإمام مالك أنّ الوقوف بعرفة يبدأ من الليل، كما ذهب الحنابلة إلى أنّ وقت الوقوف يبدأ من فجر يوم عرفة.
وتُسَنّ عند الوقوف بعرفة عدّة أمورٍ، يُذكَر منها:
يُعَدّ طواف الإفاضة الرُّكن الثالث من أركان الحجّ، ويُقال له: طواف الزيارة، أو طواف الرُّكن، ويُؤدّى سبعة أشواط كاملة عند الشافعيّة، والمالكيّة، والحنابلة، أمّا الحنفيّة، فقد قالوا بأنّ الرُّكن في الطواف أربعة أشواطٍ، أمّا وقت طواف الإفاضة فقد بحثه أئمة الفقه، وخلاصة ما ذهبوا إليه فيما يأتي:
ثبتت مشروعيّة السَّعي بين الصفا والمروة بما أخرجه الإمام البخاريّ عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (ما أتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ، ولَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ)، كما ورد أيضاً أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (اسعوا فإنَّ اللهَ كتبَ عليكمُ السَّعيَ)، فلا يصحّ الحجّ ولا يتمّ إلّا بالسَّعي بين الصفا والمروة؛ إذ إنّ السَّعي رُكنٌ من أركان الحَجّ؛ بدليل قَوْل الله -تعالى-: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)، وما أخرجه الإمام مسلم في بيان كيفيّة السَّعي، عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه-: (ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به فَبَدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه، حتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهو علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دَعَا بيْنَ ذلكَ، قالَ: مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلى المَرْوَةِ، حتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الوَادِي سَعَى، حتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ علَى المَرْوَةِ كما فَعَلَ علَى الصَّفَا)، فيبدأ الحاجّ السَّعي من الصفا وصولاً إلى المروة، فيُتمّ بذلك شوطاً، ومن ثمّ يسعى من المروة إلى الصفا، فيتمّ بذلك شوطاً ثانياً، ويبقى على حاله إلى أن يُتمّ سبعة أشواط كاملة.
انفرد الشافعية في اعتبار الحلق أو التّقصير ركناَ من أركان الحجّ، فيما عدّه جمهور الفقهاء واجب من واجبات الحج، ورغم هذا التّباين إلا أنّ أهل العلم أجمعوا على أنّ الحلق والتّقصير نُسُكٌ من مناسك الحجّ؛ خلافاً لما ذهب إليه بعض الفقهاء من أنّهما عمل يتحرّر به الحاج من محظور، ولا شيء في تركه، ويكون الحَلْق والتقصير لشَعر الرأس على وجه الخصوص، واستحبّ بعض العلماء، كالإمامين: مالك، وأحمد، حَلْقَ الشَّعْر الذي تُسَنّ إزالته وتخفيفه، أو تقصيره، كشَعْر الشارب، قال الله -تعالى-: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّـهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)، وأخرج الإمام البخاريّ عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: (حَلَقَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَجَّتِهِ)، وتجدر الإشارة إلى أنّ الحَلق للرجال فقط؛ فليس على المرأة حَلْق، بل تُقصِّر قَدْر أُنْملة الإصبع باتّفاق العلماء؛ فقد ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (ليس على النساءِ حَلْقٌ، وإنّما على النساءِ التَّقصيرُ)، وقد بحث العلماء في مقدار الحَلْق أو التقصير للرجال، وذهبوا في المسألة إلى أقوال عدّة، بيانها فيما يأتي:
ويُستحبّ الحلق والتقصير ويُسَنّ عند جمهور العلماء من الشافعيّة، والمالكيّة، والحنابلة أيّام النَّحر، وفي الحَرم، على أنّ الحلق والتقصير لا يختصّ بمكانٍ أو زمانٍ مُحدّدَين، وخالفهم الحنفيّة باختصاص الحَلْق والتقصير عندهم في الحَرم بأيّام النَّحر فقط، وتترتّب على الحاجّ الفِدية بمُخالفة ذلك، وللحَلق عدّة آدابٍ، يُذكَر منها:
اشترط علماء الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة الترتيبَ بين أركان الحجّ؛ لتحقيق كمال صحّتها، أمّا الشافعيّة فاعتبروا الترتيب رُكناً من أركان الحجّ، وترتيب الأركان عند جمهور العلماء يبدأ بالإحرام، ثمّ الوقوف بعرفة، ثمّ الطواف، ثمّ السَّعي، دون اشتراط تقديم الطواف على الحَلْق والتقصير.
يُعرَّف الواجب لغةً بأنّه: الأمر المُلزم فيه، أو الأمر الثابت، أمّا الواجب شرعاً، فهو: الأمر الذي يُثاب فاعله، ويَأثَم تاركه، ويدلّ عليه الأمر به؛ إذ إنّ الأمر يقتضي الوجوب، ويقصد بواجبات الحج تحديداً: الأعمال التي يجب على الحاج القيام بها، ولكن لا يفسد حجه بتركها، ويلزمه ذبح شاة جبراً للنّقص الذي وقع منه.
قال الله -تعالى-: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، ويُراد بالمَشعر الحرام مُزدلفة، والمَبيت بها بعد الانصراف من عرفاتٍ واجبٌ من واجبات الحجّ باتّفاق أهل العلم، ويجب الدم بتركه، ووجوب الدم خاص فيمن تركه بلا عذر، أمّا من تركه لعذرٍ معتبر؛ فلا شيء عليه، ويتحقّق المبيت عند الشافعية والحنابلة بالحضور في مزدلفة في ساعة من النصف الثاني من ليلة النحر، ولو خرج من مزدلفة بعد منتصف الليل لعذر أو لغير عذر أجزأه، ولا دم عليه، وذهب المالكية إلى أنّ المُكث في مزدلفة إنْ قلّ عن قدر حطّ الرّحال بلا عذر وجب عليه دم، والمبيت عند الحنفية يتحقّق بالوقوف في مزدلفة، أمّا البيتوتة فسنّة مؤكّدة إلى صلاة الفجر، وقد ثبت أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يمشي إلى مُزدلفة بسكينةٍ ووقارٍ، فقد صحّ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (أنَّهُ دَفَعَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وضَرْبًا وصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فأشَارَ بسَوْطِهِ إليهِم، وقالَ: أيُّها النَّاسُ علَيْكُم بالسَّكِينَةِ فإنَّ البِرَّ ليسَ بالإِيضَاعِ)، ويحرص الحاجّ على ذِكر الله، والتلبية في الطريق إلى مُزدلفة؛ لقَوْل الله -تعالى-: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، ويُؤدّي الحاجّ صلاتَي المغرب والعشاء جَمعاً وقَصراً فَور وصوله إلى مُزدلفة.
يرمي الحاجّ جمرة العقبة يوم النَّحر بسبع حَصَياتٍ؛ فيقف الحاجّ مُستقبِلاً الجَمرة، جاعلاً الكعبة إلى يساره، فيرمي حصاةً حصاةً، ويُكبّر عند كلّ واحدةٍ، ويقطع التلبية بمُجرَّد الرَّمْي، وعلى الرغم من اتّفاق العلماء على أنّ وقت الفضيلة يكون بعد طلوع الشمس؛ اقتداءً بما ورد من فِعل النبيّ -عليه الصلاة والسلام-؛ إذ ثبت أنّ جابر بن عبدالله قال: (رَمَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ الجَمْرَةَ يَومَ النَّحْرِ ضُحًى)، إلا أنّ العلماء تعدّدت آرائهم في أوّل وقت رَمْي جمرة العقبة، وذهبوا في ذلك إلى قولَين، بيانَهما آتياً:
ويمتدّ وقت رَمْي جمرة العقبة إلى غروب شمس يوم العاشر من ذي الحِجّة؛ أيّ يوم النَّحر، أمّا الرَّمْي بعد غروب الشمس، فيجوز عند الشافعيّة والمالكيّة؛ استدلالاً بما ورد عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُسْأَلُ يَومَ النَّحْرِ بمِنًى، فيَقولُ: لا حَرَجَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قالَ: اذْبَحْ ولَا حَرَجَ وقالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ ما أمْسَيْتُ، فَقالَ: لا حَرَجَ)، وخالفهم بذلك الإمامان؛ أبو حنيفة، وأحمد؛ إذ قالا بعدم جواز رَمْي جمرة العقبة ليلاً، وإن لم يرمِ الحاجّ، فإنّه يُؤخّرها إلى ما بَعد زوال شمس اليوم التالي.
يرمي الحاجّ أيّام التشريق الجمرات الثلاث؛ الصُّغرى، ثمّ الوُسطى، ثمّ العقبة، وقد ثبتت مشروعيّة الرَّمْي بما ورد عن جابر بن عبدالله: (رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَرْمِي علَى رَاحِلَتِهِ يَومَ النَّحْرِ، ويقولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فإنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتي هذِه)، ويكون الرَّمْي بعد زوال الشمس؛ استدلالاً بما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمي الجِمَارَ إذا زالتِ الشمسُ)، ويرمي الحاجّ كلّ جمرةٍ بسبع حَصَياتٍ مع التكبير، واستقبال القبلة، والدعاء، وذلك عند الصُّغرى والوُسطى فقط، دون العقبة، ومن عَجز ولم يستطع الرَّمْي؛ خوفاً على النفس، كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل، فإنّه يُباح له أن يُوكِّل شخصاً آخرَ بالرَّمْي عنه؛ قال -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)؛ إذ إنّ الرَّمْي لا يُقضى؛ ولذلك جاز التوكيل فيه.
عيّن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أماكن مُحدّدة؛ لإحرام الحاجّ منها، وتُسمّى بالمواقيت المكانيّة، وعددها خمسةٌ، ومن أحرم بعد تجاوز الميقات المُحدَّد، ولم يرجع إليه، فيجب عليه الدم، كما ذهب إلى ذلك الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة، والمواقيت التي حدَّدها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- هي:
اتّفق العلماء على أنّه يُسَنّ للحاجّ المَبيت في مِنى ليلة الثامن من ذي الحِجّة قبل التوجُّه إلى عرفاتٍ، إلّا أنّهم اختلفوا في حُكم المَبيت بمِنى ليالي التشريق، وذهبوا في ذلك إلى قولَين، بيانهما آتياً:
يُعَدّ طواف القدوم بمثابة تحيّة البيت الحرام؛ ولذلك يُستحَبّ أداؤه فَور الوصول إلى مكّة، ويمتدّ وقته إلى حين الوقوف بعرفة؛ لأنّ الحاجّ مُطالَبٌ برُكن طواف الزيارة بعد الوقوف بعرفة، وتُطلَق على طواف القدوم عدّة أسماء أخرى، منها: طواف التحيّة، وطواف الورود، وطواف الوارد، وطواف اللقاء، وقال جمهور العلماء من الحنفيّة، والشافعيّة، والحنابلة بأنّ طواف القدوم سُنّةً للحاجّ الذي دخل مكّة قبل الوقوف بعرفة، أمّا الحاجّ من أهل مكّة فلا يُسَنّ له طواف القدوم، أمّا المالكيّة فقالوا بوجوب طواف القدوم للحاجّ على من أحرم من الحِلّ؛ سواءً كان من أهل مكّة، أو من غير أهلها، وتجب الفِدية على من صعد على عرفة وتَرك طواف القدوم إذا كان في الوقت متّسعاً للطّواف.
يُعَدّ طواف الوداع آخر ما يؤدّيه الحاجّ بعد إتمامه مناسكَ الحجّ، ويبدأ وقته بعد آخر نُسكٍ يُؤدّيه الحاجّ، ويُؤخّره إلى أن يغادر مكّة إن أراد الإقامة في مكّة يوماً أو يومَين، وقد ثبتت مشروعيّته بعدّة أحاديث، منها: قوْل النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حتَّى يَكونَ آخِرُ عَهْدِهِ بالبَيْتِ)، وما ورد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: (أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ، والعَصْرَ، والمَغْرِبَ، والعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلى البَيْتِ، فَطَافَ بهِ)، ولا طواف وداع لأهل مكّة وساكنيها؛ لأنّ الوداع يكون بمغادرة مكّة، فإن أرادوا المغادرة طافوا.
الهامش
*زوال الشمس: مَيلها عن منتصف السماء، بحيث يصبح الظلّ طويلاً بعد تناهي صِغره.