اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الغربة وترك الوطن هو موت مصغر يعيشه الشخص كل يوم؛ فهو بعيد عن أهله، وأحبابه، ومنزله، ووطنه، فهو يحمل في صدره من الشوق، والحنين، والحزن، والوحدة ما لا يستطيع وصفه ولا البوح به، فمن تجبره الظروف على الغربة وتقسو عليه فهو حقاً من يتمنى العودة الى دياره واحتضان تراب أرضه، واستنشاق هواء بلاده وكأن الهواء لا يكون إلا بها، وفي هذه المقالة سنقدم لكم أجمل ما قال الشعراء والأدباء عن الغربة.
الخاطرة الأولى:
حرقي في غُربتي سفني، لأنّني أقصيتُ عنْ أهلي، وعن وطني، وجَرعتُ كأسَ الذُّلِّ والمِحَنِ، وتناهبَتْ قلبي الشجونُ فذُبتُ من شجَني لأنني أبحَرتُ رغمَ الرّيحِ، أبحثُ في ديارِ السّحرِ عن زَمَني، وأردُّ نارَ القهْرِ عَنْ زهري، وعَنْ فَنَني عطّلتِ أحلامي، أنا في ابتساماتي عُرِفتُ ولم أزل حتى أتاني ما ينغص بسمتي، إن أسعفتني دمعتي في فرحتي أنزلتها طرباً لأرسم بهجتي أو أسعفتني بالبكاء مرارة تتسابق العبرات تهجر مقلتي.
الخاطرة الثانية:
رحيق السنين مضت سنوات وسنوات، وأنا ما زلت في غربتي عن وطني الحبيب تمر بنا الأيام يوماً بعد يوم، وأعد ساعات اليوم أنها سنين وأنا ما زلت في غربتي عن وطني، والأهل، والاصحاب في لهفة حنيني وشوقي، عند الرجوع إلى الوطن عندها تنزاح عني همومي وحزني، وتبدأ شفتي بابتسامة عريضة كلها فرح، وسرور، وأمل، وشوق، وحنين للوطن، ها هو وطني قد حضنني بترابه، وألهمني حب أصدقائي وأحبابي، فسعادتي اكتملت لرؤية وطني اللذي هو حضن حنين شوقي.
الخاطرة الثالثة:
تركنا الأرصِفةُ البارداتُ لأرصِفةٍ ساخنات حيث يوجد هناك ما يسمى خليج الدولارات، إلى أينَ تمضينَ بِنا أيّتها الطائرات، وأينَ مَحطّاتنا القادِماتْ، وهل يكونُ لنا بعدَ الطّوافِ، بِها مستقر! وُجوهاً تهيمُ على غيرِ هَدْيٍ تُقادُ إلى حَتفها المُنتظرْ، تركلنا الطائرات للحافِلاتْ الى رحلة البحث عن الذات، وليسَ ثمة كفوف تلوح للذاهبين، ولا ابتسامة طفل سيفرح بالقادِمينْ ليسَ إلاّ الخُطى المُتعبهْ تجرجرُ أذيالَ خيبتها لأقدارِها ذاهبهْ، فإلى أينَ تمضينَ بِنا أيّتها الطائرات تعبنا، وقد جَفّ منّا الفؤادُ برغمِ المطرْ كَبُرنا، وما عادَ في العُمرِ مُتسعٌ للخيالِ ورسمِ الصّورْ كَبُرنا، وخَطّ المشيبُ ارتسم فوقَ هاماتنا، وانتصَرْ فإلى أينَ تمضينَ بِنا أيّتها الطائرات، فَهيّا خُذينا إلى حيثُ يوماً نُخاصمُ هذا السّفرْ؟ خُذينا إلى واحةٍ نستريحُ، وأيضا نُريحْ إلى واحةٍ من سُباتْ إلى أينَ تمضينَ بِنا أيّتها الطائرات؟
قصيدة يا غربة الروح هي للشاعر بدر شاكر السياب، ولد السياب في قرية جيكور وهي قرية واقعة بالبصرة عام 1925م، وعاش سنواته الثلاث الأخيرة في صراع ما بين الحياة والموت، وللسياب العديد من الاثار المطبوعة ومنها: المومس العمياء، وشناشيل ابنة الجلبي، ومختارات من الشعر العالمي الحديث، وحفار القبو، وأنشودة المطر، وأزهار ذابلة، ومنزل الاقنان، والأسلحة والأطفال، وأما قصيدته يا غربة الروح فقال فيها:
يا غربة الروح في دنيا من الحجر
و الثلج و القار و الفولاذ والضجر
يا غربة أروح لا شمس فأئتلق
فيها ولا أفق
يطير فيه خيالي ساعة السحر
نا تضيء الخواء البرد تحترق
فيها المسافات تدنيني بلا سفر
من نخل جيكور أجني داني الثمر
نار بلا سمر
إلا أحاديث من ماضي تندفق
كأنهن حفيف منه أخيلة
في السمع باقية تبكي بلا شجر
يا غربة الروح في دنيا من الحجر
مسدودة كل آفاقي بأبنية
سود و كانت سمائي يلهث البصر
في شطها مثل طير هده السفر
النهر والشفق
يميل فيه شراع يرجف الألق
في خفقه و هو يحثو كلما ارتعشا
دنيا فوانيس في الشطين تحترق
فراشة بعد أخرى تنشر الغبشا
فوق الجناحين حتى يلهث النظر
الحب كان انخطاف الروح ناجاها
روح سواها له من لمسة بيد
ذخيرة من كنوز دونما عدد
الحب ليس انسحاقا في رحى الجسد
ولا عشاء وخمرا من حمياها
تلتف ساق بساق وهي خادرة
تحت الموائد تخفي نشوة البشر
عن نشوة الله من همس و من سمر
في خيمة القمر
يا غربة الروح لا روح فتهواها
لولا الخيالات من ماضي تنسرب
كأنها النوم مغسولا به التعب
لم يترك الضجر
مني ابتساماً لزوج سوف ألقاها
إن عدت من غربة المنفى هو السحر
والحلم كالطل ميتلا به الزهر
يمس جفنين من نور و ينسكب
في الروح أفرحها حينا و أشجاها
تسللت طرقتي للباب تقترب
من وعيها و هو يغفو ثم تنسحب
ونشر الحلم أستاراً فأخفاها
ورف جفناها
حتى كأن يدي
إذ تطرق الباب مست منهما واها
من دق بابي أهذا أنت يا كبدي
و ذاب من قبلتي ما خلف السهر
في عينها من نعاس فهي تزدهر
كوردة فتحت للفجر عيناها
قصيدة لا تعذليه فإن العذل يولعه هي للشاعر واسمه أبو الحسن علي أبو عبد الله بن زريق الكاتب البغدادي، ولد عام 1029م، ورحل الى الأندلس وتوفي فيها، كانت قصيدته لا تعذليه من أشهر قصائده وقال فيها:
لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ
جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّبِهِ
فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً
قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ
إِذا الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً
تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه
وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ
قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ
لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى
وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت
وَالدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه
أستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
وكم تشفّعَ بي أن لا أُفَـارِقَهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً
لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ
إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ
رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ
وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا
اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ
كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ
أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ
إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفقُها
بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ