اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إن التتار الليتوانيين بكونهم مهاجرين من الخانيات والقبائل القرمية، كان لديهم الاختيار إما أن يهاجروا عائدين إلى أوطانهم، أو يحاولوا أن يستقروا وينشروا الإسلام على أرض ليتوانيا؛ ولكنهم لم يختاروا أيًّا منهما! وقد كان هناك دومًا احتمال آخر، إن لم يكن اختيارًا، وهو الاندماج والتبنّي الثقافي، وكما أشار (ماريك دْزيكان) الباحث في جامعة وارسو بحق أن التتار البولنديين -وكذلك التتار الليتوانيون كامتداد لهم- تحملوا الاندماج الثقافي مع أنهم قاوموا الذوبان بنجاح، وبقوا -اسميًّا- مسلمين زهاء ستمائة سنة خلال إقامتهم في ليتوانيا وبولندا، حيث كان التحول إلى النصرانية في التتار الليتوانيين نادرًا، ومع ذلك -كما سنرى فيما بعد- فإنهم تخلوا عن العديد من الممارسات الإسلامية، وقد ظهرت منهم وبشكل واضح ممارسات غير إسلامية؛ بل ممارسات مخالفة للإسلام.
لقد بدأ التتار الاستيطان في ليتوانيا في الوقت الذي تحولت فيه إسبانيا إلى النصرانية، وفي الوقت الذي لم يتصل سكان البلقان بالتقدم العثماني بعد، بدأت عملية هجرة المسلمين من أصل تركي -نعني هنا وبشكل عام التتار- إلى ما كان يعرف في ذلك الوقت بدوقية ليتوانيا الكبرى في أوائل القرن الرابع عشر، واستمرت حتى نهاية القرن الخامس عشر تقريبًا، وبعد ذلك بزمن، ومن حين إلى آخر كان المسلمون الليتوانيون يتنقلون بين دوقية ليتوانيا الكبرى وبين الدولة العثمانية، لقد كان هناك ثلاثة أقسام للمهاجرين المسلمين إلى ليتوانيا:
الأول: المهاجرون السياسيون من الخانيات والقبائل التترية، وكان هؤلاء من أوائل المسلمين الذين ظهروا في ليتوانيا؛ وإن كان بعضهم قد عاد إلى أوطانهم فيما بعد، فإن أغلبهم بقوا واستقروا.
الثاني: الجنود المسلمون الذين اتخذهم "فيتاوتاس" الدوق الأكبر لليتوانيا لحمايته الشخصية في نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر.
الثالث: أسرى الحرب الذين أسروا خلال الحروب بين دوقات ليتوانيا وبين أعدائهم المسلمين في أقصى الحدود الشرقية لدوقية ليتوانيا الكبرى، والجدير بالملاحظة أن التتار استقروا فقط في المناطق الشرقية من ليتوانيا، وأغلبهم كان في العاصمة فيلنيوس وما حولها، حيث إن بعض هذه المستوطنات لا تزال تحمل أسماء ذات أصول تركية.