اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تعدَّدت الروايات التي تحدثت عن سبب تسمية الشاعر أبو الطيب باسم المتنبي، وذهب بعضها إلى أن المتنبي إدعى النبوة؛ بينما ذهب بعضها الآخر إلى أنه أخذ التسمية لأسبابٍ أخرى، ويبين الآتي الآراء المتعلقة بسبب تسميته بهذا الاسم:
ذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان"، وناصيف اليازجي في كتابه "العرف الطيب"، في شرح ديوان المتنبي، أن المتنبي كان قد ادّعى النبوة في بادية السماوة - بين الكوفة والشام - والتي أقام فيها فترةً من الزمن، متأثراً بذلك بالقرامطة؛ الذين كانوا يعتبرون دعاة مذهبهم أنبياء؛ حيث إن المتنبي كان أحد دعاتهم وقد سمى نفسه نبياً، وإضافة إلى ذلك كانت الدولة العباسية آنذاك مسرحاً للثورات والحركات التي تهدف إلى السيادة والرفعة، وكان أبو الطيب رجلاً طموحاً، وكان هذا المناخ مناسباً لرجلٍ مثله يسعى إلى بلوغ المجد والعلياء، ويذهب رأيٌ آخر إلى إنه أُطلق عليه لقب المتنبي بسبب أبياتٍ قالها في صباه توحي بتعاليه وعظم كبريائه وقد شبَّه نفسه بالمسيح بين اليهود وبصالح بين ثمود وهي:
ما مقامي بأرض نخلةٍ إلّا
إلى أن قال:
أنا في أمَّـةٍ تداركها الله
قيل أيضاً إنَّ المقصود بالنبوة التي ادعاها هو ملكته الشعرية واللغوية، وليست النبوة الدينية، واستدلوا بذلك بأبياتٍ كان قد نظمها وقال فيها:
أنا ربُ الندى وربُّ القوافي
وقال في قصيدة أخرى:
إِنَّ هَذا الشِعرَ في الشِعرِ مَلَك
أنكر أبو الطيب ادعاءه للنبوة عِدة مرات، وعندما سؤل عن المقصد من اسم المتنبي قال: "أنا أول من تنبأ الشعر" أما الدكتور شوقي ضيف فيرى ( إنـه هـو الـذي لقـب نفـسه بالمتنبي، أو لعـل بعض المعجبين بشعره هم الذين لقبـوه بـه، رمـزاً لعبقريتـه الـشعرية وأنـه يـأتي فـي أشـعاره بـالمعجز الذي ليس له سابقة).
ذهب الأستاذ محمود شاكر أبو الفضل إلى نفي ادعاء أبي الطيب للنبوة، وعزى تلقيبه بالمتنبي إلى أسبابٍ أخرى منها أن أبا الطيب كان معروفاً بورعه وعفته وتنزُّهه عن الفواحش؛ كالكذب والزنى وغير ذلك من المعاصي، وعُرف أيضاً بانشغاله وجديته في طلب العلم، وكان يحظى بمنزلةٍ رفيعة عند أئمة اللغة والأدب والنحو، أمثال ابن جني، وأبي علي الفارسي، والربعي، وعلَّل أبو الفضل ذكر المتنبي الأنبياء في شعره في صباه إلى أنه كان لتشبيه نفسه بهم، وليقيس أخلاق ممدوحيه إلى أخلاقهم.
أما أبي العلاء المعري فقد كان متشككاً غير مصدقٍ لادعاء المتنبي للنبوة، وقد جاء في كتابه "رسالة الغفران" أن المتنبي كان إذا سؤل عن سبب تسميته بهذا اللقب أجاب: "هو من النبوة، أي المرتفع عن الأرض" وقال المعري مدافعاً عن المتنبي: (وكان قد طمع في شيءٍ قد طمع فيه من هو دونه، وإنما هي مقاديرٌ يظفر بها من وُفق ولا يراع بالمجتهد أن يخفق، وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهًا، وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان لا ينبئ عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويُحتمل أن يظهر الرجل بالقول تدينًا، وإنما يريد أن يصل إلى ثناء أو غرض، ولعله قد ذهب جماعة هم في الظاهر متعبدون وفيما بطن ملحدون).
شغلت مسألة ادعاء أبي الطيب للنبوة بال العلماء قديماً وحديثاً، واختلفت آراؤهم في تلك المسألة، وتباينت مواقفهم، ويمكن تقسيمهم إلى ثلاث فئاتٍ على النحو الآتي:
يبين الآتي بعض آراء العلماء المحدثين في مسألة ادعاء ابو الطيب للنبوة: