اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت أسراب العصافير ترتفع ثم تهبط على الأشجار وكأنها ألعاب نارية, والأحبة يتهادون ويتهامسون في نشوة وقد تشابكت أيديهم, والأشجار التى جردها الخريف من أوراقها بدأت تدب فيها الحياة. كان كل شئ في حديقة الأندلس علي شاطئ النيل في ذلك اليوم من عام 1938 يحتفل بمقدم الربيع, وانطلق طفل يعدو في إحدى يديه قوس وفي الأخرى سهم.
في مهرجان الربيع هذا بدأ مختار بدرالدين الطالب بكلية العلوم وكأنه نغمة نشاز, فهو جالس بمفرده منزويا في ركن منعزل من أركان الحديقة علي مقعد خشبى تظلله شجرة عجوز محفور علي جذعها قلب يخترقة سهم وقد أدار ظهره للربيع كما أدارت له ظهرها زهرة كبيرة صفراء واتجهت نحو قرص الشمس, وفي يده كتاب "علم الحيوان" يحاول ان ينقل إلى مخزن ذاكرته كل ماهو مدون في صفحاته, فهولم يحضر للحديقة للنزهة وطلب المتعة كغيره من خلق الله, ولكنه اعتاد زيارتها من آن لآخر ليذاكر دروسه, كان هو الإنسان الوحيد في الحديقة الذى لايشعر بمتعة الربيع, الحياة في نظره معمل ومحاضرة وكتاب.