اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أحسن الناس مشيةً، فقد كان يمشي بتواضعٍ ووقارٍ وتأنّي، وهي المشية التي وصفها الله -تعالى- بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَـنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)، إلّا أنّ ذلك لا يعني الكسل والخمول والضعف في المشية، فقد كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بعيدٌ عن ذلك، فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- قال: (أنَّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان إذا مَشى؛ مَشى مُجتمِعًا ليس فيه كسَل).
وكانت مشيته -صلّى الله عليه وسلّم- مُفعَمَةً بالنّشاط والحركة والسرعة، وهناك العديد من الأحاديث الدّالّة على ذلك، منها ما ثبت عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنّه قال: (إذا مَشى تَكفَّأَ تَكفُّؤًا، كأنَّما يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ)، والتّكفُّؤ هو الميل إلى الأمام، وما صحّ عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنّه قال: (كان إذا مشَى تقلَّعَ)، أي أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان إذا مشى؛ يرفع رِجْلَيه عن الأرض ثمّ يُخفِضهما بحيث لا يَجرّهما ولا يَسحبهما سحباً دلالة على عدم التكبّر بالمشي، وقد ثبت عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّه قال: (كان إذا مَشَى كأنَّهُ يَتَوَكَّأُ)، ويتوكّأ؛ أي يُسرَع في المشي من غير جريٍ أو رَكْض، ولا يتكلّم فيه، كما أن التوكّؤ يعني الاعتماد على العصا، وكونه -صلّى الله عليه وسلّم- كان يُسرِع في مشيته فإنّ ذلك لا يعني الاضطراب فيها كمَن يُحرِّك كامل جسده أثناء مشيه فيُتعِب نفسه، بل كانت مشيته -صلّى الله عليه وسلّم- أعدل وأوسط المشيات، فلا تميل إلى التماوُت والتّباطؤ، ولا إلى الاضطراب والسرعة الشديدة.
كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إذا مشى مع أصحابه مشى خلفهم، وهذا شأن الراعي المسؤول عن رعيّته، وقد كان يكره المشي أمامهم كالملوك والسلاطين الذين إذا مشَوا اتّبعهم الناس ومشُوا خلفهم كالخدم، وقد دلّ على ذلك قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (امشوا أمامي)، لِذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يمشون عن يمينه وشماله وأمامه فقط، ويعود سبب مشيته -صلّى الله عليه وسلّم- مع أصحابه على هذا النحو لِعدّة أسباب منها: كمال تواضعه -صلّى الله عليه وسلّم- لله -تعالى-، أو لِأنّ الملائكة تمشي خلفه لِقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (خَلُّوا ظَهري للملائكةِ)، أو لِيتمكّن -صلّى الله عليه وسلّم- من الاطّلاع على أحوال أصحابه وحركاتهم؛ فيُعلِّم ويُربّي ويُؤدِّب ويُعاتب وفق أحكام الشريعة وتعاليمها.