اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
من رَحمةِ اللهِ تعالى بِعبادِهِ أن جَعَلَ لَهمُ التَّوبَةَ باباً مفتوحاً لا يوصَدُ في وَجهِ العَبْدِ مهما بَلَغَ من الذّنوبِ وأصابَ منَ المُنكراتِ، فإذا ما أدرَك العَبدُ نفسَهُ، والتَمَسَ من اللهِ نوراً، وأبْصَرَ إليهِ طريقاً يَبتَغي العودةَ إليهِ والإقبالَ عليهِ والإقلاعِ عمَّا نهى اللهُ وحرَّمَ مُعلِناً بِذلكَ توبَتهُ، عاقداً العزمَ على ألَّا يَعودَ لِسابقِ عهدِهِ؛ فإنَّ الله يَقبَلُ توبَتهُ، ويَفرحُ بِها على ما يَليقُ بِكمالِهِ وجلالِهِ. عن ابن مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ عن رسولِ الله عليه الصَّلاةُ والسَّلام أنَّهُ قال: (لَلَّهُ أفْرَحُ بتوبةِ العبدِ من رجلٍ نزَلَ مَنزِلًا وبهِ مَهلَكُهُ ومعَهُ راحلَتُهُ عليْها طعامُهُ وشرابُهُ فوضَعَ رأسَهُ فنامَ نوْمةً، فاسْتيقظَ، وقدْ ذهبَتْ راحلتُهُ، فطلَبَها، حتى إذا اشْتَدَّ عليه الحرُّ والعَطَشُ، قال: أرجِعُ إلى مَكانِي الَّذي كنتُ فيه، فأنامُ حتى أموتَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ، فإذا راحلتُهُ عِندَهُ، عليْها زادُهُ: طعامُهُ وشرابُهُ فاللهُ أشدُّ فرَحًا بتوبةِ العبْدِ المؤمِنِ من هذا بِراحلَتِه وزادِهِ).
والمُسلِمُ إذا أرادَ أن يَتوبَ فإنَّهُ يَصنَعُ رابطاً جديداً بينَهُ وبينَ ربِّهِ فيُسخِّرُ الله لهُ أسبابَ الهدايةِ ومَن يُعينُهُ عليها، وقد شَرَع الله التَّوبَةَ لِعبادِهِ، وحثَّهم عليها، ووعَدَ التَّائبينَ بكَرمِهِ أن يغفِر لهم ويَرحَمَهم. قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). والتَّوبَةُ حالٌ شَرعها الله ثمَّ أحبَّها من عِبادِهِ وأعظَمَ شأنَها فقالَ في كِتابِهِ العظيم: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، والتَّشديدُ في (التَّوابينَ) يدلُّ على التَّكثيرِ والاستِزادَةِ والدَّيمومَةِ، فمَن تابَ توبَةً على ذنبٍ ثمَّ ذَكَرهُ فتابَ، ثمَّ كلَّما ذكَرَهُ تابَ فكأنَّما صارَ ذنبُهُ عِبادَةً لهُ لِعِظَمِ توبَتِهِ وديمومَتِها، أمَّا إذا ذَكَرَ ذَنبَهُ فَسَعِدَ بِهِ واشتاقَ إليهِ فكأنَّما عادَ لِذنبِهِ وأصرَّ عليهِ وما هوَ بِتائب. وقد تَضَافَرت دَلائِلُ الكِتابِ والسُّنَّةِ على وُجوبِ التَّوبَة، ولُزومِ المُبادَرةِ إليها، وأَجمَعَ على ذلك أئِمَّةُ الإِسْلامِ ـ رَحِمَهُمُ الله تعالى. ولا يَكونُ العَبدُ تائِباً حقّاً إلَّا إذا تَوفَّرت في توبتِه خَمسةُ شُروط.