اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
اعتمد هذا الأمير(جهجاه) في ظل اختلال ميزان القوى مع أخصامه على تخطيطهِ العسكري البارع، وشجاعتهِ المتناهية، وإقدامهِ المنقطع النظير وسمعته القتالية في المعارك التي كثيراً ما دفعت المواجهين له من الهرب من أمامه عند الصدام رغم تفوقهم الكبير في العدد والعدة حتى قبل نشوب المعارك واحتدام القتال. لقد اعترف بمواهبه القتالية معظم المؤرخين المعاصرين له، رغم أن ميولهم قد تكون غالباً مع المعسكر الآخر، وقد حضر بعضهم أكثر من معركة خاضها فكانوا شهود العيان ووصفوا كيف كان جهجاه يقودها بشكل مميز وفريد يدل على معرفته بفنون الحرب والتمرس على القتال.
لم يتأخر جهجاه في اغتنام أول فرصة سنحت له لمقاتلة أحمد باشا الجزار عندما إنقسم الشهابيون فريقين، أحدهما مع الجزار وعلى رأس قواته أميران، هما علي أمير حاصبيا ومحمد أمير راشيا، وعلى رأس الفريق الآخر الأمير يوسف الذي ناصره جهجاه وإنضم إلى عسكره في قب الياس حيث جرت المعركة في وادي أبو عياد فإنهزم الجزار ولاحقه المنتصرون حتى قرية خربة روحا فنهر الحصباني " وكان وجه الحرب للأمير جهجاه" عاد الأمير جهجاه إلى بعلبك منتصراً، ولكن الجزار أعاد جيشه المنهزم إلى متابعة القتال، فوقعت المعركة الثانية بالقرب من قرية جب جنين في البقاع في البقاع سنة 1789م بدون مشاركته فإنكسرت قوات الأمير يوسف وإضطر إلى التراجع إلى الباروك، ثم التخلي عن الحكم للأمير بشير قاسم في العام نفسه.
في آخر كانون الأول 1791م وضع جهجاه خطة لاحتلال بعلبك وطرد عسكر والي الشام أحمد باشا الجزار منها ولم يكن معه أكثر من مئة محارب صلداتي فاستأجر مئة آخرين من أهل زحلة والجبل لمدة يوم واحد بخمسة قروش أو سبعة قروش لكل منهم.
كان هناك حرس على المدينة من جهة الغرب حيث تمتد السهول الفسيحة فأختار الدخول من الشمال من ناحية اللبوة. وكانت خطته تقضي بالدخول خلسة إلى وسط المدينة دون أن يشعر به أحد ومنع رجاله من القيام بأي حركة أو صوت قبله وأعطاهم كلمة السر "عبد الله" فمن لا يرد عليها بمثلها يطلق النار عليه فوراً. بعد قتل الحرس دخل وشقيقه سلطان ورجاله إلى المدينة بعد منتصف الليل ولما وصلوا إلى وسطها، أعطى جهجاه الإشارة بإطلاق الرصاص وارتفاع الصياح فظن العسكر الموجودون فيها أن جيشاً كبيراً يداهمهم، فلم يقدروا على المحاربة وأذهلتهم المفاجأة فأركنوا إلى الفرار والقليل منهم من استطاع أن يحمل سلاحه أو يركب فرسه فقتل منهم أكثر من نصفهم وهرب الباقون إلى دمشق و احتل جهجاه المدينة وأقام في زحلة منتظراً.
"وصل الهاربون إلى الشام وأخبروا بما حدث لهم فتعهد الملا إسماعيل بالثأر من جهجاه وقصد زحلة مع ألف ومائتي فارس ولم يكن في زحلة يومها أكثر من مائتي بارودة بالإضافة إلى خمسين أو ستين هم مجموع رجال جهجاه فطلب من الأهالي حفر خندقاً حول زحلة يسورها من جميع الجهات بحيث لا تقدر الخيل على الدخول اليها إلا من معابر ممهدة"
"هاجم إسماعيل البلدة من جهتي الشمال والجنوب فاحتمى الرجال في الخنادق حتى إذا قربت الخيل منهم أطلقوا النار عليها دون أن يظهروا أمام العسكر فينكفئ مهزوما وكانت مهمة سلطان ومعه عشرون من رجاله أن يقاوم الفرقة الثانية من العسكر فإذا تعرض لهجوم تحميه الرجال الذين كمنوا في الكروم فجعل سلطان من نفسه فخاً يطارده العسكر حتى يدفعهم إلى الاقتراب من المكمن حيث يصبحون هدفاً سهلاً لسلاح الكامنين".
استمرت هذه المعركة أكثر من خمسة ساعات إنهزم العسكر( الملا إسماعيل) على أثرها بعد أن قتل وجرح منه كثيرون ولم يقتل من المدافعين (جهجاه وسلطان و المدافعين معهم) سوى رجل واحد هو ابن مبارك.
هذه المعركة التي اشترك فيها ووصفها بدقة القس المؤرخ حنانيا المنير بعد أن استبدل لباسه الكهنوتي، حيث قال تظهر مواهب جهجاه الخارقة في رسم الخطط الحربية الناجحة والتي تعتمد غالباً على عنصر المفاجأة والسرعة والتي يمكن الاستعاضة بهما، بالإضافة إلى الشجاعة والمراس، عند التفوق الكاسح في العدد والسلاح.
شارك الأمير جهجاه في معظم هذه المعارك حيث جرت خلال فترة حكمه (1787م: 1817م). وبعد آخر المعارك مع الجزار التي جرت سنة (1792م) سار طنوس شبلي المعلوف وبعض الأعيان وتوسطوا الأمر عند الجزار وأخبروه بما عليه جهجاه من البأس والقوة وأنه لا يمكن لغيره أن يحسن إدارة بلاد بعلبك وأخبروه أن سكانها تركوها لما ترك الحكم، فأعاد اليه الولاية على أن يدفع عشرة أكياس واستقدم الفارين من الرهبان وغيرهم، فعمرت البلاد بعد أن كانت خربة.
إن موهبة جهجاه العسكرية أمنت له الفوز في أكثر من عشر معارك على الأقل خاضها ضد الولاة العثمانيين بمن فيهم أحمد باشا الجزار، ورد بنجاح حملات متتابعة تهدف إلى القضاء عليه وتعيين موظف عثماني مكانه، لقد صمد في فترة عصيبة على الشيعة، كان الجزار خلالها قد اجتاز جبل عامل وشرد رجاله وأعيانه، كما خسروا مواقع حكمهم ولا زالوا يتعرضون لضغط متواصل لإستئصالهم من ديارهم. فلم تبقى غير بلاد بعلبك ملجأ يأوون إليه يضمدون جراحهم ويتخذون منها قاعدة انطلاق لجهودهم الرامية إلى العودة إلى ديارهم وبيوتهم وقراهم، وميداناً ينطلقون منه في حملات قتالية متتالية لإستعادة ما فقدوه، في ظل قوة عثمانية طاغية تتفوق على طاقتهم المتبقية بغارات إلى ديارهم الأولى يواجهون بها من أجبرهم على تركها ثم يعودون لتنظيم غارة أخرى بانتظار تغير الظروف. فكانت بلاد بعلبك هي القلعة الشيعية الأخيرة التي لم تسقط بعد وربما هذا هو السبب الذي جعل جهجاه هدفاً لهذا العدد من الحملات التي ترمي إلى اجتياح بعلبك والقضاء على الحكم الشيعي فيها وإقفالها بوجه الهاربين من الشيعة، بل وربما تهجير أهلها أنفسهم كي لا يبقى أمام الجميع من ملاذ آمن وقرى وسهول خصبة والخالية من السكان إلا من القليل من القبائل بدوية من الرعاة الرحل.
وبداية احتدام الصراع بدأ عندما تولى أحمد باشا الجزار ولاية الشام بالإضافة إلى ولاية عكا سنة 1790م، فأراد أن يسدد حساباته القديمة مع جهجاه فإتفق مع بشير شهاب على عزله والاستعانة على إتمام ذلك بحرفوشي آخر هو قاسم بن حيدر الحرفوشي فجهز الاثنان عسكراً سار من دير القمر وإنضم اليه خمسماية رجل من زحلة والمتن من الأمراء اللمعيين، وكان جهجاه في تمنين فالتقى العسكران في أبلح فانتصر عليهم وهربت فرسان الجبل، "أما الزلم فأدركتهم رجال أبو ملحم، الذي من كبر مروءته، كما نبه على رجاله أن لا يقتلوا أحداً بل يشلحوهم فقط سلاحهم وثيابهم ويطلقونهم. وقد قبض على الأمير مراد بن شديد اللمعي فأعاد له حوائجه وفرسه وأطلقه مكرما لأجل صداقة أبيه، وكان رجال جهجاه أقل من ربع العسكر المهاجم ولم يخسر في هذه المعركة سوى أربعة رجال فقط"
يقول مؤرخ معاصر في وصف المعركة" كان جهجاه جامعاً عسكره معه في قرية تمنين فحالما بلغه حضور العدو قام من تمنين إلى أبلح، فلما نظرته عساكر لبنان (الجبل) وقع الخوف في قلوبهم، فهربت الخيالة، أما المشاة فأمسكوهم وأخذوا منهم أسلحتهم بعد أن قتل كم واحد منهم وكان ذلك في 21 حزيران 1790م".
لم تهدأ الحرب بين الجزار وجهجاه حتى تاريخ عزله من ولاية الشام سنة 1795م، فاستمرت الحملات تتوالى من دمشق إلى بعلبك ولكن حنكة جهجاه وشجاعته لم تتركا لها مجالا لتحقيق أي هدف سياسي فتعود فاشلة بعد أن تترك آثار التدمير والخراب والقتل في أمكنة مرورها. وسنأتي باختصار شديد على بعض الحملات وكيف واجهها أمير بعلبك الصامد.
بعد مقتل قاسم الحرفوش ودخول جهجاه إلى بعلبك أرسل الجزار عسكراً لمهاجمة المدينة والقبض عليه وأو قتله فإنسحب جهجاه إلى الزبداني هذه المرة حيث جمع رجالا وهاجم بعلبك فقتل نحو ثلثي العسكر ودخل السرايا. وجاء في بعض المصادر أن شهابي وادي التيم أعانه بمائة درزي قاتلوا معه.
" فأعاد الجزار الكرة بعسكر أكبر فإنسحب إلى حوض الأمير سلمان تحت زحلة فتبعوه إلى هناك في 20 كانون الثاني 1792م فهاجمهم وقتل خمسة عشر رجلا منهم وطردهم إلى القرعون في آخر البقاع وعاد إلى قب الياس"
في شباط من العام نفسه أمر الجزار عسكر الشام في البقاع أن يهاجم جهجاه حيث هو في قلعة قب الياس فإنسحب إلى الشمال وتبعه العسكر ونهبوا الفرزل وأبلح ولما عجزوا عن جهجاه قتلوا في طريقهم بعض الرعاة من الأولاد وبعثوا برؤسهم إلى الجزار فلما رآها عرف أنها رؤوس رعاة مواشي، فحنق على جنوده وأرسل لهم يقول " لقد أرسلتكم لتقطعوا رأس جهجاه الحرفوش وأنتم لم تستطيعوا إلا قتل أولاد فإتركوا البقاع. فعادوا إلى عكا وأراحوا البلاد من شرهم"
و كانت آخر حملة شنها الجزار على بعلبك في السنة الأخيرة من ولايته الثانية على الشام ولم تختلف عن سابقتها، فقد إنسحب جهجاه إلى رأس بعلبك وأخلى الناس بمن فيهم الرهبان، وتعطل موسم القز إذ كان قريباً وعاد عسكر الجزار مخذولا كعادته.
نجح الجزار في اجتياح جبل عامل وقتل زعيمه الأكبر وشرد أهله، كما نجح عثمان باشا وأولاده في تنصيب يوسف شهاب والياً على جبيل والبترون وجبة بشري وكسر شوكة الشيعة في جبل لبنان، إلا أن هذه القوى القادرة ومن يحركها ويقف وراءها فشلت في النيل من جهجاه الحرفوشي رغم محاولاتها المتكررة بسبب عبقريته العسكرية الفذة وجرأته القتالية النادرة، وهذا ما حفظ للشيعة في سائر أنحاء لبنان ملجأً آمناً يأوون إليه ونقطة انطلاق يتحركون منها ويتحصنون فيها. وهكذا استطاعوا الصمود أمام المخططات هادفة ألى إفنائهم وتلاشيهم كما توقع الكثيرون، ولجهجاه في منع ذلك فضل لا يجحـد وذلك كما جاء في كتاب الشيعة في لبنان الطبعة الثانية صفحة 324 و 325.