اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تخبرنا المصادر التاريخية بان هذه المدينة كانت مركزا لدويلة مستقلة تسمى (دولة كيماش) في العهد البابلي حيث كان موقعها آنذاك في (آسكي كفري _ 7 كلم جنوبا) تم تشيدها بعد انهيار السد المقام في موقع (قوشة چاپان) شمال المدينة الذي ادى إلى دمار المدينة دمارا كاملا حيث لا تزال آثار السد المتهرئ والمدينة المنكوبة ماثلة للعيان بكل وضوح في موقع المدينة القديم في الضفة الشرقية لنهر كفري التي تحمل اسم (قرة اوغلان) حسب الوثائق والخرائط العثمانية، و(قوشة چاپان) موقع يقع في نهاية السلسلة الجبلية التي يعتبر باباشاسوار اعلى قمة فيها، وقد تعرضت المدينة إلى غزو الرومان فتدمر المدينة ثانية في معركة جرح فيها القائد الروماني المدعو (چوليا) فانتقلت المدينة من آسكي كفري إلى موقعها الحالي لاسباب أمنية دفاعية صرفة حيث الموقع الحالي مطوق بمرتفعات في جهته الشمالية والشرقية وضرب حوله سور لازال بعض آثاره باق والسور كان باربعة بوابات وكل بوابة تحمل اسم الجهة التي تقصدها وهي (قاپي (باب) 12 امام) شرقا و(قاپي بغا _ بغداد) جنوبا و(قاپي شارزور) شمالا و(قاپي كركوك) في الشمال الغربي ولكل بوابة من هذه البوابات الأربعة طريق يؤدي إلى تلك المدن والمواقع والأهالي لا زالوا يستخدمون أسماء البوابات تلك للدلالة على الاتجاهات في احاديثهم اليومية، فمن يزور كفري تتماثل امامه عشرات الشواهد التاريخية تتحدث بصمت عن ماضي المدينة العريق ومن تلك الشواهد موقعة (قزلر قلعسي) التي تكتنفها الاساطير والقصص المشوقة وموقعة (7 مغارة) حيث المعابد الزرادشتية السبعة المتلاصقة أحدها بالاخر و(يك مغارة) وقد تم نسف هذا الموقع بالديناميت من قبل عابث حر بحثا عن الآثار التي أصبحت تجارة رائجة في العراق وموقعة (دربندي تالا) وموقع (آسكي كفري) ومغارة (گوبان) التي كانت تعج بالاطفال المصابين بالسعال الديكي حيث يعتقد الناس هنا ان مناخ الكهف يساعد على شفائهم (باذن الله) والجبل المسمى ب (داش اتان) على طريق سرقلعة القديم (طريق شهرزور) وقلعة (شيروانه) الرائعة في بنگرد كلار وفي الكثير من هذه الكهوف تنبت حشائش الكزبرة (به ره زا) التي تستعمل كدواء لمعالجة امراض الكلى، إلى جانب العشرات من المراقد والمزارات والاضرحة التي تتبرك الناس بها وكلها تحمل قصص تاريخية لم يشر إليها معظم من كتبوا تاريخ المنطقة ومن المراقد المهمة مرقد الامام إبراهيم السمين بن موسى الكاظم ومقام إبراهيم الخليل. كفري بعد تشكيل الدولة العراقية استوزر الكثير من أبناء كفري في العهد الملكي حتى اطلق عليها بلدة الوزراء حيث كان عمر نظمي وزيرا في عدة وزارات متعاقبة وقد أصبح بعده ابنه جمال عمر نظمي وزيرا وهو من عشيرة الونداويية القادمة من منطقة وان وباشقلا في شمال كوردستان وقد هجرت العشيرة موطنها الاصلي بسبب مشاكل بينها وبين عشائر أخرى هناك ورئيسة العشيرة كانت امرأة تدعى التون خانم نادرة في الشجاعة والاقدام ونكران الذات إلى جانب حسن جمالها وهي التي قامت بتشيد جسر على نهر الزاب في طريق هجرتها إلى الجنوب من كوردستان بعد أن عارضها صاحب الجسر القديم ان يتزوجها مقابل السماح للعشيرة مع كامل ملحقاتها بالعبور إلى الضفة الأخرى لكنها أبت ان تكون مجرد بضاعة فامرت عشيرتها ببناء جسر كبير اطلق عليه (التون كوبري) أي جسر التون ومنها جاءت تسمية المدينة التي بنيت على جانبى الجسر (مدينة التون كوبري) الحالية من اعمال محافظة كركوك، وتيمنا على هذه الشجاعة النادرة خلد أحد شعراء كركوك هذه المأثرة برباعية من الخوريات التركمانية لازالت الالسن تترددها في مجالسها ونص الرباعية كالاتي : صو ساني سونبول ساني صوساني گيچمه نمارد كوپرسنن قوي اپارسن صوساني ومعنى الرباعية التي أصبحت مثلا يضرب (فليجرفك السيل خيرمن تعبر جسر من لا شرف له) وتعطي نفس مدلول المثل العربي (لا تأخذ الحاجات الا من اهلها) ، أبناء هذه العشيرة امتهنوا السياسة في العهد العثماني ولهذا تشرئبوا بالثقافة التركية وأصبحت التركمانية لغة التفاهم فيما بينهم واختلط الأمر على البعض منهم فاعتبروا انفسهم تركمانا غير ان رئيسهم القاضي نهاد بيك الونداوي تفرغ للمسألة بعد احالته على التقاعد فحقق من شجرة العائلة واثبت اصلها الكردي وبدأ يلبس الزي الكردي كي يقطع شك المتشككين في الأمر وحتى توزير عمر نظمي في العهد الملكي تم وفقا لمبدا المحاصصة القومية في العراق حيث كان يمثل المقعد الكردي في الوزارات التي استوزر فيها، ولكن ما يثير استغرابنا ان حفيده الدكتور وميض جمال عمر نظمي يعرف بمنظر للقوميين العرب ولم يذكر مرة من المرات اصله الكردي ولا مدينته كفري وحتى عندما وضع اطروحته حول ثورة العشرين لم يذكر كفري بكلمة واحدة في حين تعتبر المدينة من المحطات الرئيسية للثورة في كردستان والعراق. ومن الشخصيات الأخرى التي تم استيزارها في العهد الملكي محمود بك بابان واحمد مختار بابان آخر رئيس وزراء في العهد الملكي قد تزوج من عفاو خان شقيقة الأول من العائلة البابانية الشهيرة التي استقرت رؤسائها في كفري بعد انهيار الإمارة البابانية التي كانت كفري أحد توابعها، فقد بنى عبد المجيد باشا الباباني قصرا فخما في غرب المدينة داخل البستان الذي يحمل اسمه لحد الآن، وشقيقه إسماعيل بيك سكن في الضفة الأخرى من المدينة واحد أكبر احياء المدينة يحمل اسمه، خلف المشهور جميل بيك بابان والده وقد انجب الاخير ست أبناء اشهرهم أحمد بيك الذي كان من المساندين لحزب هيوا بقيادة رفيق حلمي وهو أول من احتفل بعيد نوروز وجعله تقليدا دائما في المدينة وكان منزله يضم مكتبة عامرة وان كان هو ضريرا وقد تربى شقيقه نجيب بابان في هذه المكتبة فأصبح علما من اعلام كردستان. ومن وزراء العهد الجمهوري في العراق نذكر الدكتور مكرم طالباني وزير الري واحد اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي سابقا، وقد تقلد السيد محمد شاكلي وزارة الاوقاف في حكومة اقليم كوردستان بينما تقلد السيد عثمان حاجي محمود وزارة الداخلية في نفس الحكومة، اما اعضاء المجلس النيابي في العراق فكان المرشحون للواء كركوك غالبا من قضاء كفري (من رؤوساء الجاف والداودة) ، وفي أول برلمان كوردستاني مثل ثلاثة هذه المدينة وهم الدكتور حمة نجم الجاف عميد كلية الطب بجامعة صلاح الدين والاستاذان صلاح حميد وعلي عبد الله غير ان الحزبين اهملا أبناء المدينة في ان يمثلوا في المجلس التاسيسي العراقي الحالي وفي الدورة الثانية لبرلمان كوردستان لكثرة المحسوبين والمنسوبين، ماكثر اعدادهم وما اقل خدماتهم.
مدينة البساتين بلا شجر كتب شيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني في كتابه (العراق قديما وحديثا) ، كفري مدينة تشتهر ببساتينها الإناءة، فالإدارة المحلية اهملت اعادة بناء السد الصغير في موقع (قوشة چاپان) فانقطع الوريد الرئيسي الذي كان يغذي عشرات البساتين العامرة في المدينة حتى عام 1963 فأصبحت جميعها مجرد ذكرى في مخيلة الجيل الذي سوف ينقرض بعد اعوام، فبساتين المدينة التي كانت المدينة تشتهر بها يوما ليست اليوم سوى أسماء مجردة في الذاكرة لاشجار كانت ترفد أبناء المناطق المجاورة حتى 150 كلم شمالا صنوف مختلفة من التمور والحمضيات ومن أشهر بساتين المدينة بستان الباشا المار ذكره وبستان القاضي وبستان مملي وبستان حيارة وبساتين حاجي تورشي وعينة بك وحاجي قره وحاجي عثمان وميللت وقوشقونماز ووابراهيم بيك وميري وملا خليل وملا بنزين وحاجي علي وحاجي حمه امين زركويزي وغيرها.
مدينة الفنادق بلا فندق كان كفري منذ القدم ملتقى للطرق التجارية إلى جانب موقعه الستراتيجي والصناعي، حيث كان يقع في منتصف الطريق التجاري القادم من بلاد فارس إلى بغداد ولذلك كانت القوافل التجارية القادمة والغادية تتوقف عند خاناتها الكثيرة للاستراحة والتبضع في آن واحد، هذا ما دفع اصحاب رؤوس الاموال إلى الذهاب إلى المدينة وانشاء مصانع ومعامل ومطاعم وخانات وطواحين في المدينة ومن الخانات التي لازالت اثارها باقية كاطلال ترمز إلى ازدهار المدينة حتى وقت قريب هي خانات (باشا وعباس خانجي، حاجي عزيز، جميل بابان (والد الوزير محمود بابان) ، خان خويكه (خان الملح) ، حاجي رؤوف، بهجت جلبي، مصطفى ريزي (كان مسؤولا لحزب الاتحاد والترقي فرع كفري) ، خان إبراهيم عزت، حاجي امين رباتي، علي ميراخور، خان محمود جلبي، خان محمد علي افندي وأخرى كثيرة والخانات كانت سائدة آنذاك في مناطق كثيرة وكانت تستخدم كفنادق هذه الايام وفيها ملحق لايواء الحيوانات ومخازن لتكديس بضائع المسافرين، وهنالك الكثير من المدن والقرى اخذت تسميتها من هذه الخانات مثل خان النص وخان بني سعد وكذلك قرية خان القريبة من كفري، وفي الخمسينات شيد الحاج رؤوف وهو من اعيان المدينة سماها فندق نجيب ولكنه اليوم وبعد اهمال المدينة من قبل كل من حكم العراق منذ تاسيس العراق ولحد الآن أصبح خرابا هو الآخر فبدلا من ان تزورها الناس أصبح السكان الاصليون يتركون المدينة ويتوجهون إلى المدن الكبيرة بحثا عن لقمة العيش وقد سكن قسم كبير منهم في كلار المدينة القريبة منها (40) كلم شرقا والتي كانت لغاية عام 1970 قرية صغيرة من توابع المدينة فاهتم بها النظام الدكتاتوري وقام بتوسيعها من خلال بناء عدة مجمعات فيها لاستيعاب المرحلين الكرد من خانقين والمهجرين من القرى التابعة لقورتو وميدان وثم القرى المهدمة جراء عمليات الانفال وبعد الانتفاضة الجماهيرية عام 1991 التي اعقبتها حكومة اقليم كوردستان وبدلا من اصلاح الأمر قامت هذه الحكومة بتطويرها من خلال بناء المعاهد والمؤوسسات المختلفة على حساب مدينة كفري التي ازدادت اهمالا وخرابا وحتى المشاريع التي غزت المنطقة بعد قرار النفط مقابل الغذاء كانت نصيب المدينة شئ لا يذكر فيما إذا قورنت بمدن أخرى مثلها في اقليم كوردستان وإذا كانت المقارنة مع مدينة كوية (كويسنجق) مثلا فيصاب المقارن بصداع ودوار من اثر الفرق بالاهتمام بالمدينتين وسكانهما في آن واحد !!
مدينة الطواحين المائية حتى نهاية الستينات كان سكان اقضية كلار وطوز ونواحي بيباز ودربنديخان وسنكاو وقادركرم ونوجول وسرقلعة وقره تبة وجبارة وزنكاباد وجمع القرى التابعة لها وحتى أهالي بعض القرى في ناحية قره داغ تقصد هذه المدينة للتبضع والتجارة ومتابعة المعاملات الرسمية، ولاجل استيعاب هذا الكم الهائل من الناس كان هنالك في المدينة إلى جانب الخانات المذكورة العشرات من المطاعم (لوقنته خانات) والطواحين المائية والهوائية في اطراف المدينة وعلى امتداد النهر والتي غدت هي الأخرى اطلالا كرموز المدينة الأخرى ومن أهم تلك الطواحين هي (قره داگيرمان، باش داگيرمان، موسى بك، كوير پسك، قدو، إبراهيم صنع الله، اسطة نوري حسن، خليفة آشوان، أحمد ملا عمر، إبراهيم وستا محاو، نوري مبارك وأخرى وقد كانت كل هذه الطواحين تدور لانتاج المزيد من الدقيق تلبية لحاجة السوق العامر في المدينة التي خلت من كل معالمها الآن وتصدع سقفه الذي بناه بنائون مهرة من بلاد فارس، فمن يلاحظ المباني القديمة يتراءى له خليط عجيب من الطرز المحلية والإسلامية والفارسية والتركية والكردية وحتى نماذج من طرازات بابلية وساسانية، فهنالك القبب والمنائر والشناشيل والاسواق المسقوفة والطاقات والاقواس، وهنالك مصطلحات قديمة في تفاصيل البناء آخذة طريقها إلى النسيان منها (دنجاغ، سرداب، شوقلت، العتبة، الإيوان، بانكويز، سكو، كوشك، ديوه خان) وجميع المباني في المدينة بنيت بمواد اولية محلية وخاصة الجص والحجر من مقالع خاصة من الجبال التي تطوق المدينة من جهتها الشمالية والشرقية وكل هذا الخلط من الطرازات يعني ان المدينة كانت متأثرة بالحضارات المختلفة عن طريق القوافل التجارية التي تقصد المدينة، ويجب أن نذكر ان الكثير من اؤلئك التجار استقروا في المدينة ولا زالت عوائل كثيرة وكبيرة منهم تقطن المدينة بعد أن تزاوجوا مع السكان الاصليين وأصبحوا مع الزمن من سكان المدينة، فقد اطلعت في خزانة المحامي طالب عبد الله اغا وهو من اعيان المدينة مجموعة نادرة من سندات البيع والشراء لدور وعرصات ومطاحن وخانات واسواق تعود تاريخها إلى قرون، وقد قمت بتحقيق واحدة من تلك المستندات وهي وثيقة بيع طاحونة إلى أحد المماليك في كفري تحمل توقيع داود باشا والي بغداد المشهور مع تواقيع ثمانية عشر من اعيان ووجوه بغداد ما يؤكد أهمية المدينة في تلك الفترة حيث حتى المماليك كانوا يتوجهون إليها لشراء عقارات فيها.