English  

كتب كبريت

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

كبريت (معلومة)


الكبريت هو عنصر كيميائي لافلزّي رمزه S وعدده الذرّي 16؛ ويقع ضمن عناصر الدورة الثالثة وفي المجموعة السادسة عشر (المجموعة السادسة وفق ترقيم المجموعات الرئيسية) في الجدول الدوري، حيث يقع في المرتبة الثانية في نفس مجموعة الأكسجين، بالتالي فهو من الكالكوجينات. ينتمي عنصر الكبريت إلى اللافلزّات وهو متعدّد التكافؤ ويوجد عددٌ كبيرٌ من المركّبات الكيميائية الكبريتية. عُرفَ الكبريت في الحضارات القديمة المختلفة، وكان للعلماء العرب والمسلمين دوراً في تطوير ونشر المعارف عن الكبريت، خاصّةً العالم جابر بن حيان، الذي توصّل إلى اكتشاف حمض الكبريتيك وأسماه «زيت الزاج»، حيث كانت تشير تسمية الزاج إلى أملاح الكبريتات المشتقّة من هذا الحمض.

يوجد الكبريت في الطبيعة على شكله العنصري الطبيعي الخام بشكلٍ وافرٍ نسبياً (العاشر من حيث ترتيب العناصر بالنسبة للكتلة في الكون)، إذ يُصادَف في الطبيعة في الشروط القياسية على شكل خامّ بلّوري أصفر اللون من ثماني الكبريت S8، والذي يعرف باسم «زهر الكبريت». كما يدخل الكبريت في تركيب المعادن في القشرة الأرضية على شكل معادن الكبريتيدات ومعادن الكبريتات؛ كما يدخل أيضاً في تركيب القطفات الثقيلة من النفط. يستحصل على الكبريت حالياً على شكل منتج ثانوي من عملية تكرير النفط، حيث يُحوّل بشكلٍ أساسي إلى حمض الكبريتيك، وهو أحد المواد الكيميائية الأولية المهمّة صناعياً، ومنه إلى مركّبات الكبريت الأخرى المختلفة. يدخل الكبريت في تركيب العديد من المواد الحياتية اليومية مثل الأسمدة والمبيدات وكذلك في عيدان الثقاب. تتميّز مركّبات الكبريت العضوية بأنها ذات رائحة كريهة، ولها دور في الرائحة المنفّرة في النفط والغاز الطبيعي، وكذلك في الثوم والبصل؛ كما أن كبريتيد الهيدروجين مسؤولٌ عن صدور الرائحة الكريهة للبيض العَفِن. من جهةٍ أخرى، فإن لأكاسيد الكبريت أثر بيئي كبير، فهي من مكوّنات المطر الحمضي.

للكبريت أهميّة حيوية، فهو يعدّ من العناصر الغذائية الأساسية؛ فهو يدخل في تركيب الحمضَين الأمينيّّين (السيستئين والميثيونين) واثنين من الفيتامينات (الثيامين (فيتامين ب1) والبيوتين (فيتامين ب7)). كما تحوي العديد من العوامل المرافقة على الكبريت في تركيبها، مثل الغلوتاثيون والثيوريدوكسين، بالإضافة إلى البروتينات الحديدية-الكبريتية. تسهم الروابط S-S في ثنائيات الكبريتيدات في إضفاء خواص المتانة الميكانيكية وعدم الانحلالية لبروتين الكيراتين، وهو بروتين حيوي مهمّ وموجود في شعر وريش العديد من الكائنات الحية. يلعب الكبريت أيضاً دوراً في عمليات كسب الطاقة في عددٍ من الكائنات الحية المجهرية اللاهوائية.

التاريخ

العصور القديمة والوسطى

عُرف الكبريت منذ أقدم العصور، وذلك لأنّه يوجد في الطبيعة بشكله العنصري الحرّ. فقد استخدم المصريون القدماء الكبريت في تبييض الأقمشة وفي بعض التطبيقات الأخرى منذ حوالي 2000 سنة قبل الميلاد؛ ووفقاً لبردية إبيرس فقد استُعمِلَ مرهمٌ حاوٍ على الكبريت في علاج التهاب الجفن. منذ القرن السادس قبل الميلاد أطلق الصينيون على خامة الكبريت الطبيعية اسم «شيليوهوانغ 石硫黄»، والمنتشرة بالقرب من مدينة هانتشونغ؛ ومنذ القرن الثالث قبل الميلاد اكتشف الصينيون أنّه من الممكن استخراج الكبريت من البيريت. اهتمّ الطاويّون بقدرة الكبريت على الاشتعال وبتفاعله مع بعض الفلزات، ووجدوا له استخداماتٍ في الطبّ الصيني التقليدي.

استُخدِم الكبريت منذ مرحلة ما قبل العصر الكلاسيكي اليوناني في التعقيم بالبخار، وهو أمرٌ مذكورٌ في الأوديسّة؛ كما استُعمِل الكبريت في الحروب لتحضير المشاعل لقدرته على الاحتراق البطيء. ناقش بلينيوس الأكبر الكبريت في موسوعة التاريخ الطبيعي، وأورد التطبيقات المستخدمة في ذلك الوقت مثل التعقيم والطب وتبييض الملابس. ساهم الكيميائيون العرب والمسلمون في تطوير التجارب على عنصر الكبريت التي سعت لمعرفة ماهيته، ونجح جابر بن حيان في تحضير حمض الكبريتيك من أملاح الكبريتات (التي كانت تسمى الزاج)، ولذلك أطلق عليه اسم «زيت الزاج». قام الهنود أيضاً بوصف استخدام الكبريت في العمليات الخيميائية مع الزئبق وذلك منذ القرن الثامن للميلاد، وكان يطلق عليه اسم «ذو الرائحة». وَصَفت معاهدة سلالة سونغ الحاكمة العسكرية سنة 1044 للميلاد استخدام صيغٍ متنوّعة من مسحوق البارود الأسود، والذي كان يحوي على الكبريت في تركيبه بالإضافة إلى الفحم ونترات البوتاسيوم (ملح البارود). كان الرمز الخيميائي للكبريت في أوروبا على شكل مثلّث على رأس صليب؛ واستخدم الكبريت من الخيميائيين الأوروبيين في معالجة الجرب والحكة والصدفية وحب الشباب؛ وذلك غالباً بسبب أثر الكبريتيت (السلفيت) المعقّم والمختزل.

العصور الحديثة

كانت عملية غرف الرصاص التي طوّرها جون روبوك سنة 1746 من أولى العمليات التقنية الكيميائية لإنتاج حمض الكبريتيك. ساهم أنطوان لافوازييه لاحقاً سنة 1777 في إقناع المجتمع العلمي آنذاك أنّ الكبريت هو عنصرٌ وليس مركّباً كيميائياً؛ خاصّةً أنّ إجراء التجارب على احتراق الكبريت كان عاملاً مساعداً في إسقاط نظرية الفلوجستون. في النهاية أدّت تجارب لوي جوزيف غي ـ لوساك ولوي جاك تينار في ترسيخ حقيقة أنّ الكبريت ينتمي إلى العناصر الكيميائية؛ وبناءً على اقتراح من يونس ياكوب بيرسيليوس مُنِحَ العنصر الرمز S، حيث بدأ يظهر في الجداول العلمية للعناصر منذ سنة 1814. تمكّن الكيميائي وليام كريستوفر زايسه سنة 1822 من اكتشاف مركّبات الزانثات الحاوية على الكبريت، كما تمكّن من تحضير إيثانثيول، وهو أوّل مركّبات الثيول (المركبتانات) المكتَشفة. من الاكتشافات المهمّة الأخرى المتعلّقة بالكبريت عمليةُ فلكنة المطاط، والتي اكتشفها تشارلز غوديير مصادفةً سنة 1839.

كانت توضّعات وترسّبات الكبريت في صقلية وافرةً، وكانت المصدر الرئيسي للكبريت لأوروبا لفترات طويلة من الزمن. في أواخر القرن الثامن عشر كان يُستورَد حوالي 2000 طن سنوياً من الكبريت إلى مدينة مرسيليا في فرنسا من أجل تحضير حمض الكبريتيك المستخدَم في عملية لوبلان. بالمقابل ازداد الطلب على الكبريت في بريطانيا أثناء الثورة الصناعية، ومع ازدياد التنافس مع فرنسا، زادت الضغوط السياسية، ممّا أدّى في النهاية إلى حدوث ما أطلق عليه اسم «أزمة الكبريت» سنة 1840، وذلك عندما قام فرديناندو الثاني ملك الصقليتين بمنح صلاحيات استخراج الكبريت بشكلٍ حصريٍّ إلى شركة فرنسية، خارقاً بذلك اتفاقية مُسبَقة مع بريطانيا تعود إلى سنة 1816، ممّا دفع بريطانيا بالتهديد بالحصار البحري، إلّا أنّ فرنسا توسّطت بحلّ الأمر سلمياً بمفاوضاتٍ دبلوماسية.

توسّع استخدام الكبريت منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث استخدم في المجال الطبي لصنع المراهم وغيرها؛ كما ازداد الطلب عليه مع تطوير عملية التماس لتحضير حمض الكبريتيك ولصناعة الأسمدة. وفي الولايات المتحدة اكتُشِف الكبريت سنة 1867 في ولايتي تكساس ولويزيانا في توضّعات تحت أرضية، والتي استخدمت عملية فراش لاحقاً لاستخراجه منها، والتي طُوّرت ما بين سنتي 1891 و1894 من الكيميائي هيرمان فراش.

الوفرة الطبيعية

في الكون

يتشكّل نظير الكبريت 32S داخل النجوم الضخمة عند درجات حرارة مرتفعة جدّاً في عملية احتراق السيليكون، والتي تندمج فيها نواةٌ من السيليكون مع نواةٍ من الهيليوم؛ وتعدّ هذه العملية جزءاً من عملية ألفا التي تنتج العناصر الكيميائية في الكون بكمّيّات وافرة، ولذلك فإنّ الكبريت هو عاشر العناصر الكيميائية من حيث ترتيب الوفرة في الكون. توجد سحبٌ من غاز ثنائي أكسيد الكبريت وضباب من حمض الكبريتيك في الغلاف الجوّي لكوكب الزهرة، وبُرهِنَ على وجود الكبريت في تركيب كوكب المريخ؛ كما عُثرَ على الكبريت أيضاً في تركيب قمر أوروبا؛ ومن الأمثلة الواضحة على وفرة الكبريت في الكون هو قمر آيو (أحد أقمار كوكب المشتري)، والذي يتميّز بلونه الأصفر بسبب وجود الكبريت فيه بأطواره المتعددة، الغازية والصلبة والمنصهرة؛ حيث اقتُرحَ أن تكون الحمم البركانية، التي تمتدّ على مسافة مئات من الكيلومترات، مكوّنةً من الكبريت ومركّباته.

يدخل الكبريت أيضاً على هيئة مركّبات الكبريتيد في تركيب عدّة أنماط من الأحجار النيزكية؛ فيحوي الكوندريت العادي وسطياً على الكبريت بنسبةٍ تصل إلى 2% تقريباً، في حين تصل النسبة في الكوندريت الكربوني إلى حوالي 6.6%. تحوي النيازك عادةً على كبريتيد الحديد FeS على شكل معدن ترويليت، ولكنّ هناك استثناءات، حيث يحوي الكوندريت الكربوني أحياناً على الكبريت العنصري أو الكبريتات أو مركّبات أخرى للكبريت. يمكن أن يوجد الكبريت على عدّة أشكال في الكون، من بينها الشكل النادر على هيئة جزيء ثنائي الذرة S2 في النيازك؛ كما توجد مركّبات بسيطة مختلفة للكبريت في الوسط بين النجمي مثل كبريتيد الهيدروجين H2S وكبريتيد الكربونيل COS وأحادي أكسيد الكبريت SO وثيوفورمالدهيد CH2S وغيرها.

في الأرض

يعدّ الكبريت خامس العناصر الكيميائية من حيث ترتيب الكتلة في الأرض، أمّا من حيث تركيب القشرة الأرضية فيأتي الكبريت ومركّباته في المرتبة السادسة عشرة. تصفُ دورة الكبريت العمليات الجيوكيميائية التي ينتقل فيها الكبريت ومركّباته بين الأنظمة والأوساط المختلفة الموجودة على سطح الأرض، والتي تشمل غلاف الأرض الصخري والمائي والجوي والحيوي.

يمكن أن يُعثَر على الكبريت بشكله الطبيعي العنصريَ الحرَ، أي بشكل غير مرتبط مع عناصر أخرى، وهو ذو لون أصفر مميّز، ويسمّى هذا الشكل عادةً «زهر الكبريت». وفق الجمعية الدولية للمعادن فإنّ الكبريت ينتمي إلى المعادن اللافلزية العنصرية، ويمكن أن يوجد على أشكالٍ متعدّدة، منها معدن الروسيتسكيت النادر. تكون توضّعات الكبريت عادةً ذات بلّورات صغيرة متكتّلة معتمة، ولكن يمكن العثور على بلّورات كبيرة الحجم، وأكبر بلّورة كبريت موثّقة تبلغ أبعادها 22×16×11 سم. تكون البلّورات الكبيرة من الكبريت شفّافة إلى شافّة، وهي ذات بريق، ولها الخواص البصرية التالية: معامل الانكسار: nα = 1.9579 و nβ = 2.0377 وnγ = 2.2452؛ وزاوية التبعثر: "2vz ≈ 68°58. تترك بلورات الكبريت خدشاً أبيضَ اللون على السطوح السوداء.

حسب مكان العثور على الخامة فإنّه يمكن للكبريت أن يوجد بتكوّن ترتيبي مع معادنَ أخرى مثل الأنهيدريت والأراغونيت والكالسيت والسليستيت والجص والهاليت. يوجد الكبريت في الطبيعة أيضاً في معادن مختلفة، أكثرها شهرةً على شكل معادن الكبريتيدات مثل البيريت والمرقشيت (كبريتيد الحديد) والكالكوبيريت (كبريتيد الحديد والنحاس) والزنجفر (كبريتيد الزئبق) والغالينا (كبريتيد الرصاص) والسفاليريت (كبريتيد الزنك) والإستبنيت (كبريتيد الإثمد) وغيرها. إنّ أكثر المعادن ارتفاعاً بنسبة الكبريت في تركيبها هي معادن الكبريتيدات التالية: باترونيت (حوالي 71.6% في كبريتيد الفاناديوم VS4) وفيلامانينيت (حوالي 55.9% في كبريتيد للنحاس مع فلزات أخرى) وهاوريت (حوالي 53.9% في كبريتيد المنغنيز MnS2). يوجد الكبريت أيضاً على شكل معادن الكبريتات مثل الجص (كبريتيات الكالسيوم) والألونيت (كبريتات البوتاسيوم والألومنيوم) والباريت (كبريتات الباريوم) وسيانوتريخيت (كبريتات النحاس) وغيرها؛ كما يمكن أن يوجد في الطبيعية مع الهاليدات مثل معدن كونيليت؛ أو مع الأكاسيد مثل معدن قرمزيت؛ أو مع الكربونات مثل معدن ليدهيليت؛ أو مع الزرنيخات مثل معدن كالكوفيليت؛ أو مع السيليكات مثل معدَنَي هاوين ونوزيان.

كانت صقلية لفترةٍ طويلة من التاريخ مصدراً رئيسياً لتعدين الكبريت، وخاصّةً أثناء الثورة الصناعية. يمكن العثور على الكبريت العنصري بالقرب من الظواهر البركانية مثل الحمم والمنافس الحرارية المائية والنوافث في عدّة مناطق في العالم، وخاصّةً على نطاق منطقة الحزام الناري، حيث يستخرج الكبريت بالقرب منها مثلاً في إندونيسيا وتشيلي واليابان. يصطنع الكبريت الطبيعي من الكائنات اللاهوائية التي تعيش على معادن الكبريتات مثل الجص في القباب الملحية. توجد توضّعات معتبرة من القباب الملحية على طول ساحل خليج المكسيك، وكذلك في الرواسب التبخريّة في أوروبا الشرقية وغرب آسيا. كما توجد توضّعات رسوبية من الكبريت كذلك في أستراليا والولايات المتحدة وروسيا. كما يوجد الكبريت أيضاً في الوقود الأحفوري مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري، حيث يمكن أن تصل نسبة الكبريت في الفحم البني مثلاً إلى 10%.

يوجد الكبريت في غلاف الأرض المائي على شكل أيون الكبريتات (السلفات)، وهو يشكّل ما مقداره 7.68% من نسبة الأملاح الكلّية في مياه البحر، ليأتي بذلك في المرتبة الثالثة بعد أيونات الكلوريد والصوديوم. عندما يكون تركيز أيون الكبريتات فوق 100 مغ/ل، فإنّه يسبب التآكل، خاصّةً للفولاذ والخرسانة في الإنشاءات البحرية. أمّا في المياه العذبة فتشكّل أيونات الكبريتات مصدراً لقساوة المياه وعُسْرها، لذلك تعمل محطّات تحلية المياه على ضبط تركيزها في مياه الشرب. تطلق البراكين طبيعياً غاز ثنائي أكسيد الكبريت عند ثورانها، كما يمكن أن تشكّل جسيمات كبريتية من الهباء الجوي تتراوح أبعادها بين 0.1 إلى 1 ميكرومتر في طبقات الغلاف الجوّي العليا، والتي تعكس حينها أشعّة الشمس وتبعثِرُها، ممّا قد يترك تأثيراً مبرّداً على المناخ العالمي. يطلق على المياه الحاوية على نسبٍ مرتفعةٍ من الكبريت (غالباً على شكل كبريتيد الهيدروجين) اسم «المياه الكبريتية»؛ وهي غالباً ما تستخدم للاستشفاء.

الإنتاج

يمكن العثور على خامة الكبريت طبيعياً على هيئة زهر الكبريت الأصفر في عدّة أماكنٍ من العالم، وهو شائع الوجود على هذا الشكل. كما يمكن أن يُستحصَل على الكبريت بشكلٍ غير مباشر وذلك من أكسدة معادن الكبريتيدات المنتشرة في الطبيعة مثل معدن البيريت، وذلك بالتسخين الحراري بحيث ينتج غاز ثنائي أكسيد الكبريت، والذي يُحوَّل لاحقاً إلى حمض الكبريتيك.

كانت المنطقة البركانية في صقلية مركزاً للحصول على خام الكبريت، حيث كان يَسهُل العثور على خام الكبريت بالقرب من سطح الأرض، إذ كان يُجمَع ثم يُعالَج بأسلوب عُرفَ لاحقاً باسم «عملية صقلية»، والتي كانت الطريقة الأولية البدائية المنتشرة لمعالجة الكبريت إلى أن جرى استبدالها لاحقاً في القرن التاسع عشر بعملية فراش. كانت قطع الكبريت تُكدَّس مع وجود فراغات فيما بينها في قمائن (أتون) مصنوعة من الآجر (القرميد) ومبنية على الهضاب المنحدرة؛ بعد ذلك يُنثَر مسحوقٌ من الكبريت على تلك القطع ويُشعَل ممّا يسبّب انصهار الكبريت وسيلانه إلى أسفل الهضبة؛ وفي النهاية كانت بقايا التوضّعات الرسوبية تُنثَر في المحيط. كانت عملية صقلية مجهدة ومضنية وخالية من الآليات، حيث استُعملت العمالة اليدوية لتحرير الخامة من الصخور وجلبها إلى السطح، ولا يزال هذا الأسلوب مستخدماً بالقرب من المناطق البركانية في أنحاء العالم، وخاصّةً في إندونيسيا بالقرب من بركان إيجن.

يُنتَج الكبريت حاليّاً بطرق آلية، إمّا من أماكن توفّر خامة الكبريت وفق عملية فراش، أو يُستحصَل على شكل ناتج ثانوي من عمليات تكرير النفط. يَعتمد المبدأ في عملية فراش على ضخّ بخار الماء المحمَّص إلى توضّعات الكبريت الرسوبية، ممّا يؤدّي إلى انصهار الكبريت بالشكل الذي يسهل فيه استخراجه بشكل نقي نسبياً (حوالي 99.5%) من جوف الأرض بضخ الهواء المضغوط. كانت عملية فراش العملية الوحيدة لاستخراج الكبريت لفترة طويلة، وبقيت مستخدمة رغم وجود طرق أخرى إلى أواخر القرن العشرين، ففي سنة 1995 على سبيل المثال كان الإنتاج العالمي وفق هذه الطريقة حوالي 3.1 مليون طن. ولكن مجموع العوامل من حيث محدودية أماكن توضّعات خامة الكبريت والكلفة المرتفعة، بالإضافة إلى تطوير وسائل استحصال الكبريت من النفط والغاز الطبيعي، أدّى إلى تراجع استخدام عملية فراش، بحيث أنّ هذه العملية لم تعد مطبّقة بشكل أساسي في أيّ مكان من العالم منذ سنة 2002.

يُستحصَل على الكبريت حالياً بشكل أساسي من كبريتيد الهيدروجين، والذي ينتج ثانوياً من عمليات تكرير النفط والغاز الطبيعي، إمّا بشكل طبيعي أثناء عملية الاستخراج، أو بشكل ناتج ثانوي من عمليات نزع الكبريت المهدرج، والتي تهدف إلى إزالة مركبات الكبريت العضوية غير المرغوب بها من المنتجات النفطية النهائية وذلك بإجراء فصم للرابطة الكيميائية بين الكربون والكبريت C–S على الشكل:

يُحوَّل كبريتيد الهيدروجين إلى عنصر الكبريت وفق عملية كلاوس، والتي تتألّف من خطوتين؛ تتضمّن الأولى أكسدة جزء من كبريتيد الهيدروجين إلى ثنائي أكسيد الكبريت بأكسجين الهواء، ثمّ في الخطوة الثانية بإجراء تفاعل تناسب مشترك بين كبريتيد الهيدروجين وثنائي أكسيد الكبريت:

يمكن أن يُكدَّس الكبريت المستحصَل على هيئة أكوام ليستخدم في تطبيقات أخرى؛ فعلى سبيل المثال توجد حالياً كمّيات كبيرة نسبياً من عنصر الكبريت في مقاطعة ألبرتا الكندية نظراً لارتفاع محتوى الكبريت في نفط أثاباسكا الرملي. لكن تخزين الكبريت في حالته الصلبة يجعله عرضةً للرطوبة الجوية ولأنواع من البكتريا، ممّا يحوّله في النهاية إلى حمض الكبريتيك؛ كما يؤدّي تشكّل كبريتيد الحديد نتيجة التآكل ضمن الخزانات الحديدية إلى حدوث تلقائية الاشتعال، ممّا يرفع من خطورة اندلاع الحرائق أو الانفجارات. لذلك فإنّه غالباً ما يُخزَّن ويُنقَل الكبريت على الحالة السائلة، خاصّةً أنّ وجوده على هذا الشكل له ميّزات من حيث الكلفة والجودة، كما أنه يسيَّل في أغلب الأحيان قبل استخدامه في التطبيقات المختلفة. بلغ الإنتاج العالمي من الكبريت سنة 2011 حوالي 69 مليون طن متري، ساهمت فيه أكثر من 15 دولة بمليون طنّ على حدة، أمّا باقي الدول المساهمة بأكثر من 5 مليون طن فهي الصين (9.6) والولايات المتّحدة الأمريكية (8.8) وكندا (7.1) وروسيا (7.1).

النظائر

    أمّا الكبريتيت فيُكشَف عنه بواسطة بيكبريتات البوتاسيوم، حيث ينتج غاز ثنائي أكسيد الكبريت الحمضي ذو الرائحة الواخزة:

    التحليل الآلي

    يمكن تحليل الكبريت مطيافياً باستخدام مطيافية الرنين المغناطيسي النووي 33S-NMR، وذلك من أجل تحليل الكبريت على شكل الكبريتيت أو الكبريتات؛ إلّا أنّ حساسية هذا الأسلوب التحليلي قليلة، بسبب ندرة الوفرة الطبيعية لهذا النظير.

    كما يمكن وفق تقنية الاستشراب الغازي (الكروماتوغرافيا الغازية) الكشف عن الكبريت انتقائياً باستخدام كواشف عاملة وفق مبدأ الضيائية الكيميائية أو البلازما. أمّا من أجل تحديد المحتوى الكلّي من الكبريت في المركّبات العضوية فيمكن تحويلها إلى غاز كبريتيد الهيدروجين، ثم بتحليلها كروماتوغرافياً.

    الدور الحيوي

    ينتمي الكبريت إلى العناصر الحيوية المهمّة في خلايا الكائنات الحية، وله العديد من الوظائف الحيوية، وهو يدخل في دورة الغذاء على كافّة المستويات التصنيفية للكائنات الحية. تماثل الوفرة الطبيعية للكبريت في جسم الإنسان وفرة البوتاسيوم، وتقدّر كمّيته في جسم إنسان وزنه 70 كغ بحوالي 140 غرام، ويقدّر نسبياً بحوالي 0.25% وزناً؛ ويحوي الغلوبين عند الإنسان حوالي 0.6% وزناً كبريت. يمكن لبعض الأنواع النباتية أن تحوي مكوّنات عضوية كبريتية مثل الأليين وغيرها، والمسؤولة عن الروائح المميّزة للبصل والثوم مثلاً، وذلك إلى نسبة تصل إلى حوالي 5% من وزنها الجاف. عند تعرّض هذه المركّبات في حالتها الطازجة إلى أكسجين الهواء تتأكسد بمساهمة من نشاط إنزيمي إلى مكوّنات كبريتية عضوية مثل ثنائي كبريتيد ثنائي الأليل والأليسين، وهي المسؤولة عن الرائحة والنكهة المميّزة لهذه النباتات.

    البرو

    المصدر: wikipedia.org