اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد رجوع بابر لكابل ولى وجهه صوب الپنجاب والهندستان والتي سبقه أجداده إليها من قبل، وكانت الهندستان حين أقبل بابر عليها في أوائل القرن العاشر الهجري مسرحاُ للاضطرابات والفوضى في ظل حكومة ضعيفة بالرغم من ثرواتها واتساع رقعتها، ولم تكن تملك تلك الوحدة المتماسكة التي شهدتها أيام كبار الغزنويين ومن خلفهم عليها مثل شهاب الدين الغوري وقواده وعلاء الدين الخلجي وغياث الدين تغلُق. وحاول السلاطين اللودهيون الأفغان أن يستعيدوا لهذه البلاد مجدها السابق، فنجحوا بذلك، فأتيح لبهلول اللودهي أن يسترد حدود دلهي القديمة وبسط نفوذه على رقعة كبيرة من الأرض، ثم خلفه ابنه اسكندر بعد فأضاف إلى بلاده منطقة الدوآب وأخضع لسلطانه الراجپوتانا ووثق علاقاته بحكام البنغال. كان عمال دلهي على ولاياتها عند اللودهيين من الأفغان من قبائل لودهي وفرهولي ولوحاني، وكانت يعلمون جيداً أن الدولة قامت بسيوفهم وبرجالهم، فمناصبهم ليست بمنحة من سلطان دلهي إنما هي حقهم الطبيعي والثابت. وحين خلف السلطان اسكندر ولده إبراهيم مال إلى امتهان الأمراء والانتقاص من حقوقهم، فاجتمعوا فيما بينهم على التراجع عن بلاطه إلى ولاياتهم لإثارة الاضطرابات عليه بأوده وجونفور بهار وللتصريح بخروجهم على سلطانه. وقطعت كل من البنغال ومالوه والگُجرات العلاقات مع العاصمة، وقام رانا سنگا صاحب اُدايپَور وأقوى أمراء الهنادكة في زمنه بتزعم حلف عقده مع أمراء الراجپوتانا بهدف القضاء على سلطان المسلمين في الهند كلها.
انطلق فريق من كبار الأمراء وفيهم دولتخان اللودهي أمير الپنجاب وعلاء الدين علم خان عم السُلطان، يستنجدون بابر في كابل ويحرضونه على دخول الهند ومعاونتهم في إنزال سُلطان دلهي عن عرشه. ويُذكر أن بابر يردد القول دائماً في سيرته أنه منذ أن استقر بكابل كان يعزم على التوجه إلى الهندستان، ففضلاً عما كان لجده السلطان أبي سعيد من أملاك عند أطراف الپنجاب والسند، كان يرى في نفسه أنه الوريث الشرعي لها حتى بعث إلى السلطان إبراهيم اللودهي صاحب دلهي يطالبه بها، بعد أن رأى استحالة عودته إلى بلاد ما وراء النهر التي ثبت الأوزبك أقدامهم فيها، وبات حلفاؤه وأصدقاؤه الصفويون يسيطرون إلى خراسانو ما حولها. وأتيح لبابر أن ينحدر من الهندكوش إلى مشارف الپنجاب وسهوله القريبة في غزوتين ناجحتين بلغ بهما بهيرة ورجع منهما بكثير من الغنائم وبقدر من المعلومات المفيدة عن الهند وأهلها ومحاربيها، وأحوال حكومتها، حتى استعداه بعض أمرائها على سلطانهم فخرج إليها في غزوتين أخريين بلغ في أولهما لاهور قصبة الپنجاب ودخل في الثانية أغرة فجلس على عرش الهند وأقام بها دولته. يقدر بعض المؤرخين غزوات بابر الهندية خمس غزوات، فمنهم من يضيف في حسابه مجولة عند مشارف الپنجاب للاستطلاع، ومنهم من يضيف إليهم خروجه إلى بشاور لتأديب القبائل الخارجة عليه.
خرج بابر من عاصمته كابل في شهر محرم من عام 925 هـ الموافق فيه 1519م فاجتاح حصن بچور على حاميته برغم استبسالها الذي كلفها ثلاثة آلف من الأرواح (رأى رجال هذا الحصن البنادق لأول مرة، وسخروا من عدوهم في البداية وهم يشعلونها، حتى انطلقت وأصابت الكثيرين منهم وبلغ منهم الخوف مبلغه)، وعبر نيلآب وجهلم من روافد السند وأقبل عليه زعماء القبائل يعلنون ولاءهم له، فبسط نفوذه على مناطق جينآب وخوشآب جينوت وكانت كلها من أملاك التيموريين السابقة، وغيرها من البلدان. ونصحه رجاله أن يصالح سلطان دلهي على رد جميع أملاك التيموريين بالپنجاب إليه ويعود إلى بلاده، وقبل بابر هذا الرأي بسبب ضيق رجاله من حر الهند اللافح. ولم يكد بابر يمضي بكابل شهراً واحداً بعد أن عاد إليها، حتى أرتد إليه نائبه على بهيرة وما حولها لخروج الهنود والأفغان عليه وعجزه على القضاء على عصيانهم بسبب قلة قواته. وأدى إلى تعويق خروج الپادشاه إلى الپنجاب من جديد ما كان من خروج بعض قبائل الأفغان عليه ببلاده حتى انتهى إلى تعزيز حصون بشاور بحاميات قوية نستطيع السيطرة على منازل "الأفريدي" و"الوزيري" وخضر خيل فيما حولها. ولم يكد يبلغ مشارف بيهرة من جديد عام 926 هـ الموافق فيه 1520م حتى بلغه انقضاض شاه بيك أرغون على قندهار وإعماله السلب فيهما حولها من أراضي، فارتد إليه فوراً فأخرجه منها ونصَّب عليها ثاني ابنائه كامران، كما استولى أيضاً على بدخشان فأقام عليها ابنه الأكبر همايون. حتى إذا ما تم له ذلك كله فوفد إليه رسل بعض الأمراء الأفغان اللودهيين يستنجدون به على سلطانهم صاحب دلهي، فشرع في إعداد العدة لغزوة هندية كبرى انتهت باستيلائه على أجزاء كبيرة من الپنجاب ودخول عاصمته لاهور.
خرج بابر من كابل في مستهل عام 920 هـ الموافق فيه 1524م فما إن أشرف على لاهور حتى التقى بجيش قوي لدلهي فهزمه ودخل المدينة الكبيرة بعد ذلك فأباحها لجنوده أربعة أيام وأشعل النيران في أبنيتها وأسواقها، ثم اتجه من بعد ذلك صوب دپالپور فاستولى عليها بعد أن أنزل بحاميتها مذبحة كبيرة. ولحق بابر في دپالپور أمير الپنجاب "دولتخان" الذي كان قد استنصره على السلطان اللودهي من قبل، وقد كان دولتخان يظن أن بابر سيعود إلى بلاده بعد هذه المعارك وأن يترك البلاد لحلفائه من أهلها، فما غدا حين لمس إهمال بابر له، حتى قام مع أولاده بالتآمر عليه حتى كادوا يوقعون به، وقد انتهى أمرهم جميهاً بالحبس بعد أن انطشف أمرهم. واتخذ بابر من بعد ذلك طريقه إلى دلهي، حتى وصله خبر فرار دولتخان مع ابنه "غازي خان" من أسرهما، فقام بالارتداد فوراً إلى لاهور خوفاً من قطع خط الرجعة عليه وعلى قواته، ليرغمه ظهور الأوزبك عند بلخ من بعد ذلك على العودة إلى كابل، وترك بالپنجاب حامية قوية من رجاله كفلت له إقرار الأمور هناك ودفعت عن عاصمة الإقليم قوات دولتخان وأنزلت بها هزيمة شديدة. وسخط دولتخان من حفاوة بابر بعلاء الدين علم خان عم سلطان دلهي حتى ولاه دپالپور، ثم أمده بالجند حين قصد إليه في مقامه بكابل وأمر قواده بلاهور أن يسيروا معه إلى دلهي فإذا دخلوها أجلسوه على عرشها، واحتال على الأمير اللودهي حتى انقاد له وقبِل صحبته في زحفه إلى عاصمة الهند بالرغم من تحذير قادة بابر في لاهور له منه، وقد تصدى لهم السلطان اللودهي عند ظاهر دلهي وأنزل بهم في الليل هزيمة حاسمة تشتت على أثرها شملهم، حتى قام فريق كبير من القادة بالاختباء في الجبال، وقام فريق آخر بالانضمام إلى قوات دلهي.
انتهز الأمراء الراچبوتيون فرصة الضعف التي أصابت لدولة أيام السُلطان إبراهيم اللودهي فعقدوا بينهم حلفاً لمُناهضة الحكم الإسلامي في الهند تزعمه "رانا سنگا" صاحب مِوار وراجا أدايپور، وانتهز رانا سنگا فرصة اشتغال بابر بالقضاء على القلاقل في المناطق الشرقية وفيما حول عاصمته، فاستولى على حصن گهندار وهاجم بيانه ودملپور وكالبي من جديد، ثم بدأ يؤلب الأمراء الأفغان ضد بابر ويدعوهم للانضمام إليهم حتى استجاب له فريق منهم. فأخذوا جميعاً يعدون العدة للزحف إلى أغرة، فبرز بابر من عاصمته في جمادى الأولى من عام 933 هـ حتى بلغ سكسرى فأقام بها معسكره، وأخذ يُحصن مواقعه وهيئت عربات الحرب والمدفعية وحُفرت الخنادق وأقيمت المتاريس، وفي هذا المكان أعلن عن عزمه على الجهاد بمحاربة الهنادكة ورفعه ضريبة عن رعاياه، وإقلاعه عن شرب الخمر توبة إلى الله (حيث أن الخمر من المُحرمات في الدين الإسلامي)، وأمر بأهراق الخمر على الأرض وبتحطيم أدوات الشرب من الذهب والفضة إلى قطع صغيرة وتوزيعها على الفقراء، وقد أذيع هذا المنشور في سيرة بابر الجغطائية باللغة الفارسية لأنها كانت اللغة الغالبة في البلاد: «نحمد توابّا يحب التوابين والمتطهرين ونشكر ديانا يهدي المذنبين والمستغفرين... وبعد فإن طبيعةالإنسان على مقتضى الفطرة تميل إلى لذاا النفس البشرية، فهي ليست بمنحاة عن ارتكاب الآثام، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (4)... وها هي التوبة عن الشرب قد آن أوانها في هذه الأوقات المباركة التي نعد العدة فيها للجهاد في سبيل الله، وقد اجتمع عساكر الإسلام لحرب الكفار... أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (5) فاقتلعنا أسباب المعصية بقرع أبواب الإنابة -ومن قرع باباً ولجَّ ولجَ- وافتتحنا هذا بالجهاد بالجهاد الأكبر هو مجاهدة النفس ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾(6) ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(7)، فأعلنا جميعاً توبتنا عن الشراب وأمرنا بأدواته من كؤوس الفضة والذهب فألقيت إلى الفقراء والمساكين والمعوزين صدقة.... هذا ولما كان الناس على دين ملوكهم فقد أقبل كثير من المقربين لدينا فنالوا في المجلس شرف الإنابة والتوبة عن تعاطي الشراب مطيعين للأوامر معرضين عن النواهي، ولما كان الدال على الخير كفاعله، فنرجو الله أن يكون لنا من ثواب هذه الأعمال نصيب، وأن تكون لنا فالاً طيباً يتزايد بسعادة الفتح والنصر يوماً فيوماً. وغايتنا من هذا المرسوم أن يقابل بالطاعة والخضوع، فينفذ ما ينص عليه من تحريم تعاطي الشراب وصناعته في كافة انحاء بلادنا المحروسة حرسها الله من الآفاف والمخوفات ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.(8) وشكراً لله على هذه الفتوح وتصدقاً القبول، قد جاد الپادشاه من فيض كرمه برفع التمغة (المكوس) عن كاهل المسلمين جرياً على ضوابط شريعة سيد المرسلين، وصدرت الأوامر بمنع جمعها أو تحصيلها في أي بلد أو ثغر أو طريق أو درب. فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ،(9) وعلى الجند الذين يعيشون في ظل العطف الشاهاني من ترك وتاجيك (وهم الأعاجم من أصول عربية) وعرب وعجم وهنود، وعلى المدنيين والعسكريين وأبناء كل ملة ودين، أن يقوموا جنداً لله الحي القيوم على تنفيذ ما جاء بهذا المرسوم دون انحراف عن مقاصدة، مبادرين إلى ذلك حال وصوله إليهم ممهوراً بالخاتم الأشرف الأعلى. —كتبت بالأمر العالي... في 24 جمادى الأولى من عام 933 هـ.» وكان الخوف يشيع في رجال بابر من قتال الهنادكة ومن معهم من الأفغان، وأخذ الپادشاه بتقوية همم رجاله بخطبة فقال: «إن المرء مهما طال به الأجل فمصير إلى الفناء، فما أشرف له أن يستشهد في ميدان الجهاد فيخلد ذكره عن أن يموت خاملاً حتف أنفه... ولقد أراد الله القدير أن يمتحننا بهذه المحنة، فإن نسقط في ميدان الجهاد فقد كُتبت لنا الشهادة وإن ننتصر فقد أعْلينا كلمته تعالى.» وبالرغم من انسحاب كثير من أمراء البلاد من صفوفهم وما بلغهم من مهاجمة الهنادكة لگواليار ونشوب القلاقل في الدوآب فإن جيش بابر زحف إلى أرض خانوه عند مشارف الراجپوتانا يتقدمهم أصحاب الآلات الحربية من رجال المدفعية وحملة البنادق. والتقى الجمعان قبيل ضحى يوم السبت 13 جمادى الآخرة 933 هـ الموافق فيه 16 مارس 1527م، وتحوي سيرة بابر وصفاً دقيقاً لهذه الواقعة:
الحمدلله الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده... وصلى الله على خير خلقه محمد سيد الغزاة والمجاهدين.. وبعد؛ فما من نعمة تستوجب الشكر أعظم من النصر على الكفار، فهي في نظر أهل البصيرة أعلى درجات السعادة. والمنة لله وحده الذي حقق لنا من منونات نعمه، النصر والغلبة فكتبنا عنده في سجل المجاهدين لإعلاء كلمته... وتفصيل الأمر في مصدر هذه السعادة وظهور هذه الدولة، أنه لما أضاءت ومضات سيوف فرسان الإسلام من جنودنا بلمعات أنوار الفتح والظفر، وأعانت أيادي التوفيق الرباني على رفع رايات النصر في ممالك دلهي وأغرة، وجونفور وخربد وبهار وغيرها من البلدان بما سبق تفصيله، سارع بالانضواء تحت لوائنا والخضوع لسلطاننا كثير من طوائف القوم من أصحاب الكفر وأرباب الإسلام على السواء. أما رانا سنگا فقد تظاهر بطاعتنا بادئ الأمر ثم ما لبث أن أظهر من بطن: فأبى واستكبر ورفع رأس الفتنة وقاد جيوشها، واجتمع حوله طوائف فيها من تمنطق بالزنار وفيها من ارتدى ثياب الكفر والارتداد (أصحاب الزنار هم الهنادكة، والمرتدون هم الأمراء المسلمون الذين انضموا للهنادكة). هذا وكان سلطان ذلك الكافر اللعين قد اتسع بالهند قبل أن تبزغ شمس دولة الپادشاه بها، ولكن لم يحدث قبل هذه الحرب أن شاركه أحد من الراجاوات والحكام حروبه أو خرج معه فيها. أما السلاطين الأقروياء من أمثال أصحاب دلهي والگجرات ومالوه ومن إليهم، ممن كانوا في حالة تسمح لهم بمعارضته والوقوف في وجهه، فقد عجزوا أن يتكتلوا ضده دون اتفاق الكفار وإياهم، فغدوا لذلك يداهنونه بدورهم ويدارونه اتقاء لخطره ودفعاً لشره. وهكذا باتت بنود الكفر ترفرف على قرابة مائتي مدينة من مدن الإسلام التي خرب مابها من مساجد وسبي ما بها من نساء المسلمين وقتل أطفالهم فيها. أما مدى قوته ومبلغ عدّته، فإن كل إقليم خراجه لكا (أي مائة ألف) يستطيع أن يقدم مائة فارس، وما يكون خراجه كروراً (عشرة ملايين) يقدم عشرة آلاف فارس، ولما كان خراج ولاياته جميعاً يصل إلى عشر كرور فقد كان في وسعه أن يجتمع له مائة ألف من الفرسان. هذا وقد أقبل عدد من أمراء الكفار يقدمون العون له لأول مرة، بدافع عدائهم للمسلمين، وكان لهؤلاء إقطاعات واسعة؛ فهذا صلاح الدين أمير بهليسه ورابزن وسارتگبور، كان له ثلاثون ألفاً من الفرسان، وهذا راول أودَي سنگك صاحب دُنگر پور كان له اثنا عشر ألفاً، ثم حسن خان ميواتي وكان له اثنا عشر ألفاً، وبارمل عدوي وكان له أربعة آلاف، وتربت هاره وكان له سبعة آلاف ومندني راي وكان له اثنا عشر ألفا، وستروي كچي وله ستة آلاف، وخرم دوي وله أربعة آلاف وبرسنگك دوي وله مثلهم وأخيراً محمود خان بن السلطان سكندر خان فبرغم أنه لم يكن له من الملك نصيب فقد تم له جمع عشرة آلاف فارس أمل أن يصل بهم إلى العرش (لم تزد قوات هؤلاء الحلفاء في هذه الواقعة عن مائة وعشرين ألف فارس في حين لم تكن قوات بابر تزيد على ما اشترك به في واقعة پاني پت). هكذا ائتلفت جموع أولئك الكفار معاً، كظلمات بعضها فوق بعض، في حرب أهل الإسلام والعمل على هدم شريعة سيد الأنام، لكن المجاهدين انقضوا عليهم طلباً للشهادة في جهاد الكفار والمنافقين.
وفي يوم السبت المبارك الثالث عشر من جمادى الثاني من عام 933 هـ أقام جيش الإسلام المظفر مضارب خيامه على تل بجوار خانوه إحدى مناطق بيانه. حتى إذا ما قدم الكفار بأفيالهم -كأصحاب الفيل- برز لهم عساكر المسلمين رياحين الجنة يقاتلون في سبيله صفاً صفاً كالبنيان المرصوص. أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (10) هنالك أجمع أهل الخبرة على تغطية موضع حملة البنادق وستر مكانهم، وكانوا في الجبهة، فنهجوا نهج مجاهدي الروم (أي العثمانيين)، فصفت العربات أمامهم وقد شُدّ بعضها إلى البعض الآخر بالسلاسل. وكانت جيوش الإسلام تنتظم في إحكام تام، والحرس الشاهاني قد توسط الجناحين منها، وقامت فرق المناوشة بأقصى الجناحين. وحين تقابل الجيشان، وكأنهما الليل والنهار، بدأ الاشتباك عند الجناحين، واشتد أوار الحرب حتى كأنما الأرض قد زلزل زلزالها، وبلغ ضجيج قعقعة السلاح عنان السماء. حتى إذا ما اقتحم جناح الأشقياء الأيسر ميمنة المسلمين، سارعت نجداتنا إليهم، فلم تكتفِ بردهم حتى ظلت تطاردهم إلى قلب جيشهم. وألهم التوفيق نادرة عصره «مصطفى الرومي» وكان في القلب في إمرة ابننا محمد همايون، فتقدم بمدفعه وبنادقه وقذائفه، فحطم صفوف الكفار. حتى إذا ما زحفت أفواجهم من جديد تترى لنجدة رجالهم فكرّوا على جناح المسلمين الأيسر في عنف وشدة، طفق الغزاة يستقبلونهم في كل مرة بالسهام فيبعثون بهم إلى دار البوار، أو يرغمونهم على الفرار، وهم يرددون قوله تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ .(11) وحين حمى وطيس الحرب صدرت الأوامر إلى رجال الحرس الشاهاني بالبروز للقتال، وكانوا في مواقعهم من وراء المدفعية كالأسود في أقفاصها، فاندفعوا من يمين القلب ويساره كطلعة صبح صادق أطلّ من وراء الأفق، فضرجوا الكفار في ماء بلون الشفق وأطاحوا برؤوس الكثيرين منهم. هذا كما طفق نادرة العصر الأستاذ عليقلي (كان لبابر إلى جانب مدفعه فطع صغيرة أخرى يسميها فرنكية عدا بنادق التي تعرق باسمه التركي "تفك"، وكانت العربات الحربية تصل إلى ثمانمائة) يقذفهم وأتباعه من وسط الجبهة، بقذائف تحيل الجبال الراسيات كالعهن المنفوش، ولو كوفئ الوحد منا بثقلها أعمالاً طيبة لثقلت موازينه، فهو في عيشة راضية، فحصد بها الكثير من الكفار حصداً. كذلك سقى حملة البنادق على هذا المنوال، صدرت الأوامر بتقدم المدفعية من مواقعها إلى الأمام، وبدأت الحضرة الخاقانية بدورها في تقدمها، والفتح في ركاها والظفر واليُمن، فزحفت على فرق الكفار. واختلط الضارب بالمضروب، والغالب بالمغلوب، وانعقدت سحب الغبار فوق الرؤوس وقد حُجبت الشمس وومضاتها، وما ينبعث من الشرر حين تضرب الخيل الأرض بحوافرها في الكر والفر. وهتف الهاتف بالغزاة المجاهدين وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .(12) وأنه ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾(13) فاقبلوا فرحين مستبشرين يقاتلون في طلب الشهادة، وبلغت المعركة أوجها بين الصلاة الأولى والثانية، ليفلح المسلمون من بعد ذلك في تطويق جيوش الكفار وحصرهم بمكان واحد. حتى إذا ما رأى هؤلاء الأشرار الملحدون أنه قد أحيط بهم، انطلقوا مستيئسين يهاجمون من جديد على طول الجبهة حتى كاد النصر يواتيهم عند الجناح الأيسر، لولا أن أطبق المجاهدون عليهم فاقتلعوهم من أماكنهم وألزموهم طريق الفرار قسراً. هنالك أقبلت نسايم النصر على بستان حظنا ومعها مددٌ من قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (14) وتجلى لأعيننا الإقبال والسعادة في كلامه عز وجل: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا .(15) وهكذا انفرط عقد الهنادكة فتناثروا كالعهن المنفوش، فمنهم من سقط في حومة الوغى، ومنهم من هلك في تيه الخراب فصار طعاماً لجوارح الطير، حتى تكدست أجسادهم بعضها فوق بعض كالهضبة الرابية وتكومن رؤوسهم كالمنائر العالية (من تقاليد التيموريين أنهم كانوا على أثر كل انتصار يقيمون من رؤوس القتلى من أعدائهم على هيئة أهرامات ومنائر). وكان من بين القتلى حسن خان ميواتي وكثيرون من أمراء الكفار وأصحاب الشوكة والأعيان الذين بعثت بهم السهام ونيرات البنادق إلى سقر. أما دار الحرب فقد غصت بالجرحى منهم، فكانت كجهنم حين يلتقي خزنتها لمنافقين فتمتلئ بهم، كما لم يكن هناك موطئ لقدم إلا وفيه صرعى من عليائهم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾(16)....
– من كتاب تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم، الجزء الثاني لأحمد محمود الساداتي الذي قام بترجمة هذا النص من بابر نامه ويقول بخصوص ذلك: حافظنا في نقل هذا الوصف إلى العربية على أسلوب الأصل وصورته الأدبية ما وسعنا ذلك، ولم نرفع منه إلا أسماء القواد الكثيرة.