اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأ غضب الفلاحين في كسروان يتزايد منذ منتصف القرن 19، نتيجة لعدد من العوامل، بما في ذلك أعباء السخرة التي فرضت خلال حكم الأمير بشير الثاني الشهابي، المصاعب الاقتصادية والنقص في توفر الأراضي. وقد كانت عائلة آل الخازن هي الحاكم التقليدي في كسروان وحملت لقب الشيخ، رغم أن قوتها قد تضاءلت بشكل ملحوظ خلال حكم الأمير بشير. وقف آل الخازن موقف المعارضة من فكرة إنشاء "القائمقامية المزدوجة" في جبل لبنان في خلال العقد 1840، والتي بموجبها يتم تقسيم جبل لبنان إلى قطاعين إداريين، مسيحي ودرزي، كما عم السخط الشديد بسبب تعيين الشيخ حيدر أبي اللمع من أسرة مختلطة بين الدروز والمسيحيين بصفته قائممقام على الجزء الماروني من القائممقامية. وقد خشي آل الخازن من أن هذا التعيين سوف يخضعهم رسمياً إلى سلطة حيدر أبي اللمع. وعقب وفاة هذا الأخير في عام 1854، خلفه في المشيخة بشير أحمد أبو اللمع المدعوم من طرف فرنسا بعد فوزه على خصمه بشير عساف الذي كان مدعوماً من قبل بريطانيا، وقد حاول بشير أحمد هو الآخر الحد من نفوذ آل الخازن، ما دفعهم إلى تحريك الفلاحين للثورة ضد بشير أحمد. إلا أن الثورة انقلبت بشكل مفاجئ وتحولت ضد آل الخازن وحلفائهم الإقطاعيين.
وكان الفلاحون قد حذروا آل الخازن منذ فترة طويلة من عواقب إجراءاتهم المتمثلة بفرض الضرائب الضخمة على الفلاحين، رغم كونها مرفوضة بعد إصدار الدولة العثمانية خط كلخانة عام 1839 والخط الهمايوني عام 1856، إضافة إلى إجبارهم على منح آل الخازن هدايا إضافية فوق الضرائب وذلك في المواسم والأعياد وهو ما اعتبره الفلاحين أمراً مهيناً.
في أوائل عام 1858، قدمت مجموعة من الفلاحين من كسروان شكوى رسمية ضد الخازن إلى خورشيد باشا، الوالي العثماني في بيروت. وفي وقت لاحق، في مارس 1858، عقد آل الخازن قمة للشعب في كسروان من أجل حشد الدعم لترشيحهم لمناصب القائمقامية الجديدة. بدلاً من ذلك، أعرب الفلاحين المشاركين في القمة معارضتهم لمساعي آل الخازن. وفي أكتوبر، دخلت عدة قرى في كسروان في تحالف ضد شيوخ آل الخازن. وفي ديسمبر اختار هذا التحالف شاهين كزعيم لهم، وأعلنوه لاحقاً بمنصب الوكيل الأول، وكان هذا الأخير حاقداً على الإقطاعيين بسبب تأثره بموت والده بفنجان القهوة المسموم من قبل حاكم ذوق مكايل، كسروان "جمال الخازن"، ما دفعه إلى تحريض الفلاحين على التصدي لآل الخازن.
في يناير 1859، كثف شاهين من تحركاته المسلحة ضد شيوخ آل الخازن مع قوة من 800 من مقاتليه الفلاحين، وكذلك البورجوازية الأوروبية الصغرى التي كانت هي الأخرى ضد الإقطاعيين، فقاموا بضرب الحصار على آل الخازن خلال إحدى قممهم في غوسطا. وقد دفع الحصار المشايخ إلى الفرار من القرية، ليقوم الفلاحين تحت قيادة شاهين بنهب ممتلكات آل الخازن. شرع شاهين ورجاله في مهاجمة بقية ممتلكات ومشايخ آل الخازن في قرى أخرى مع خسائر قليلة في القتلى، باستثناء زوجة وابنة أحد شيوخ الخازن حيث قُتلتا في عجلتون في يوليو خلال غارة على منزلهم من قبل الفلاحين. وقد اعتبر البطريرك الماروني بولس بطرس مسعد، حادثة قتلهم بأنها "جريمة مروعة" وأدانها علناً. قام الفلاحون بنهب الحرير ومخازن القمح التابعة للشيوخ وتم توزيع السلع بين الفلاحين في كسروان. بحلول يوليو، كان حوالي 500 إلى 600 من عائلة الخازن قد فروا إلى بيروت في حالة فقر. وسع شاهين المطالب الرئيسية لتحركاته التي كانت تشمل تخفيف الضرائب واسترداد الفلاحين للمدفوعات غير القانونية التي تم دفعها سابقاً لشيوخ الخازن لتشمل أيضاً الإصلاحات السياسية والقانونية. فاستنجد شاهين بفرمان الكلخانة، الذي كفل المساواة لجميع المواطنين العثمانيين.
بعد انتصاره على مشايخ آل الخازن، قام شاهين والفلاحين بتشكيل حكومة في كسروان، ثم أعلن الجمهورية. وحمل في الجمهورية الوليدة لقب الوكيل العام. في خريف عام 1859 قام بنقل مقر تمرده من قرية ذوق مكايل الساحلية إلى مسقط رأسه في ريفون في الجبال. على الرغم من أن الثورات كانت شائعة نسبياً في جبل لبنان، إلا أن طرد عائلة آل الخازن من قبل حركة فلاحية كانت حركة لم يسبق لها مثيل. تألفت حكومة شاهين من مجلس من 100 عضواً ممثلين لقرى كسروان، وأكثر من نصفهم من ممثلي الفلاحين الذين لا يملكون أراضي، 32 عضواً كانو من المزارعين جيدي الحال، عشرة أعضاء مثلوا رجال الدين والثلاثة الباقين هم من التجار أو المقرضين. وكان شاهين خلال هذه الفترة يشرف على قوة قوامها 1000 رجل، وقد سمحت له هذه القوة بممارسة السلطة عن طريق الاستيلاء على الأسلحة وضمان التمسك بالقانون وإرساء الأمن على الطرقات. كما وأصدر عقوبات انضباطية في مراسيم باسم الشعب على الأفراد المنشقين المشتبه بخياننتهم للحكومة. ودخل أيضاً في مفاوضات مع شيوخ آل الخازن، لكنها وصلت لم تفضي إلى أي شيء.
كانت القرى الرئيسية التي تدعم حكومة شاهين ريفون، عجلتون، عشقوت، قليعات ومزرعة كفردبيان. كان ممثلو هذه القرى قادرين على كسب التضامن من القرى الأخرى عن طريق إقناع سكانها بالوسائل السلمية والقسرية أحياناً أن المسيحيين جميعاً جزء من مجتمع واحد مع هدف موحد. إلا أن قادة بعض القرى، مثل غوسطا، عرمون، غزير وفتوح عارضوا شاهين وثورته. زادت شعبية شاهين بسبب نظرة الفلاحين المسيحيين إليه على أنه منقذهم من التسلط الدرزي وسيطرة النخب التقليدية المارونية على مقدرات الأمور في جبل لبنان. وقد تعززت هذه النظرة أكثر بعد أن ساهم رجال شاهين بدعم السكان المسيحيين في اشتباك مع السكان الدروز في قرية بيت مري المختلطة في المتن في أغسطس 1859.
طالب آل الخازن باستعادة حكمهم في كسروان ورفعوا شكاوي إلى الحكومة العثمانية حول الممتلكات المسروقة أو التالفة من قبل الفلاحين. أطلق العثمانيين تحقيقاً في كسروان، لكن في مقابلاتهم مع الفلاحين، ادعى الفلاحون أنهم لم يكونوا على علم بعمليات النهب وغيرها من الجرائم، في حين نفى ممثلي شاهين أنهم متمردون، وأصروا على أنهم يسعون فقط لتنفيذ الإصلاحات والتنظيمات الواردة في مرسوم الكلخانة وأعلنوا رغبتهم في استعادة القانون والنظام. رفع الفلاحين طلبات للبطريركية المارونية، طلبوا فيها تعويض من آل الخازن عن الضرائب التي كانت تؤخذ بصورة غير قانونية ومن بينها الهدية التقليدية المطلوبة من الفلاحين، وإلغاء ضرائب الزواج التي يفرضها آل الحازن ووضع حد للممارسات المهينة للفلاحين. ووسط المطالبات، اعترف شاهين اسمياً بأن البطريركية المارونية هي الحكم النهائي في المنازعات، لكنه دعاها إلى الوفاء بالتزاماتها للأهالي (العوام). في حادث منفرد أطلق هو أو رجاله طلقات باتجاه مقر البطريرك في بكركي لاستضافته عدد من شيوخ آل الخازن الذين سعوا إلى اللجوء هناك. في مارس 1859، رفض شاهين طلب الكنيسة لعقد اتفاق مع شيوخ آل الخازن، مشيراً إلى ضرورة "التشاور مع جميع الأهالي وجميع القرى" أولاً.
شكل صعود شاهين حرجاً وتشويشاً للحكومة العثمانية لاستخدامه لموضوع تنظيمات الكلخانة لإضفاء الشرعية على ثورته. وقد اعتبر العثمانيون أن الدعوة في التنظيمات إلى المساواة الدينية لا يمكن أن تترجم إلى المساواة بين الطبقات. وهو ما فسره شاهين كذلك. وعلاوة على ذلك، فإن الحكومة العثمانية لم تتمكن من تصديق أو الأخذ بالاعتبار، أن مجموعة من الفلاحين شبه الأميين الناطقين بالعربية من منطقة ريفية مثل كسروان يمكن أن يكونوا ممثلين لحركة التنظيمات. ولذلك كان رد فعل السلطات العثمانية على تحركات الفلاحين سلبياً، على الرغم من أن السلطات العثمانية المحلية في بيروت كانت عموماً عاجزة عن التحرك ضد المتمردين الفلاحين بسبب نقص الأموال والقوات على الأرض. كان خورشيد باشا يتعاطف أكثر مع مشايخ آل الخازن وفي رسالة إلى البطريركية اُتهم شاهين بقيامه باستخدام "الخداع ليضلل عقول الناس ولإغواءهم ليتبعوه في طرقه الشريرة". وقد انصب التركيز الرئيسي للسلطات العثمانية في لبنان على ثورة شاهين. ومع ذلك، اتهم المؤرخون اللبنانيون في وقت لاحق الوالي خورشيد باشا بقيامه بتقديم الدعم الضمني على الأقل لشاهين من أجل كسر التضامن الطائفي.
أرسل خورشيد باشا الأمير يوسف علي مراد، وهو شيخ ماروني من عائلة أبي اللمع، لكبح المتمردين الفلاحين في الجبيل، ولكن شاهين أرسل رسالة يحذر فيها الأمير يوسف من التدخل في شؤون الجبيل لأن "مسيحيي الجبيل قد توحدوا مع أهالي كسروان"، وادعى أن"جميع المسيحيين من سوريا أصبحت لهم قضية مشتركة". وأدان الأمير يوسف لسماحه لنفسه بالوقوف إلى جانب شيوخ آل الخازن المخلوعين وادعى أن له "أقارب دروز" واتهمه بمحاولة "تركيع المسيحيين بعد أن تحققت لهم الحرية". وقد هدد الأمير يوسف ودعاه إلى "العودة دون تأخير"، وأنه إذا كان "يريد القتال، نحن أكثر حرصا منكم على ذلك، ونحن لسنا خائفين". وقد تأهبت النخب المارونية والكنيسة المارونية والسلطات العثمانية إلى تفاقم خطر شاهين بعد الدعم الذي تلقاه من الفلاحين المسيحيين في كسروان وأجزاء أخرى من جبل لبنان وتحديه للأمير يوسف من خلال نهج طائفي شعبوي.
وفي استجابة لشكاوي كاهن ماروني حول المضايقات من قبل المسلمين الشيعة ضد المسيحيين، قام رجال شاهين بمهاجمة القرى والمسافرين الشيعة في جبيل وطالبوا القرى الشيعية باعتناق المسيحية لتجنب الاعتداء. فتظاهر السكان الشيعة في جبيل على هذه الاعتداءات في يونيو 1859. وبينما بدأت إجراءات شاهين بتوليد مزيد من الإحباط لدى كافة الأطراف المسيحية والمسلمة والدرزية، فإن سمعته بينهم كمدافع عن حقوق المسيحيين بدأت تنمو أكثر في الأوساط الشعبية.