اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
اكتسبت تمنطيط وبفضل وقوعها على جانب الطرق التجارية الرئيسية شهرة كبيرة، فكانت أسواقها مركب العربان وملتقى التجارة وفضاء رحب لتبادل مختلف السلع والمنتجات، وهو ما أشار إليه صاحب القول البسيط بقوله: «فاعلم أن تمنطيط اسم لمدينة في إقليم توات، اجتمع فيها العلم والعمارة، والولاية والديانة والرئاسة، وانتصبت بها الأسواق والصنائع، والتجارات والبضائع، وكذا لا يستغني عنها غني ولا زاهد، لما فيها من الدين فهي مورد الركبان، ومحشر العربان، ورئيسة البلدان، تنصت لشعرها الجيران، ويرد بها الظمآن وترتئ بها التجار في الأوان، ولا يقنع ذو سلعة عرفها إلا بسعرها»(). أما ابن خلدون فيقول مشيرا إلى انتقال خط التجارة إليها بعد تعرض القوافل التجارية إلى السلب من قبل القبائل القاطنة على خط الطريق الذي كانت تسلكه قبل إيجاد خط تمنطيط وهذا خلال القرن الرابع هجري : «لما صار الأعراب من البادية يغرون على سابلتها ويعترضون رفاقها فتركوا تلك الطريق أي خط السوس ولاتا ونهجوا الطريق إلى بلاد السود ان من أعالي تمنطيط »()، فالأمان الذي منحه السكان للقبائل والموقع الجغرافي لتمنطيط بحكم وقوعها وسط الطريق الجنوبي، جعلا من أسواقها مركزا تجاريا ومحطة للالتقاء القوافل التجارية القادمة من سجلماسة والعائدة إليها من مدينة تمبكتوا ببلاد السودان ومن صحراء التكرور أيضا، كما كانت تأتيها من الطريق الشرقي وهو طرابلس بجاية المنيعة فتمنطيط ثم بلاد السودان، يقول ابن خلدون :«فواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتيكوراين....وهناك قبائل من تلمسان ووجده تسمى (دوي عبد الله) وتنتهي رحلتها في القفار إلى توات وتمنطيط وربما عاجوا ذات الشمال إلى تسابيت وتيكورارين وهذه كلها رقاب السفر إلى بلاد السودان »()، فتمنطيط على هذا النحو كانت تجارتها مرتبطة مع الأقاليم التالية():
ولم تكن القوافل لتغادر أسواق المدينة إلا بعد توقيع عقد ما بين الطرفين،(تجار المدينة والتجار الوافدين مع القافلة) يحدد فيه سعر البيع وعمولة الوسيط ويصدق عليه من قبل قاضي المدينة()، وقبل أنطلاق الحافلة تستأجر دليل يكون خبيرا بمسالك الصحراء وفي الغالب يكون من قبائل الطوارق، يقول ابن خلدون:«....المفازة المجهلة لا يهتدي فيها للسبل ولا عبر الوادي إلا بالدليل الخريت من الملثمين (التوارق) الطواعن بذلك القفر، يستأجره التجار على البدرقة بهم باوفى الشروط»()، وقد كان ذهابها وأيا بها يستغرق عدة شهور.
ونظرا لعمارة أسواق المدينة ورخصها وتنوع منتجاتها، أصبحت مقصدا لقوافل الحجيج المارة بالصحراء في طريقها إلى أرض الحجاز، فحجيج سجلماسة وتافيلالت وشنقيط كانوا يعرجون على أسواق توات لتجهيز قوافلهم بما تحتاج اليه من مؤونة قبل الانطلاق في رحلة الحج، يقول العياشي : «إن كثيرا من الحجاج لما غلا صرف الذهب في تافيلالت أخروا الصرف إلى توات بان (كذا) الذهب فيها أرخص وكذا سعر القوت من الزرع والتمر،...ويوجد بها من البضائع والسلع التي تجلت من هناك السودانية شيء كثير »().
أما عن ما كان يعرض في هذه الأسواق من منتجات، فنجد التمر والحناء والحلي والأطباق والتدارات المصنوعة من سعف النخيل وهي سلع محلية، كان تجار السودان يطلبونها بكثرة، ومن السودان يؤتى بالذهب والفضة الخام وريش النعام والعاج واللحوم المجففة والأغنام والكحل والأعشاب الطبية والأدوات الحديدية كالقدور والسكاكين والأسلحة، بعض هذه المنتجات يستهلك محلياً والبعض الآخر يوجه إلى الشمال كريش النعام والعاج والذهب، ومن المغرب كان يؤتى بالخيل والملابس والقماش()، وكان التعامل يتم بطريقتين إما بالتقايض أو بالنقد المحلي أو الخارج.
لقد عرف سكان تمنطيط الزراعة بفضل نظام الفقارات الذي إستحدثه السكان الأوائل، ومارسوها بشكل كبير في منطقة الواحات ووصلوا إلى حد تحقيق الإكيفاء الذاتي، خاصة فيما يخص إنتاج التمر والقمح والشعير فزراعتهم كانت معاشية بالدرجة الأولى.
كما أهلها موقعها الجغرافي للعب دور المسيط في التجارة بين أسواق شمال المغرب وأسواق السودان الغربي، يقول ابن خلدون :«... وأخرها من جانب الشرق يسمى تمنطيت وهذا بلد مستجر في العمران وهو ركاب التجار المترددين من المغرب إلى بلد مالي من السودان لهذا العهد، ومن بلد مالي إليه.»()، ويقول أيضاً: « وأما عبيد الله فلابد لهم في كل سنة من رحلة الشتاء إلى قصور توات وبلد تمنطيت ومع ناجعتهم تخرج قفول التجار من الأمصار والتلول حتى يحطوا بتمنطيت ومنها إلى بلد السودان.»()، وهذا ما ساعد سكان المدينة على النهوض ببعض الصناعات والمهن الحرفية كصناعة الفضة والصابون وصياغة الذهب، وكان أربابها اليهود إلى جانب صناعة الطين والنسيج والحدادة ومشتقات النخيل