اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يُعتَبر بدء نزول الوحي ونزول القرآن الكريم على النَّبيِّ محمَّدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بدايةً جديدةً ونقطة تحوُّلٍ فارقةٍ في تاريخ البشريَّة جمعاء؛ حيث لم يسبق للإنسان أن يتكوَّن لديه تصوُّرٌ واضحٌ عن الكون والحياة والقيم بهذه الطَّريقة التي جاء بها سيُِّد البشريَّة، كما لم يُؤتَ بمثل هذا التَّصوُّر شموليَّةً وملاءمةً للحياة الإنسانيَّة على مرِّ الزَّمن، فانتقلت البشريَّة منذ لحظة نزول الوحي من طريق الاعوجاج والظَّلام إلى طريق الهدى والنور، وإلى الطَّريق المستقيم المؤدِّي إلى النَّجاة في الدَّارَين. كانت تلك اللَّحظة التاريخيَّة حينما أتمَّ الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- الأربعين عاماً، وكان ذلك الحدث الكونيُّ الهامُّ في يوم الاثنين، بعد سبعة عشر يوماً خلا من رمضان.
كان أوَّل ما نزل على سيِّدنا محمَّدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عندما جاءه الملَك جبريل -عليه السَّلام-؛ كلمة اقرأ من سورة العلق في القرآن الكريم، وذلك كما روى الشَّيخان من حديث عائشة أمِّ المؤمنين -رضي الله عنها-، حيث قالت: (حتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وهو في غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ} [العلق: 1]- حتَّى بَلَغَ - {عَلَّمَ الإنْسَانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] فَرَجَعَ بهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حتَّى دَخَلَ علَى خَدِيجَةَ).
رجع النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بذلك إلى أمِّ المؤمنين السَّيِّدة خديجة -رضي الله عنها- وهو خائفٌ يرتجف من هول ما مرَّ به، ويقول: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)، فزمَّلوه وغطُّوه حتّى ذهب عنه الرَّوع، ثمَّ أفاض -صلَّى الله عليه وسلَّم- ما بداخله إلى زوجته خديجة بأنّه خشي على نفسه من شدَّة الخوف، فطمأنته وهدَّأته، وأخبرته بأنّ الله لا يضيِّعه ولا يخزيه أبداً؛ فهو المُحسن الذي يصل الرَّحم، ويحمي الضَّعيف، ويُكسب المعدوم، ويُكرم الضَّيف، ويعين على نوائب الحق. وبعد ذلك ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، فأخبره أنّ الذي نزل عليه هو النَّاموس الأكبر وصاحب الوحي جبريل -عليه السَّلام- الذي نزل على موسى -عليه السَّلام- من قبل.